الحقيقة الضائعة

الحقيقة الضائعة | “خنوش ماهوش” في انقلاب الصخيرات

حتى لا ننسى.. الصخيرات المجزرة السياسية "الحلقة 21"

حتى لا ننسى.. الصخيرات المجزرة السياسية
((من المؤمنين رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه فمنهم من قضى نحبه ومنهم من ينتظر)) صدق الله العظيم.
يقول القيدوم الراحل أستاذنا مصطفى العلوي: ((وما كان لأحداث على مستوى خطورة هجوم الصخيرات أن تدرج في مسالك النسيان، دون أن نستخلص الدرس منها، وكان الملك الحسن الثاني رحمه الله، حريصا على إقبار أخبارها وأسرارها، تفاديا لاستمرار البحث عن دوافعها وأسبابها والمسؤولين عنها، بقدر ما يحرص كتاب “الصخيرات المجزرة السياسية” على استخلاص الدرس مما خطته دماء الضحايا، ودموع الثكالى على جبين التاريخ المغربي المعاصر.
فيما يلي، تقدم “الأسبوع” أقوى ما كتبه الراحل مصطفى العلوي عن محاولة انقلاب الصخيرات، عبر حلقات ضمن ركن “الحقيقة الضائعة”.
بقلم: مصطفى العلوي

لقد أخذت نظرات عبابو في اللحظات التي أعقبت مصرع المذبوح، توزع الدهشة والفزع على مجموعة من الضباط المدعوين، الذين كانوا بين الحاضرين بزي الاصطياف، والذين لم يكونوا في تلك اللحظات بالذات منبطحين على الأرض كباقي المدعوين، ولا كانوا عرضة للرصاص.. الضباط الكبار الذين توهموا أن الفرصة مواتية للانضمام إلى الثوار والذين لم يفهموا لماذا، ومن أعدم قائد الثورة، المذبوح، وسريعو الفهم الذين استنتجوا أن الانشقاق حصل بين منظمي الانقلاب، وأن الانقلاب الأول، انقلاب المذبوح انتهى، وأن الانقلاب الثاني، انقلاب عبابو بدأ.

هؤلاء الضباط المتضعضعون، كم كان عددهم.. وما هي رتبهم.. وما هي أسماؤهم؟ فهم بشر، وكل بشر ينظر إلى مصلحته، وها هو المذبوح، منظم الانقلاب، قد مات ولم يبق أثر واضح لوجود الملك، فلماذا لا..؟

إن الأحداث التي أعقبت الساعات الحرجة، أسفرت عن بضعة أسماء فقط، وهنا يكمن غموض التاريخ، وقد أخذ عبابو يتصرف محل المذبوح.. يتصرف بسرعة، وبدون تنسيق وكأن خيوط العملية تشابكت بين أصابعه، وكأنه لم يكن على علم بالتفاصيل الأخرى، وكأنه لم يكن إلا طرفا في الهجوم، أو كأن روح المذبوح ذهبت بروح الانقلاب، وتوقف لحظتها صوت الرصاص، وكثرت الخطوات والتنقلات فوق الجثث وفوق مئات المدعوين المنبطحين على الأرض، وسمعت محركات السيارات تدور، وأسماء ينادى عليها دون أن يصفق لها الرصاص، ودخل عبابو مرة أخرى للقاعة التي كان بها الملك ورفاقه الإثنا عشر، وخرج عبابو يجري، وأعطى الأوامر لنفر قليل من رسل الموت أن يبقوا شاهرين السلاح على المنبطحين، وتحركت سيارات عديدة، ولم يكن من حق المنبطحين أن يتحركوا وقد سمعوا أزيز محركات السيارات يبتعد بعد أن سمعوا محركات طائرة هليكوبتر تدور ثم تطير في السماء، ثم سمعوا أجنحة الموت ترفرف فوق رؤوسهم، وكانت رائحة دخان الرصاص لا زالت تنفثها أفواه الرشاشات المنصبة فوق رؤوسهم.. وطال الانتظار.

وربما كان عدد الآيات القرآنية التي كان الملك الحسن الثاني يستشهد بها ويقرأها في كل خطبه، على لسان كل خائف مرتعش تحت رصاص المهاجمين في الصخيرات، إلا أن معجزة حصلت، وهي بالتأكيد معجزة ربانية، كرست شفاعة حظ عظيم في حق هذا الملك الذي كان في ركن مرحاض من المراحيض التي كانت مخصصة لخدام القصر، لينتفض حظه العظيم، ولم يكن يعرف أن عددا من أعوانه ومدعويه قد تركوه لمصيره، وكسروا زجاج القصر المطل على البحر وهربوا في اتجاه البحر يسارا، وفندق “الأمفتريت” يمينا، وتركوا الملك العزيز لمصيره. هنا تحرك القدر، وغطى أجواء الرصاص والبكاء والأنين من الجراح صرير محركات طائرة هليكوبتر، ألقى ضابطها، المسمى القبطان أمقران، نظرة على مسرح الأحداث ليرى الجثث منبطحة والحركة منعدمة، ليقول في جهاز الاتصال(…): “انتهى كل شيء”، فلم تكن تظهر له من شبابيك الهليكوبتر إلا الجثث المتمددة والهدوء المطبق، ويفهم من تقارير المحاكمات التي أعقبت الأحداث، أن أمقران قال لأحد مخاطبيه في الراديو: “لقد انتقل الملك الحسن إلى الرباط”، خصوصا بعد أن نادى على صديقه، قائد الانقلاب المذبوح، فلم يرد، ليفهم الذين بعثوه، أن الملك قد غادر إلى الرباط، ليتوجه الاهتمام إلى الرباط.

نفس الخطأ وقع فيه الباقون من المهاجمين، وقد ظنوا أن الهليكوبتر ستعود مرفوقة بهليكوبترات أخرى، وأن المظليين سينزلون لتحصل المعجزة الأخرى مواكبة لهذا الهلع والخوف.

فأغلب المهاجمين، بعد تحليق الهليكوبتر، اقتنعوا أن المذبوح أخذ الملك إلى العاصمة ليلقي خطاب التنازل، وأنه لم يبق مبرر للبقاء في الصخيرات.

وبينما بدأت أصابع الجنود المهاجمين ترتعش من الخوف والحيرة، سقطت إحدى الرشاشات من أيدي جندي مرتعش، يسمى خنوش ماهوش، أمازيغي متأصل من منطقة خنيفرة، انحنى لاسترجاع رشاشته حينما لمح سقوطها فجأة تحت أقدام أحد الواقفين، رفع رأسه لينظر إليه، فاكتشف أنه الملك الحسن الثاني، ليضعف أمام ملامح خوفه وطيبوبة عينيه، ولتتكرس المعجزة وينقض العسكري خنوش على يد الملك ليقبلها، فيمنعه الملك ويبدأ معه في قراءة الفاتحة، وبعض المحيطين بالملك يصيحون “عاش الملك”، وينقلب الانقلاب، ويتحول إلى حفل الحظ العظيم، أليست الآية القرآنية تقول: ((ولا يلقاها إلا الذين صبروا ولا يلقاها إلا ذو حظ عظيم)).

الملك الحسن الثاني وبعد مرور العاصفة، أكد هذه الجزئية دون أن يتذكر اسم الجندي الذي بايعه في وسط الانقلاب، وتوسع شيئا ما في وصف عملية الحظ العظيم في حديث للمجلة الفرنسية “باري ماتش” وقال: ((كنت مسجونا داخل القاعة رفقة مقربين مني، يصرخ في وجهي أحد الجنود وتظهر عليه قساوة غير مسبوقة: “لا تتحرك وإلا سأقتلك”، وفي تلك اللحظة، سيأمرني “اتبعني”، اعتقدت أنه سيقتلني، وأنه مع شيء من الحشمة، إذا تجرأت على قول ذلك، يريد أن تكون عملية القتل وجها لوجه بدون شاهد، كان يبدو عليه القلق إلى درجة أن رشاشه كان يرتجف بين ذراعيه، فجأة حدثت المفاجأة، أدى سجاني التحية العسكرية وسلم علي حسب الطريقة العسكرية)).

كان أول تحرك للملك وسط الحشرجات المواكبة للفرج المفاجئ، وقد خرج وسط المهنئين من أخبره واحد من مرافقيه بتواجد جثة الجنرال المذبوح، مدبر العملية، والذي رآه لآخر مرة عندما جاء عنده يطلب منه أن يتفاهم مع مدبر الانقلاب عبابو، والذي بالتأكيد قتله شريكه عبابو، لأنه رفض إطلاعه على المكان الذي يتواجد به الملك، وقد توجه الحسن الثاني محاطا بمجموعة كبرى إلى موقع الجنرال المذبوح الذي كان لم يمت بعد، وصدرت أوامر لتضميد جروحه، وكان ممتدا على ظهره وشبه ابتسامة مرسومة على وجهه، فانحنى عليه الملك الحسن بيده التي تحمل سبحة، وملس على وجهه، ثم وضع يده على قلبه ليتيقن بأنه ميت، فأخرج من جيبه منديلا وضعه للمذبوح على وجهه أمام الحاضرين.

ثم إن المنبطحين على الأرض سمعوا همهمة.. ثم حركة.. ثم أصواتا من بعيد تقرأ الفاتحة.. ثم سمعوا الفاتحة تأتي نحو آذانهم وكأنها سيل جارف، ثم اندمجوا بدون شعور في خضم قارئي الفاتحة، وكان أغلبهم قد حكوا من بعد أنهم حسبوا أن الأمر يتعلق بقراءة اللطيف، حسب العادة المغربية في ساعة الضيق.

أما الذين كانوا بعيدين من هذا المشهد الذي قلب الانقلاب على الانقلاب، وقد كانوا بعيدين بمئات الأمتار بين قتيل وجريح، فقد سمعوا شيئا لم يصدقوه، سمعوا الناس يصيحون عاش الملك.. عاش الملك.. ولم يتحركوا.

وعندما شعروا بكلكل ظلال الرشاشات يبتعد عن رؤوسهم، سرت بينهم حركة حسبوها من ضرب الخيال، شعروا بأرجلهم ترفعهم واقفين، وشعروا بأنهم يمشون، وكان الهتاف بحياة الملك لازال يتردد في كل جانب، وكانت الرشاشات قد اندثرت، ورسل الموت قد قل عددهم، وتساءلوا: أين آلاف رسل الموت الذين كانوا منذ لحظات يسوقوننا إلى عتبة الموت؟ وظل بعضهم يسأل نفسه: هل حقا ما جرى.. أم أنها مجرد مفاجأة سخيفة؟

لكن الأشلاء المتناثرة هنا وهناك، والدماء التي اسودت من حر الشمس، والأدمغة التي جفت من الدماء والتصقت بالأرض، كانت تقفز إلى عيونهم لتؤكد لهم أنهم كانوا في حقيقة لا في خيال.

 

يتبع

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى