المنبر الحر

المنبر الحر | أين تركة الرعيل الأول من المعلقين الرياضيين ؟ 

بقلم: عثمان محمود

    ليس من باب الحنين إلى أيام الزمن الجميل، عندما يتم نعت المعلقين الرياضيين من الرعيل الأول بالرواد، فالجهود المضنية التي بذلوها في حينه، كفيلة وحدها بالبلوغ بهم إلى درجة تلك الريادة، ويكفي هنا أن نتذكر الظروف التي كانوا يشتغلون فيها وهم ينقلون المباريات من الملاعب، سواء داخل المدن المغربية، أو من تلك التي كانت تجرى فيها ببلدان أخرى، وعلى الخصوص الملاعب الإفريقية، حيث كانوا يقربون أطوار المباريات من المستمع بالدرجة الأولى من خلال “ميكروفون” الإذاعة أولا بأول، بدون مبالغة أو تفصيل ممل، فيبقى المتتبع على اتصال مباشر مع ما يجري على رقعة الملعب، والذي ينبغي الالتفات إليه في هذا الصدد باحترام وتقدير تامين، هو ذاك القاموس اللغوي الرياضي الراقي الذي وضعه أولئك المعلقون الرياضيون الذين طالما تفانوا في أداء واجبهم بهمة ونشاط، قاموس فرض نفسه أيامها على الجمهور الرياضي حيث حضرت فيه قوانين الألعاب الرياضية، على رأسها طبعا لعبة كرة القدم، بأسماء عربية دقيقة، وغابت كل المصطلحات بلغات أخرى، وفي مقدمتها اللغة الفرنسية، وحتى لا نأتي على ذكر كل كلمات القاموس المذكور، ندرج عينة فقط، من ذلك: تسلل، تماس، زاوية أو ركنية، حكم، ضربة جزاء، خطأ، فوق العارضة، القائم الأيمن أو الأيسر، الهدف أو الإصابة، المرمى، الحارس، اللاعب البديل… وقس على هذا، معجم رياضي دقيق، ولا شك، عمر ردحا من الوقت، وبات من خلاله المستمع والمشاهد العادي يتابع النقل لهذه المباراة أو تلك دون أدنى صعوبة تذكر، سيما وأن ذلك كله كان يتم في غياب الحماس الزائد عن الحد، الذي بات إكسير حياة التعليقات الرياضية هاته الأيام، لكن وللأسف البالغ، فقد تم التفريط في أغلب مفردات ذلك القاموس الراقي في ظل كثرة المعلقين على المباريات الرياضية سواء على شاشات قنواتنا التلفزية، أومن وراء “ميكروفون” إذاعاتنا العامة والخاصة، حقا لقد غابت في خضم هذا الزخم من التعليقات، الكثير من مفردات ومصطلحات ذاك المعجم إلى درجة التلاشي، وحلت محلها مفردات هجينة تجمع بين ما هو عربي عامي، وما هو فرنسي، وقد يطفو بين الفينة والأخرى ما هو إنجليزي وغيره من لغات البلدان ذات البطولات القوية، حتى أن إحدى إذاعاتنا الخاصة التي تعنى بالرياضة، باتت تنقل مباريات البطولة الوطنية في كرة القدم بطريقة يتجسد فيها كل شيء إلا التعليق الرياضي الرصين الذي يتوجه إلى أسماع جمهور يتذوق متابعة مباراة كرة القدم من خلال السماع، ونشير هنا إلى الصراخ المتجاوز للحدود وكأن لا تعليق رياضيا بدونه، فقد يأتي الهدف بطريقة عفوية، ومع ذلك نجد المعلق يصيح صيحات متتابعة تشتت انتباه المستمع، كما أن هاتيك الصيحات تتشابه رغم اختلاف ظروف تسجيل الأهداف! وفي كنف ذلك الحماس الزائد، نجد المعلق يوظف ما هب ودب من المفردات، فالإصابة أو الهدف يعبر عنها بالفرنسية وتارة أخرى بالإنجليزية، لا بل أكثر من ذلك، فإن النتيجة الواحدة يعبر عنها بلغتين، مثلا واحد باللغة العربية وصفر باللغة الفرنسية، وكذلك الشأن مع حارس المرمى والمدرب والحكم ومستودع الملابس والقائمة تطول…

لقائل أن يقول أين الإشكال في كل هذا، أليس هناك تواصل بين المعلق والمتابع لنقل أطوار المباراة؟ نعم، لا إشكال يذكر، لكن شتان بين تواصل يؤديه تعليق يريح سماع المتتبع، ويرفع من مستوى تذوقه لهذه اللعبة أو تلك، وتعليق أقل ما يقال عنه أنه كلام في كلام وانتهى الأمر!

فعلى المعلقين الرياضيين من الجيل المعاصر، أن يضعوا في الاعتبار الدور الذي يلعبه المعلق في الرقي باللغة الرياضية لدى المتابع لنقل المباريات سماعا أو مشاهدة، فليوظفوا إذن مصطلحات دقيقة متفق عليها، ولعل في تركة رواد التعليق الرياضي من الرعيل الأول، خير زاد في هذا المجال، مع اللجوء إلى التطوير الحكيم حسب المستجدات، وليحذروا التقليد الممجوج لأصوات وتعليقات بعض المعلقين هناك خارج الديار، فقد يكون التقليد مقبولا في مرحلة الهواية، أما أن يستمر ويصير نهجا عند الوصول إلى مرحلة الاحتراف والتخصص، فذلك هو الضياع التام للشخصية الذي ما بعده ضياع.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى