ملف الأسبوع

ملف الأسبوع | التقارب المغربي الأمريكي يرعب فرنسا

التاريخ يؤكد عقدة بلاد الأنوار

كلما حدث تقارب أو قرار أمريكي في مصلحة بلد من بلدان شمال إفريقيا، إلا وأفزع ذلك فرنسا، على اعتبار أن هذه المنطقة خاضعة للنفوذ الفرنسي، ومن شأن أي خطوة أمريكية أن تعتبر محاولة لسحب البساط من تحت فرنسا بالمنطقة. والقرار الأمريكي الأخير باعتراف أمريكا بسيادة المغرب على كامل ترابه، لخير مثال على ذلك، حيث كثرت التأويلات حول سعي أمريكا للتغلغل في المنطقة، وضرب النفوذ الفرنسي بها، والحال أنه ليست هذه هي المرة الأولى التي يحدث فيها هكذا وضع، فقد عرف تاريخ المغرب القريب بالخصوص، أوضاعا مشابهة لما هو عليه اليوم، حيث أنه عندما يحصل تقارب مغربي أمريكي، يثير ذلك التقارب الهلع والترقب في الأوساط الفرنسية، بل وحتى النخب المغربية المتشبعة بالثقافة الفرنسية.

ولعل أهم مثال على ذلك، الأزمة التي خلفها اغتيال الزعيم الاتحادي، المهدي بنبركة، في أكتوبر 1965 فوق الأراضي الفرنسية، حيث هاجم الجنرال دوغول الرئيس الفرنسي، الملك الحسن الثاني مباشرة، بسبب شناعة الجريمة، واعتبر دوغول يومها أن فرنسا تحولت إلى مسرح لتصفية الحسابات الداخلية بين المغاربة، وهو الأمر الذي أحدث أزمة عميقة بين المغرب وفرنسا، دامت قرابة سبع سنوات من القطيعة.

ويبدو من السهل إصدار حكم جاهز على الطرف الخاسر جراء هذه القطيعة، حيث يظهر من المنطقي أنه كان هو المغرب، إلا أن ما كشفت عنه بعض وثائق وزارة الخارجية الفرنسية، والتي رفع عنها طابع السرية، قدم دلائل واضحة بأن فرنسا هي التي أصبحت في موقف حرج، وخرجت خاسرة من أقوى وأشهر أزمة شهدها البلدان منذ استقلال المغرب عن فرنسا سنة 1956، وفي هذا الملف، نحاول من خلال استقراء بعض هذه الوثائق، إبراز التخوف الفرنسي من التقارب المغربي الأمريكي.

تتمة المقال بعد الإعلان

أعد الملف: سعد الحمري

 

التقارب الأمريكي المغربي: نفي مغربي وتخوف فرنسي

    لم تكد تمر إلا شهرين على حادثة اغتيال الزعيم الاتحادي المهدي بنبركة، حتى بدأت تلوح في الأفق، أن سياسة ليّ الذراع التي حاولت فرنسا اتباعها من أجل الضغط على نظام الملك الحسن الثاني، انقلبت عليها. فقد بدأ الحديث في الأوساط السياسية المغربية والفرنسية والدولية، عن سياسة خارجية جديدة يعتزم النظام المغربي نهجها، وقد تعلق الأمر بالعمل على جعل الولايات المتحدة الأمريكية، الشريك الأول اقتصاديا وثقافيا وسياسيا وعسكريا، ومعنى هذا، أن أمريكا ستزيح فرنسا من المغرب، على المدى القريب، أما على المستوى البعيد، فستندحر فرنسا من شمال إفريقيا كاملة.

تتمة المقال بعد الإعلان

كان وقع الصدمة كبيرا على المسؤولين الفرنسيين، الذين سارعوا إلى التحري حول هذا الموضوع، وسبر خبايا ذلك، ومن غيره قادر على إعطائهم الجواب الشافي، أعلى سلطة في البلاد، الملك الحسن الثاني. وعلى هذا الأساس، عمل السفير الفرنسي بالمغرب على بحث إمكانية عقد لقاء مع الملك، وبعد عدة محاولات، اهتدى إلى ترتيب لقاء سري مع العاهل المغربي يوم الإثنين 24 يناير 1966، وكان مكان الاجتماع هو منزل وزير الخارجية المغربي، أحمد الطيب بنهيمة، وقد حضر الاجتماع، السفير الفرنسي، إضافة إلى مدير الديوان الملكي إدريس المحمدي، ثم الملك الحسن الثاني شخصيا، الذي جاء إلى منزل وزير الخارجية المغربي وحده بدون حرس خاص وبصفة سرية، أما مدة اللقاء، فقد دامت ساعة كاملة.

وقد كشفت وثائق الخارجية الفرنسية، التي رفع عنها طابع السرية، تفاصيل ما جرى خلال ذلك اللقاء، والنقط التي تم التطرق إليها، وذكر السفير الفرنسي في تقريره حول هذا الاجتماع الذي رفعه إلى وزير خارجية بلاده، وهو آخر عمل أنجزه بالمغرب قبل أن يعود إلى فرنسا، بعدما قررت باريس سحب سفيرها، أنه تناول عدة مواضيع رئيسية ومختلفة، نظرا لطبيعة العلاقة التي كانت تربط البلدين.

وتبقى أهم مسألة تطرق لها الاجتماع، هي صحة الادعاءات القائلة بأن المغرب يسعى إلى القطيعة مع فرنسا، وجعل أمريكا الشريك والصديق الأول اقتصاديا وسياسيا وثقافيا له، حيث جاء في تقرير السفير الفرنسي أن ((الملك الحسن الثاني نفى نفيا باتا صحة هذه الشائعات، وأكد أنه لن يُقدم على مثل هذه الخطوة، كما حرص على التأكيد وبقوة، عزمه على الحفاظ على العلاقات بين البلدين، رغم الأزمة الخطيرة والعميقة التي مست علاقته الشخصية مع الرئيس الفرنسي، الجنرال دوغول)).

لكن الغريب في الأمر، ومن خلال التنقيب في وثائق الخارجية الفرنسية، فرغم تأكيد العاهل المغربي بنفسه على عدم رغبته في التخلي عن فرنسا، خلال الاجتماع السالف ذكره، إلا أن شك وقلق الفرنسيين استمر، واعتبروا أن ما أكد عليه الملك هو مجرد تمويه وتلاعب بهم، وقد كشفت عن ذلك، وثيقة من أرشيف الخارجية الفرنسية مؤرخة بـ 18 أبريل 1966، أي بعد ثلاثة أشهر فقط على تأكيد العاهل المغربي للسفير الفرنسي عن موقف بلاده من العلاقات المغربية الفرنسية.

فقد جاء في هذا التقرير، أن ((المسؤولين الفرنسيين، ورغم طمأنة الملك للسفير بعدم وجود نية للتخلي عن فرنسا والاتجاه نحو أمريكا، إلا أنهم ظلوا قلقين من أن يتخلى المغرب عن فرنسا كشريك أول اقتصاديا وثقافيا، ويربط عوضا عنهم، علاقات مع أمريكا، التي كانت تنتظر تلك الفرصة منذ استقلال المغرب)) على حد تعبيرهم، وبهذا يبدو أن هواجس فرنسا من إمكانية تخلي المغرب عنها، وربطه علاقات مع أمريكا، أصبح واقعا لا مفر منه، خاصة وأنه رغم طمأنة الملك بنفسه للمسؤولين الفرنسيين، إلا أنهم لم يطمئنوا لما أكد عليه صراحة.

لا يجب قطع المساعدات الاقتصادية الفرنسية على المغرب، لأنها أهم وسيلة للتغلغل السياسي

     بالموازاة مع ذلك، أقدمت فرنسا، وكإجراء من إجراءات الضغط على المغرب، بعد اغتيال المهدي بنبركة، على قطع مساعداتها الاقتصادية على المملكة، غير أن مديرية شؤون إفريقيا الشمالية التابعة لوزارة الخارجية الفرنسية، قامت بدراسة حول الموضوع، وبناء عليه، قامت برفع مذكرة إلى وزير الخارجية الفرنسي تحمل عنوان “حول مشروع المساعدات الاقتصادية للمغرب” مؤرخة بـ 18 أبريل 1966، وكانت أول مسألة أكد عليها منجزو التقرير، هي عدم قطع المساعدات الاقتصادية على أي دولة كانت مستعمرة سابقة من طرف فرنسا، مهما تأزمت العلاقات معها، وقد جاء فيه، أنه ((بعد استقلال المستعمرات عن فرنسا، ومن بينها المغرب، أصبحت المساعدات الاقتصادية الفرنسية تشكل الأداة أو الوسيلة المفضلة للتغلغل الاقتصادي))، وأوضح التقرير أن ((معظم المشاريع التي تقوم على هذا الأساس، من شأنها أن تكون لها أهداف على المدى الطويل، وتكون بطريقة منظمة، ولها أهداف محددة تخدم الاقتصاد الفرنسي)).

وضرب التقرير مثالا على ذلك، بالمساعدات العسكرية المقدمة للدول المستعمرة سابقا من طرف فرنسا، ومن ضمنها المغرب، وهي التي اعتبرها ضرورية لإحداث تراكم وحركية ومجال حيوي في كثير من خطوط الإنتاج بالنسبة للصناعة الفرنسية، أما المساعدات المدنية، فقد اعتبر التقرير، أنها تضمن لفرنسا في كل سنة، حق الاحتكار والاستفراد بالمشاريع الاقتصادية الجديدة، التي تطرحها الدول التي تقدم لها فرنسا مساعدات اقتصادية، من بينها المغرب.

وبعد ذلك، انتقل التقرير للحديث عن وضعية المغرب، حيث نصح منجزوه أنه ((رغم الأزمة السياسية بين البلدين، فإنه من الضروري أن نحافظ في المغرب على الأدوات والوسائل المعتادة للتدخل الاقتصادي))، وألحوا على ((ضرورة الحفاظ على النفوذ المعتاد لصناعتنا في المغرب))، كما شدد التقرير على أنه ((من الضروري إعادة تشغيل آلية المساعدات الممنوحة للمغرب، بنوعيها، الحرة والمشروطة، والتي انقطعت منذ توتر العلاقات بعد مقتل المهدي بنبركة))، حيث رأى التقرير، أن من شأن ذلك أن يدفع أو يشجع المغرب على الاعتدال في سياسته تجاه الرعايا الفرنسيين بالمغرب، وذلك بعدما قررت الحكومة المغربية استعادة أراضي الاستعمار الرسمي والخاص.

ورأى أصحاب التقرير، أن من شأن استمرار حركة المساعدات الاقتصادية، أن تضمن لفرنسا حق الاستفادة من قضية المعمرين الفرنسيين المطرودين الذين انتزعت منهم أراضي الاستعمار الخاص والرسمي ابتداء من سنة 1963، وعلى هذا الأساس، اعتبر منجزو التقرير أن من شأن تقديم حزمة من القروض أن يطمئن الحكومة المغربية، التي كان قد ظهر لفرنسا أنه من خلال مواقفها، أنها تعمل على جعل فرنسا تعتقد بأن المغرب على الأقل لن يغير موقفه بخصوص الاستمرار في عملية استرجاع أراضي المعمرين الفرنسيين، وعلى هذا الأساس، أكد أصحاب التقرير على ضرورة استمرار المساعدات الاقتصادية الفرنسية للمغرب.

ثم انتقل التقرير للحديث عن عواقب استمرار توقف المساعدات الاقتصادية على الوضع السياسي الداخلي بالمغرب، فقد جاء فيه أن هناك العديد من الدلائل التي قد تجعل تطور الأوضاع يتخذ منحى آخر بالنسبة للمغرب، ولعل أبرزها أن الملك الحسن الثاني يواجه صعوبات متنامية، من جراء الحكم المطلق الذي صار يمارسه ابتداء من الإعلان عن حالة الاستثناء، حيث أصبح الحل الوحيد المتاح أمامه، حسب أصحاب التقرير، هو مفاوضة والانفتاح على الاتحاد المغربي للشغل، أو الاتحاد الوطني للقوات الشعبية، من أجل إشراكهم في الحكومة.

ولم يخف أصحاب التقرير تخوفهم من نتائج تحالف الملك مع هذه التنظيمات السياسية إذا حدث ذلك، حيث لمحوا إلى أنه في حال صعد الاتحاد المغربي للشغل أو الاتحاد الوطني للقوات الشعبية، إلى السلطة، فلا شك أنهم سيحصلون من الملك على بعض التنازلات السياسية، التي حسب أصحاب التقرير، من الممكن أن تكون على حساب نفوذ فرنسا، أو ليست في مصلحتها، ويتعلق الأمر بقرارات تؤثر على الحضور والتغلغل الثقافي الفرنسي في المغرب بالدرجة الأولى، فمثلا، حسب نفس التقرير، من شأن صعود تلك الأحزاب إلى السلطة، أن يحد من سياسة وقوة الإخوة بنهيمة، والجنرال أوفقير، الذين يسعون إلى الحد من سياسة التعريب وعرقلتها، وهو ما اعتبره أصحاب التقرير يخدم مصلحة فرنسا.

وشدد التقرير على أن من شأن صعود تلك الأحزاب أن يجعل سياسة التعريب تعود إلى مسارها، وهو ما يضر بمصالح فرنسا الثقافية بالمملكة، كما ألح أصحاب التقرير، على أن من شأن صعود تلك الأحزاب إلى السلطة، أن يجعل النظام المغربي يشرع في برنامج جديد يتعلق باسترجاع أراضي الاستعمار الخاص والرسمي، وهو المطلب الأول لحزب الاستقلال، ولهذا أكدوا مرة أخرى على ضرورة تسريع عملية عودة المساعدات الاقتصادية، لتتيح للملك هامشا آخر للمناورة من جديد.

وبعد شرح عواقب قطع المساعدات الاقتصادية على المغرب، انتقل التقرير إلى الحديث عن كيفية عودة هذه المساعدات، حيث جاء فيه أنه ((إذا أعطي الضوء الأخضر لاستمرار المساعدات الممنوحة، فمن الواضح أنه ينبغي إجراء العملية في تكتم وعلى مستوى الخدمات فقط))، كما ألح على أن ((الجدول الزمني لهذه المساعدات، يجب أن يأخذ في أي حال من الأحوال اعتبار تطور قضية المهدي بنبركة من الناحية القضائية))، كما ورد ضمنه، أنه ((لن يكون من الضروري أن يترك للمغاربة حرية التصرف في جميع المساعدات))، وفي المقابل، أيد منجزو التقرير أنه ((من الضروري أن تدرس المساعدات في الرباط على مستوى السفير، وباقي الدوائر المهتمة بذلك)).

وأشار أصحاب التقرير إلى أنه بعد ضمان إجراءات معقولة من الرباط بخصوص شكل المساعدات، فإنه يمكنهم عندئذ أن تنظر فرنسا في الالتزام بتقديم ما بين 50 إلى 65 في المائة من المساعدات، بينما يترك الباقي للحفاظ على سلامة الاعتمادات المالية، لاستخدامها في دفع تعويضات للمزارعين المطرودين في أعقاب شروع المغرب بصفة رسمية في استرجاع أراضي الاستعمار))، كما أشار التقرير إلى أنه ((لا يجب إحباط توقعات المغاربة بخصوص المساعدات، ولا يجب تجنب تدهور العلاقات المغربية الفرنسية، بقدر ما عليهم أن يحافظوا على وسائل التعويض عن هذه المساعدات المقدمة وكيفية استثمارها)).

الجنرال دوغول

سخط النخبة المغربية ذات الثقافة الفرنسية بسبب التقارب المغربي الأمريكي وأزمة العلاقات الفرنسية المغربية

    لم يقتصر القلق من مخلفات الأزمة المغربية الفرنسية على الأوساط الفرنسية فحسب، بل شمل أيضا حتى النخبة المغربية ذات الثقافة الفرنسية أو اللوبي الفرنسي بالمغرب. فبعد سحب فرنسا سفيرها من الرباط، وتقليص اعتمادها الدبلوماسي بالمغرب إلى قائم بأعمال الحكومة الفرنسية بالمملكة، حل هذا الأخير ببلدنا، وبعد سنة، قام بعدة حوارات ولقاءات مع النخب المغربية، وخلص إلى نتيجة بعثها إلى وزير خارجية بلده على شكل تليغراف يوم 19 يناير 1967، وشمل من بين ما شمل، أفكارا وانطباعات جمعها المسؤول الفرنسي من خلال حواراته ولقاءاته مع وزراء ومسؤولين مغاربة.

ولقد رأى المسؤول الفرنسي من خلال هذه الوثيقة، أنه بعد مرور سنة على انقطاع العلاقات بين البلدين، فإن الحالة العامة في المغرب هي القلق المتزايد والشك الكبير في النظام السياسي، وذلك باستقلال عن المخاوف الناتجة عن المشاكل الداخلية الصعبة، بسبب الوضع الاقتصادي غير الملائم، وكذلك نتيجة خيبة الأمل التي أصبحت ملموسة من جراء الوضع السياسي.

ورأى الرجل بأن هذا القلق، إنما هو ناتج عن السياق الذي تمر منه العلاقات المغربية الفرنسية، التي تلقي بظلالها على الحياة السياسية للبلد ككل، وأشار إلى أن كل محاوريه من المغاربة يشعرون بانعكاسات جمود العلاقات بين البلدين، لأن ذلك يتعارض مع التطلعات الأساسية للمغاربة الذين في عمقهم متأثرين بالثقافة الفرنسية، حسب تعبيره، حيث أن البعض منهم لا يخفي استياءه من استمرار الوضعية الحالية.

وأشارت الوثيقة إلى أن الوزراء والمسؤولين المغاربة، يستحضرون المؤثرات العدائية التي تمارس على الملكية، والتي من المنتظر أن تسمم الأجواء، حيث يلمحون إلى الدور السلبي الذي تلعبه الدائرة المقربة من الملك في هذا الصدد، والذين من المنتظر أن يكتفوا بتأثيرهم على الملك بخصوص التحريض على معاداة فرنسا.

ومن النقط الأساسية التي وردت في هذه الوثيقة، هناك إشارة إلى أن ((الأمريكان يقولون إن المغرب يشعر أنه محروم من الدعم الفرنسي، ويوجد في حالة عزلة))، وأن ((الطبيعة تمقت الفراغ))، وأن ((المغاربة أمام هذا الوضع، لا يمكن إلا أن يبحثوا في مكان آخر عن الدعم، كما أنهم قلقون في هذه الظرفية من الجزائر، لأن هناك عدم توازن بين البلدين من الناحية العسكرية، حيث أن الجزائر تستفيد من الدعم السوفياتي، وهذا الأمر جعلهم يستوعبون الخطر ويشرعون في التقرب من أمريكا)).

ورأى صاحب التقرير، أن النخبة السياسية المغربية ترى أن المغرب في خطر من خلال الانخراط في هذا الاتجاه، والوقوع في الفلك الأمريكي، وهو الأمر الذي يترجم قلق النخبة المغربية من غياب فرنسا عن المغرب، والتي تعتبر عامل توازن في شمال إفريقيا.

ومن خلال نفس التقرير، أشار القائم بأعمال فرنسا، إلى نقطة مهمة، وهي أن النخب المغربية قلقة إلى درجة كبيرة، وذلك راجع بالدرجة الأولى إلى ثقافتها الفرنسية، حيث أنها تريد أن تبقى مرتبطة دائما بفرنسا ثقافيا، كما أكد وبناء على ما وصل إليه من خلال دراسته للوضع في المغرب، أن من بين أصدقاء فرنسا المخلصين، الجنرال أوفقير نفسه، الذي عوض أن يهان وتشن عليه حملة قوية بعد اغتيال المهدي بنبركة، وينادى في الصحافة الفرنسية بأوفقير، دون رتبته العسكرية الجنرال أوفقير، يمكن أن يعتبر واحدا من أكبر المؤيدين للصداقة الفرنسية والمصالح الفرنسية بالمغرب أكثر مما يعتبر عدوا في صفوف العدو.

وضمن الوثيقة نفسها، ذكر نفس المسؤول، أن الملك الحسن الثاني، من ناحية أخرى، سيكون مستعدا للتحالف مع أحزاب المعارضة، التي نادت منذ استقلال البلاد بسياسات معارضة للمصالح الفرنسية، وأكد أن الملك في حال تحالفه مع بعض الأحزاب السياسية، فإن من شأن ذلك أن يجعله يتنازل لتلك الأحزاب عن بعض القضايا على حساب المصالح الفرنسية، ولعل من أبرز القضايا التي كانت مطروحة في تلك المرحلة، قضية تعريب التعليم، وتعريب الإدارة، الأمر الذي من شأنه أن يطرح مشكلة تخلص المغرب من التبعية الثقافية لفرنسا.

دوغول لملك الأردن: بنبركة لا يساوي شيئا بالنسبة لفرنسا، والغير مقبول هو إهانة فرنسا

     كشف الأرشيف الفرنسي عن بعض تفاصيل أزمة أكتوبر 1965، حيث هناك وثائق تشير أن ملك الأردن، الحسين بن طلال، زار فرنسا في غشت 1966، والتقى الجنرال دوغول بهدف النقاش حول صفقة تهم الطائرات الحربية التي كانت الحكومة الأردنية تعتزم شراءها من فرنسا، ومن خلال محضر الاجتماع الذي جمع ملك الأردن برئيس فرنسا، نجد أن اللقاء الذي جرى بينهما لم ينصب حول صفقة الأسلحة، بل حول الأزمة الفرنسية المغربية التي نشبت في شتاء 1965 بعد اغتيال الزعيم الاتحادي المهدي بنبركة فوق الأراضي الفرنسية، وهذا من شأنه أن يبرز أن ملك الأردن توسط بين الحسن الثاني ودوغول.

وخلال هذا اللقاء، أخبر ملك الأردن الرئيس الفرنسي، أن ملك المغرب جد متأثر جراء توتر العلاقات المغربية الفرنسية، وأوضح الرئيس الفرنسي أن المغرب تعامل مع فرنسا وجها لوجه وبطريقة غير مقبولة، كما أكد دوغول أن ((شخصية المهدي بنبركة ليست لها إلا أهمية ثانوية في القضية، ولكن غير المقبول على حد قول الرئيس الفرنسي، هو انتهاك وزير في حكومة ملك المغرب لسيادة فرنسا وارتكابه جريمة فوق أراضيها))، في إشارة منه إلى الجنرال محمد أوفقير.

وأكد له أن فرنسا مقابل ذلك، اقترحت أن يقيل الحسن الثاني وزيره في الدفاع، الجنرال أوفقير، المتهم في القضية، حفاظا على علاقة الصداقة بين البلدين. وأشار دوغول إلى أن الملك الحسن الثاني، عاكس هذه المقاربة من أجل تجاوز الأزمة، حيث لم يقم بإقالة وزيره وترك الأمور تأخذ مجراها كما يريد، وحسب محضر اللقاء بين الرجلين، فإن ملك الأردن سأل الرئيس الفرنسي حول إمكانية وجود حل للأزمة قبل فتح ملف محاكمة الجنرال أوفقير، وأخبره الجنرال دوغول، أنه لا يوجد وقت كثير لإيجاد الحل، لأن بداية المحاكمة على الأبواب، ومن الممكن إيجاد الحل أثناء المحاكمة.

وجاء في الوثيقة، أن ((دوغول أخبر ملك الأردن، أنه اتخذ مبادرة وأرسل رسالة إلى الحسن الثاني، بهدف إيجاد حل للأزمة، غير أن الملك المغربي بقي ثابتا في موقفه، وهو عدم إقالة أوفقير من الوزارة))، وأشار إلى أن ((العاهل المغربي يتعرض للعديد من المؤامرات التي تتدخل فيها أمريكا، التي تحرضه ضد فرنسا)).

غير أنه، ومن خلال وثيقة أخرى، وهي عبارة عن تقرير حول لقاء جمع بين القائم بأعمال فرنسا بالمغرب ووزير الشؤون الخارجية المغربي، يوم 26 غشت 1966، أكد له هذا الأخير، أن الملك الحسن الثاني لم يطلب أبدا من ملك الأردن، الحسين بن طلال، أن يثير قضية تأزم العلاقات المغربية الفرنسية مع الجنرال دوغول أثناء زيارته لفرنسا.

وهكذا، فقد استمرت الأزمة ما يقارب سبع سنوات حتى انتهت بتنازل فرنسا قبل المحاولة الانقلابية الثانية التي قادها الجنرال محمد أوفقير، بقليل.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى