الـــــــــــرأي

الرأي | “من خلف لم يمت”

بقلم: الحسين الدراجي

    لقد خرجتم من بطون أمهاتكم لا تعلمون شيئا، هكذا يولد الإنسان ويبقى صفحة بيضاء طيلة مرحلة طفولته رغم أن هناك دراسات علمية تؤكد أن الجنين يسمع ويتأثر بالحالات النفسية للأم وهو في فترة تكوينه، وحسب تعاليم الدين الإسلامي، فعلى الأم أن ترضع وليدها حولين كاملين، مما يضمن له صحة جيدة وعقلا سليما.

وبما أن الإنسان ابن بيئته، فهو يُمسّح أويُهوّد أو يعتنق الإسلام حسب إرادة والديه، فالطفل كما نعلم، يتخذ من والديه قدوة ونموذجا من المفروض أن يسير على نهجهما طيلة حياته، وقد تحدث هناك حالات استثنائية تجعل أفكار الأطفال تتصادم مع عقلية الأبوين، وهنا يتدخل دور المدرسة،التي إما تكون منبعا ينهال منه التلميذ حسب ذكائه واستعداده للانتفاع من دروسها، ثم يدخل في طور المراهقة التي قد تكون موضع انزلاق تدفعه إلى الهاوية، وإما طريقا للسلوك الحسن، والجامعة كما نعلم هي خليط ونتاج عدة بيئات وأوساط اجتماعية مختلطة، يتساوى فيها الفقير والغني على مدارج الدراسة، باستثناء الطلبة المنتمين للطبقة الميسورة التي لها إمكانية مادية تمكن أبناءها من ولوج المعاهد والمدارس الخاصة أو السفر إلى الخارج لإتمام دراستهم.

وعلى ذكرالتعليم العالي، فقد كان لي حظ مكنني من التعرف على المرحوم قيدوم الصحفيين المغاربة، الذي كان زميلي في المعهد العالي للصحافة، وقد استمرت صداقتنا بعد التخرج وحاول كل منا أن يستثمر ما حصده من أفكار ومعلومات، حيث توجه الأخ المرحوم مولاي مصطفى العلوي، إلى ميدان الصحافة، وهي كما تعلمون مهنة المتاعب، فبعد “الأخبار” أصدر “أخبار الدنيا”و”الكواليس”، ثم “الأسبوع”، وأخيرا “الأسبوع الصحفي”، ولا ننسى أنه كان المراسل الرسمي لعدة جرائد عربية منها جريدة “العرب” التي تصدر بلندن.

لم يكتف رحمه الله بتأسيس الصحف والمجلات، بل كان من أبرز المؤرخين للأحداث التي عاشتها البلاد قبل الاستقلال وبعده (كتاب “صحافي وثلاثة ملوك” نموذجا).

القراء الذين كانوا مدمنين على قراءة ما يكتبه الراحل العلوي، كانوا يندهشون من الجرأة والشجاعة التي كانتتطبع مقالاته وكأني به كان يتصيد الطغاة من المسؤولين الذين يندسون في صفوف المخزن لفرض جبروتهم على المواطنين، إذ كان في بعض الأحيان يستعمل أساليب غريبة، أذكر منها أنه ذات يوم، نشر في الصفحة الأولى من جريدة “الأسبوع” صورة لـ”الأصبع الأوسط لليد” وعلق عليه: “هذا ما تسوى”، موجها الخطاب لأحد المسؤولين الذي كان يتغطرس في قراراته ومعاملاته مع المواطنين.

بسبب هذه المواقف، كان الراحل مصطفى العلوي يمثل أمام المحاكم التي قضت بسجنه عدة مرات، فهناك غول عسكري سابق تفتقت عبقريته الإجرامية على اختطاف الأخ مصطفى العلوي ووضعه في صندوق السيارة ونقله لمعتقل سري بوجدة حيث قضى هناك مدة غير قصيرة،وكانت أسرته تبحث عنه ولم تتعرف على مصيره إلا بعد الإفراج عن زميله في الاعتقال، الحاج أحمد الفكيكي المدلسي رحمه الله، الذي أخبر عائلته أنه يوجد بمدينة وجدة بمعتقل سري، وقد علمت من أحد حراس هذا المعتقل، أن “الجنرال” كان يخطط لنقل الأخ العلوي إلى التراب الجزائري، لإلقاء القبض عليه في الحدود الجزائرية المغربية بدعوى أنه دخل التراب الجزائري بدون وثائق التعريف.

تمر الأيام وتتشابه الأحداث، حيث كان الوزير القوي يدبر الأمور حسب مزاجه، وقد عمل جاهدا في فترة من الفترات، على تقديم الأخ العلوي للمحكمة بدعوى القذف(..)، وقد حضرت إحدى هذه المحاكمات، ولما جيء بالأخ العلوي لقاعة المحاكمة، حاولت الاقتراب منه لأقول له “اصمد فإننا معك”، لكن الشرطي صدني وأخرجني من قاعة الجلسات إلى بهو المحكمة، حيث لم أستطع منع دموعي، خصوصا وأني كنت أعلم أن الأخ مصطفى كان يعاني من مرض السكري الذي أثر على صحته وكان من حين إلى آخر ينقل إلى المستشفى قصد العلاج، وهو المكان التي كنت ألقاه فيه وتدوم الزيارة حسب مزاج الشرطي الذي كان مكلفا بحراسته.

إن المحن التي عانى منها الأخ مصطفى العلوي من أجل أفكاره ومواقفه، كانت حافزا قويا جعلني أنضم لهيأة تحرير جريدة “الأسبوع”، وأعتز وأتشرف بكتابة ركني “حتى لا يبقى الشعب في دار غفلون” بانتظام، الأمر الذي جعلني أتيقن من استقلال قرارات الجريدة ونظافة مواردها وبعد نظرها، وهي مبادئ تركها لنا أستاذنا مصطفى العلوي وتشكل حافزا لكل الذين يساهمون في إصدار هذه الجريدة، لذلك أقول للزملاء، وعلى رأسهم ذلك الشبل، الذي تحمل المسؤولية بعد أبيه وأخذ يمتعنا بكتاباته، وقد اتضح أنه يحمل نفس الأفكار ويتحلى بنفس المبادئ، حي على الفلاح والاستمرارية وما خاب فريق يقوده شاب ترعرع في أحضان الصحافة المجاهدة مصداقا للمثل القائل من “خلّف لم يمت”.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى