الحقيقة الضائعة

الحقيقة الضائعة | فكرة عبابو للاستيلاء على حكم المغرب

حتى لا ننسى.. الصخيرات المجزرة السياسية "الحلقة 23"

حتى لا ننسى.. الصخيرات المجزرة السياسية
((من المؤمنين رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه فمنهم من قضى نحبه ومنهم من ينتظر)) صدق الله العظيم.
يقول القيدوم الراحل أستاذنا مصطفى العلوي: ((وما كان لأحداث على مستوى خطورة هجوم الصخيرات أن تدرج في مسالك النسيان، دون أن نستخلص الدرس منها، وكان الملك الحسن الثاني رحمه الله، حريصا على إقبار أخبارها وأسرارها، تفاديا لاستمرار البحث عن دوافعها وأسبابها والمسؤولين عنها، بقدر ما يحرص كتاب “الصخيرات المجزرة السياسية” على استخلاص الدرس مما خطته دماء الضحايا، ودموع الثكالى على جبين التاريخ المغربي المعاصر.
فيما يلي، تقدم “الأسبوع” أقوى ما كتبه الراحل مصطفى العلوي عن محاولة انقلاب الصخيرات، عبر حلقات ضمن ركن “الحقيقة الضائعة”.
بقلم: مصطفى العلوي

غادر موكب الثوار مصيف الصخيرات مخلفين وراءهم مسرحا داميا مسربلا بالجثث والأشلاء، وعدة مئات من الأسرى المنبطحين على بطونهم تحت أفواه المدافع والبنادق والرشاشات.

ويظهر أن عبابو كان موقنا بأن الملك قد غادر إلى الرباط، خصوصا بعد أن اطلع على ما قاله الضابط أمقران، الذي كان يقود الهليكوبتر، وربما كانت خدعة من عبابو، فقد كان قادة الثوار مقتنعين بأن الملك قد مات، وأن عبابو بعد موت المذبوح، قد أصبح هو سيد الموقف.

وقد بدأ عبابو الذي كان يركب سيارة عسكرية مع الشلواطي، في تحضير نفسه ليحكم البلاد، وربما كان راغبا في معرفة ردود الفعل، منذ اللحظات الأولى، وهكذا توقف عند مخرج الصخيرات ليحمل سيدتين كانتا هاربتين من الصخيرات فأركبهما معه في السيارة إلى جانب الشلواطي، وتقول السيدتان أنهما شاهدتا الكولونيل الفنيري جالسا على أرض السيارة في موقف غير مريح، وعندما أخذ عبابو يوجه الكلام إلى السيدتين وهما من المقربات إلى العائلة الملكية، واحدة منهما هي السيدة الشاذلية رشيد من أب تونسي كان صديقا لمحمد الخامس ساكن في الرباط، أصيبت السيدتان بالهلع، لأن منطق عبابو كان مزيجا من الكلام والتهديد، شاهدتا الفنيري يشير إليهما بأصبعه أن اسكتوا.. ولا تردوا.

وقد جاءت إلى السيارة التي كان يركبها عبابو مكالمة راديوفونية عسكرية، سرعان ما أصابت عبابو بذهول وعصبية، فأمر السائق بالوقوف وأمر السيدتين بالنزول، واستأنفت السيارة نهبها للأرض في اتجاه الرباط تتبعها سيارات أخرى كثيرة، وشاحنات الجيش إلى أن وصلت أفواج السيارات إلى مقر القيادة العليا للقوات المسلحة الكائنة بشارع محمد الخامس، بينما توجهت الشاحنات في مختلف الاتجاهات، فوج نحو وزارة الداخلية على بعد بضع مئات الأمتار من القيادة العليا، وفوج نحو الإذاعة على بضع مئات الأمتار من القيادة العليا، ودخل عدد قليل إلى مقر القيادة العليا، حيث كانت هناك بعض العناصر الثورية من العساكر قد دخلتها من قبل، فلم يجد عبابو ولا الشلواطي مقاومة أبدا، فدخل الجميع مكتب المفتش العام للقوات المسلحة، حيث عقد اجتماع عاجل كان عبابو هو المتكلم الوحيد فيه، ولا يتوقف عن الحركة وكان له ظل لا يفارقه وأصبعه على الزناد، وهو حارسه الخاص، السرجان عقا، رجل طويل يقارب المترين في الطول، ملامحه أقرب إلى ملامح الإنسان الأول منها إلى إنسان القرن العشرين، وقد قسمت أنفه وشمة خضراء، مقطب الحاجبين بديهي التصرفات، تضغط أصابعه على زناد رشاشته في كل اتجاه يشير به عليه رئيسه عبابو..

وفي لحظات قصيرة، كان عبابو يوزع المسؤوليات على الضباط الذين كانوا معه، وقد لبسوا بسرعة بذلات عسكرية، فعين وكأنه رئيس دولة، الجنرال حبيبي في مهمة المسؤول عن الجيش في مراكش، وعين الجنرال بوكرين مسؤولا عن الجيش في مكناس، وعين الجنرال حمو مسؤولا عن الجيش في فاس، وعين الكولونيل الفنيري مسؤولا عن وزارة الداخلية، وعين الكولونيل بن البصير مسؤولا عن الجيش في إقليم القنيطرة، وأمر كل واحد بالالتحاق بمهامه، وطلب من الكولونيل بوبري أن يرافقه إلى الإذاعة.

كانت السرعة والارتجال تطبع كل تصرفات رئيس الثورة، الذي كان يفكر في كل شيء إلا في الصخيرات وأسرى الصخيرات، ولكنه كان يعتبر أن الصخيرات شيء منتهي، وعندما دخل إلى الإذاعة، وجد مسرحا داميا آخر، حيث كان جنوده قد احتلوها وألقوا القبض على كل من كان فيها، وكل من كان مارا بجوارها، وعثروا على الملحن الموسيقي عبد السلام عامر مارا ببابها، فاعتقلوه وأملوا عليه بلاغ الثورة وسجلوه بصوته، وعندما دخل عبابو إلى داخل الأستوديو، لم يرض عن ذلك البلاغ، وسأل عمن يمكن أن يسجله، ودخل بنفسه إلى مكاتب التحرير، حيث كان عشرات من الناس منبطحين على بطونهم تحت رشاشات جنود عبابو، وهناك وقف أحد الضباط الصغار وقال لعبابو: انظر ها هو عبد الحليم حافظ المغني المصري.

وكان الفنان المصري عبد الحليم حافظ قد جاء للإذاعة في الساعة الثالثة ليتمرن مع الجوق على أغنية جديدة لحنها الموسيقار محمد عبد الوهاب، يقال أن الحسن الثاني هو الذي أملى كلماتها، وكان المفروض أن يغنيها عبد الحليم في الحفلة الليلية التي كان مقررا أن تحيى في قصر الصخيرات في تلك الليلة، وعندما فاجأ جنود عبابو عبد الحليم حافظ، أرغموه مع باقي الناس على الانبطاح إلى أن جاء عبابو واكتشف وجود عبد الحليم، فأمر بإحضاره إليه في مكتب خاص، وقد دارت بين عبابو وعبد الحليم مقابلة لا تخلو من أهمية، حكى تفاصيلها عبد الحليم بنفسه فيما بعد لمؤلف كتاب “الصخيرات المجزرة السياسية”، الذي كان صديقا حميما للمغني المصري، فقد حيا عبابو المغني المصري ببشاشته وقال له: لقد قمنا بثورة، ومن حسن حظك أنت الفنان المصري المحبوب، أن تكون هنا لتذيع تأييدك لثورتنا على أمواج الإذاعة، وكان عبد الحليم بقامته القصيرة يقلب عينيه بين فم الكولونيل عبابو وبين فوهة الرشاش الذي كان يرتعش بين أنامل السرجان عقا.. فقال لعبابو: لكني يا سيدي رجل أجنبي لا علاقة لي بهذا الموضوع، أنا رجل فنان ولست بمذيع.. فأسرع عبابو قائلا: فنان ومحبوب، وأنا الذي أمامك رجل معجب بك جدا وبأغانيك.. وأخشى أن تثير غضبي.. إني أعرف أنك صديق الحسن، وجئت لتغني له وتأخذ منه الفلوس، لكن انظر إلى يدي هاته، إنها ملطخة بدم صديقك الحسن، وأظن أنني سأضطر لأن أمزج دمك بدمه إذا لم تقرر إذاعة البيان، وبسرعة خاطفة، دخل أحد الضباط ليحمل إلى عبابو خبرا سريعا، وعندما كان يكلمه، استغل عبد الحليم الفرصة، فتمارض وسقط شبه مغمي عليه، والتفت عبابو إلى عبد الحليم مرميا على الأرض، ولكنه غادر المكتب بسرعة، وسيق عبد الحليم من جديد إلى المكاتب المليئة بالأسرى المنبطحين على بطونهم.

لقد كان الخبر الذي نقله الضابط إلى الكولونيل عبابو وهو في الإذاعة، أخطر من البيان الذي كان من المفروض أن يذيعه عبد الحليم.

وعند خروج عبابو، تناقش الضباط الباقون في موضوع إذاعة بيان الثورة، فلمح واحد منهم تواجد أحد أعضاء الجوق الحاضر، الملحن الأعمى عبد السلام عامر، فجروه إلى الميكروفون وأخذ واحد منهم يملي على المذيع كلمات بيان الثورة.

لقد انقلب الوضع على ما يظهر في الصخيرات، ورغم استبعاده لهذا، فقد نط عبابو في سيارته العسكرية وعاد إلى مقر القيادة العليا، حيث كان الكولونيل الشلواطي يبعث البرقيات بالأوامر الجديدة إلى قادة الجيش في مختلف النواحي، فماذا حدث في الصخيرات؟

 

يتبع

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى