روبورتاج

ربورتاج | جائحة استعمال القوة العمومية دون مقاربة اجتماعية

إعادة إيواء ساكنة دوار "سهب القايد" الصفيحي بسلا تخلف كارثة اجتماعية

تعيش بعض الأسر في الدوار الصفيحي “سهب القايد” ببطانة بمدينة سلا، معاناة حقيقية حيث يبيتون في العراء، وذلك بعدما أقدمت السلطات على هدم بيوتهم بالقوة، وترحيلهم إلى بقع أرضية قرب سوق الأحد ببوقنادل في إطار برنامج إعادة الإيواء، لكن قرار السلطات شابه “التمييز” في توزيع البقع الأرضية، حسب تصريحاتهم، حيث يقول البعض منهم أنه تم منح أسر بقعة واحدة، بينما فرض على أسرتين الاشتراك في بقعة، أو البحث عن مستفيد آخر قصد المشاركة، فيما رفضت الجهات المسؤولة تمكين الأبناء المتزوجين من الاستفادة مع آبائهم رغم أنهم يقطنون في نفس “البراكة” منذ سنوات.
تعيش العديد من الأسر في دوار “سهب القايد” أكثر من 40 سنة، والذي يعد من أقدم الأحياء الصفيحية في مدينة سلا إلى جانب دوار صفيحي آخر بحي تابريكت، بحيث تم استغلاله من قبل بعض المنتخبين لكسب أصوات في كل موسم انتخابي، وتحويله إلى نقطة سوداء في السنوات الفارطة، بسبب تغاضي ممثلي السلطات عن تزايد وتفريخ “البراريك” فيه، وبناء تجمعات عشوائية أنتجت بيئة غير سليمة ساهمت في تفشي ظواهر سلبية متعددة، منها اعتراض سبيل المواطنين وترويج المخدرات، كما تم استغلال “السهب” من طرف سماسرة الانتخابات، لإعطاء الناس وعودا كاذبة حول تمكينهم من شقق سكنية أو بقع أرضية.

ربورتاج: خالد الغازي

أسر تشتكي المحسوبية والزبونية

    قررت العديد من الأسر المتضررة البقاء في “السهب” رغم هدم بيوتها، بعدما وجدت نفسها مشردة ولا تملك ثمن كراء منزل في الأحياء الأخرى، وتطالب هذه الأسر بتسوية وضعيتها مثل باقي العائلات والأسر التي استفادت بشكل جماعي من بقعة واحدة، رافضة قرار السلطات إشراكها إلى جانب أسرة أخرى في نفس البقعة الأرضية، مما سيخلق لهم نزاعات ومشاكل اجتماعية وقضائية في حالة استقرار عائلتين في منزل واحد.

سيدة من ضحايا قرار الهدم، صرحت بأنها تعاني في العراء منذ أن قامت السلطات بهدم بيتها، حيث تسكن في “عشة” قامت ببنائها من أنقاض بيتها المهدوم وقالت: “عندي عائلة وولدي متزوج ويسكن معي وأطفاله منذ سنوات، بغيت نستافد مع ولدي المتزوج مثل الجيران في بقعة وحدة، من حقي ناخذ بقعة بحال جميع الناس اللي عندهم ولادهم مزوجين”، وتقول سيدة أخرى من قاطني دوار “سهب القايد” أن زوجها من أوائل القاطنين في الحي الصفيحي منذ أربعين سنة، وتريد الاستفادة رفقة أبنائها من بقعة واحدة، رافضة مشاركة عائلتين في نفس البقعة، موضحة ظروفها: “زوجي عندو أوراق البراكة قديمة من 40 سنة، وجات السلطات وقالوا لي نديروا معاكم حل، لكنهم هدموا لينا البراكة وليت مشردة، كنطالب بشي سكن فين نستقر أنا وراجلي اللي مريض ومشلول، ماعنديش باش نبني البقعة وأطلب من الملك نصره الله يشوف من حالنا”.

حالات إنسانية صعبة للأسر التي لم تتم تسوية وضعيتها، حيث تعيش في ظروف التشرد والضياع بعدما أقدمت السلطات على استعمال القوة في هدم الحي الصفيحي وإنهاء وجوده دون مقاربة اجتماعية أو معالجة للحالات الأكثر فقرا والتي لا تتوفر على الإمكانيات المادية للاستقرار أو الكراء أو بناء البقعة الأرضية، فحسب بعض المواطنين القريبين من الحي الصفيحي، فإن قرار الهدم خلف مأساة حقيقية لدى الآباء والأمهات والأطفال الصغار، الذين وجدوا أنفسهم بدون مأوى يعيشون في غرفة مظلمة مبنية من مخلفات المنزل الصفيحي، حيث لم تمنحهم السلطات فترة زمنية لترتيب أمورهم في ظل الجائحة، قبل تعميم قرار الهدم، لاسيما وأن ظروفهم الاجتماعية صعبة.

إشكالية “الشريك” في بقعة أرضية واحدة

    مصطفى واحد من القاطنين بـ”سهب القايد”، لديه ثلاثة أطفال وزوجته حامل، يعاني بدوره من ظروف قاسية بسبب المقاربة التي استخدمتها السلطات في القضاء على الحي الصفيحي، لكنه قرر البقاء في “عشة” مكونة من البلاستيك رفقة أطفاله بدون ماء ولا كهرباء، حيث تنتشر الجردان في محيط البيت المهدوم بعد تدمير قنوات الصرف الصحي، ويقول في هذا الموضوع بأنه لا يريد شيئا سوى الاستقرار رفقة أطفاله في سكن لائق (شقة)، لأنه لا يتوفر على الإمكانيات اللازمة لبناء البقعة الأرضية الممنوحة، حتى لو وجد شخصا آخر يشترك معه فيها، لكونه لا يملك أي مدخرات مالية لتحمل تكلفة البناء، لأن تجارته محدودة الدخل لا تكفي لمصاريف الأسرة ودراسة الأطفال، ويضيف: “لا أطلب أي شيء، عندي وليدات فين غادي نديهم، ماعنديش الفلوس باش نبني، أنا بغيت غير سكن لائق لوليداتي، بغيت غير سكن فين نستقر، كنطلب من سيدنا الله ينصرو يشوف من حالنا، دّارت فرزيات منهضروش عليها هما يتحملوا مسؤوليتها، ولكن عندي ثلاثة لولاد ومراتي حاملة، دبا أنا مشرد وسط الطوبات والشمكارة ووليداتي غادي يضيعوا في الدراسة ديالهم بسبب هاد الضياع”.

سيدة أخرى متضررة تقول أنها رفقة أخت زوجها مطلوب منها البحث عن شريك آخر للاستفادة من بقعة واحدة، قائلة أن هذا التوزيع غير عادل، لأن مسألة البحث عن “الشريك” فيها مشاكل كبيرة، وغير معقول منح أسرتين من عائلة واحدة نصف بقعة، وإلزامها بالبحث عن أسرة أخرى للحصول على بقعة كاملة.

وأضافت أنها تعيش في حالة مزرية رفقة أبنائها فوق أنقاض البيت، ولا تتوفر على الإمكانيات المادية للذهاب إلى مكان آخر أو كراء منزل في أحد الأحياء الشعبية، معتبرة أن قرار الهدم لم يراع الظروف المعيشية للأسر الفقيرة، حيث أصبحت الغالبية منها تعيش التشرد بعد هدم الدوار.

وتطالب العديد من الأسر المتضررة من قرار السلطات هدم “سهب القايد”، بمراجعة توزيع البقع الأرضية وتمكينها من الاستفادة لوحدها عوض إشراك أسرتين في بقعة واحدة، لأن هذا الأمر قد يخلق صراعات ونزاعات بين سكان المنزل الواحد مستقبلا، بينما عائلات أخرى ترى أن السلطات لم تراع الظروف الاجتماعية التي تعيشها هذه الأسر وأن طريقة إعادة الإيواء شابها الغموض والتمييز والاختلالات في توزيع البقع بين القاطنين، حيث هناك عائلات استفادت من بقعة واحدة وعائلات أخرى فرض عليها الاشتراك مع أسرة أخرى في بقعة واحدة.

مشروع إعادة إيواء ساكنة “سهب القايد” نموذج للعديد من المشاريع الحكومية التي ظلت متأخرة بعد مرور عدة سنوات على البرنامج الوطني للقضاء على دور الصفيح، حيث استفادت عائلات منذ سنوات في الشطر الأول من شقق سكنية لوحدها في حي الأمل بسلا، بينما يرى بعض المستفيدين أن الشطر الثاني غير منصف، لأن الأسر لا تتوفر على الإمكانيات المادية لبناء المنازل من طابقين.

عملية مضبوطة وفق السلطات 

    من جهة أخرى، أكدت مصادر قريبة من السلطات المحلية، أن “مسألة توزيع البقع الأرضية تسير في إطار مضبوط وقانوني وفق برنامج تشرف عليه لجنة إقليمية مكونة من عدة متدخلين، وذلك بعد الإحصاء الذي تم سنة 2019 بشفافية لتسجيل القاطنين فقط في سهب القياد، والذين يتوفرون على الشروط المطلوبة قصد الاستفادة من البقع السكنية المخصصة لإعادة الإيواء”.

وأوضح أحد الأعوان، أن السلطات وضعت شروطا ومعايير لأجل الاستفادة من البقع، من بينها عدد الأبناء أو وجود إخوة متزوجين يقطنون في “براكة” واحدة، أو عائلة مكونة من الأب وابن متزوج تقطن في نفس البيت، أو أسرتين قريبتين، حيث يتم منحهم بقعة واحدة تصل لـ 80 متر مربع، مشيرا إلى أن بقية الأسر القاطنة في “السهب” تستفيد من نصف بقعة وفق نظام ساري على الجميع، وعليها الاشتراك مع أسرة أخرى للحصول على بقعة واحدة في التجزئة السكنية.

مصدر آخر متابع لعملية الإيواء، أكد لـ”الأسبوع”، أن عملية هدم دور صفيح “سهب القايد” مرت في ظروف جيدة ولا تعرف أي اختلالات كما يدعي بعض القاطنين، حيث أن عملية القرعة ستحدد كيفية توزيع البقع على جميع المستفيدين دون تمييز، مبرزا أن بعض الأشخاص يريدون الاستفادة بعدما رحلوا عن “السهب” منذ سنوات، ويسعون للاستفادة بحكم أن بطاقتهم الوطنية مازالت تحمل العنوان القديم، بينما أسر أخرى تدعي أن أبناءها المتزوجين يقطنون معها، لكي تحصل على بقعة واحدة، رغم أنهم يقطنون في أحياء أخرى.

سماسرة يتربصون بالبقع الأرضية

     كشفت مصادر مطلعة، أن سماسرة ولوبيات في مجال العقار، دخلوا على الخط عبر وسطاء في مشروع إعادة إيواء قاطني “سهب القايد”، وذلك بهدف شراء البقع الأرضية من المستفيدين عبر تنازلات مكتوبة، أو الاتفاق مع الأسر الفقيرة من خلال عقود تسمح لهم ببناء المنازل للمستفيدين مقابل الحصول على المحلات التجارية أو طابق في العمارة المرتقبة، قصد تحقيق أرباح مالية، مؤكدة على أن العديد من الأسر المستفيدة من نصف بقعة لا تتوفر على الإمكانيات المادية لبناء المنزل، تريد بيع نصيبها، مما جعل السماسرة والوسطاء ينشطون خلال هذه الأيام بحثا عن أصحاب البقع ذات المواقع الاستراتيجية(…).

وأكدت نفس المصادر، أن ثمن البقع المخصصة لإعادة إيواء سكان “سهب القايد” وصل حاليا لـ 25 مليون سنتيم، وقد يرتفع بعد إجراء القرعة على المستفيدين، حيث يسعى بعض السماسرة لاستغلال الظروف الاجتماعية الصعبة للعديد من الأسر لإقناعها ببيع أرضها مقابل 15 أو 20 مليونا، قصد إعادة بيعها للمقاولين أو لأشخاص آخرين.

واشتكى العديد من سكان “السهب” من برنامج إعادة إيوائهم، لأنه لا يتماشى مع ظروفهم المادية، حيث يفضلون الحصول على شقق سكنية قصد الاستقرار المباشر دون تحمل تكاليف البناء والمشاكل المرافقة له، مما يسمح للسماسرة باستغلال ضعفهم.

تتمة المقال بعد الإعلان

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى