المنبر الحر

المنبر الحر | “حبق البقال” من بوار إلى بوار‎

بقلم: الطيب آيت أباه

    “حَبَقُ البقّال” نبتة طيبة رعاها بصدق وإخلاص أسلافنا من البناة في مشتل قطاع التجارة، ثم عمدوا إلى غرسها بواسطة فروعهم صدقة تجارية جارية في جميع أنحاء المغرب، حتى عَمّ فضلها، وسارت بخَيرها الركبان، لا ينكر جميلها إلا جاحد وبُو الرّكَابِي مُورّانْ!

وأنا قاعد على الكرسي بجوار محبق الحانوت، حَضرَتني واقعة حكاها لي الوالد رحمة الله عليه، وتتعلق بتاجرين صديَقين، جمع بينهما درب عمر أيام العز، فكان التاجر ذي الأصل الدكالي يتباهى على التاجر ذي الأصل السوسي بشتّى أشكال الضيعات العائلية، الغاصة بمختلف أصناف الماشية، ويدعوه لزيارتها من حين لآخَر، بينما التاجر السوسي سَاقْل، وضارب الطّمّ، يكدّ في صمت كالنملة، إلى أن جاء يوم دعا فيه التاجر السّوسي بدَوره صديقه الدكالي لحضور عرس ابنه البكر في تمازيرت.

كان الطريق طويلا، والسفر إلى تلك القرية النائية المعلقة بين السماء والماء شاقّا! بخلاف الدكالي الذي كان يزور بلدته بكل يُسر، لقُربها من مكان عمله، وقد حصل أن وصلوا حينها إلى تمازيرت ليلا وهم متعبين، وبعد أن تناولوا وجبة العشاء وملأوا بطونهم بما لذ وطاب في ضيافة الأكارم من أهل الجود والسخاء، طاحو عباد الله دُودة، واستسلموا للنوم من فرط السكينة والهدوء.

على النبّوري، صعدَ أخونا الدكالي من فناء المنزل إلى سطحه، وطلقَ عينيه على حدّ الشوف، لاستكشاف المكان، فما وجدَ مِن حَوله غيرَ الجبال والقفار.. لا طائر يطير، ولا غصن أخضر يميل، ثم نزل على الفور عند صديقه السوسي، شاغرا فاهُ تعلوه الدهشة من هول الصدمة، ليستفسره: “خويا الحاج محمد، فايْن الفلاحة؟”، وبعفوية بريئة، وتلقائية فريدة، أجابه السوسي: “الفلاحة خْلّيناها في درب عُمر آسيدي الحاج أحمد”.

مع ما بات يقض مضاجع مّالين الحوانت اليوم من مضايقات تُهدّد وجودهم، سواء على مستوى موارد أرزاقهم في المدينة، أو على مستوى أصولهم في تمازيرت، وبعد أن اكتسحَت الطفيليات والأحراش الغريبة جميع محابِقهم ومواطِن حِباقهم في غفلة من ممثليهم بمختلف المجالس المُنتخَبة، فلا تستغرب عندما تجد أغلبهم اليوم جالسين، يُفكرون، يتساءلون، وحال لسانهم يردد: “اللي تلفْ يشدّ الأرض”! إلا أن السوق والفلاحة مؤخرا، وعلى حد سواء، هنا وهناك، أصبح من بوار إلى بوار.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى