المنبر الحر

المنبر الحر | المياه لا تنسى مجاريها

بقلم: رحال هرموزي

    خلال العقود الأخيرة، شحت الأمطار بالمغرب وجفت الأنهار الموسمية لسنوات، وانخفض صبيب الأنهار دائمة الجريان، وصار شبح الجفاف مقلقا لشرائح واسعة في بلدنا، الذي رغم ما حققه من تطور في ميادين أخرى، فإنه مازال فلاحيا بالدرجة الأولى. هذا الوضع جعل المغاربة يتطلعون بشغف لسقوط المطر ويفرحون كلما تلبدت السماء بالغيوم، ولكن كلما أنعم الله بالغيث، تنعم البوادي وتغرق المدن.. فلماذا تغرق مدننا؟

إن أحد أهم الأسباب، هو الاستيلاء على المجاري الطبيعية لمياه الأمطار دون إنشاء بنية مناسبة لصرفها، فشح الأمطار شجع بعض المدن على مد أطرافها حتى في المواقع التي كانت في ما مضى مجار لمياه الأمطار وأسرة لأنهار موسمية، وذلك دون إنشاء بنية تحتية قادرة على استيعاب مياه الأمطار التي لا تنسى مجاريها ولا بد أن تستعيدها مهما طالت سنوات الجفاف، والفيضانات الأخيرة بالدار البيضاء لم تكن الأولى، فرغم الإصلاح وإعادة الإصلاح، فإن نفس المأساة تكررت عدة مرات في العقد الأخير، لأن من لم يتعظ من الضربة الأولى فإنه بلا شك، يستحق ضربات أخرى، ذلك أنه قبل تشييد المباني وإنشاء الطرق، يجب على الجماعات الترابية أن تختار بعناية مكانا آمنا للبناء، وعلى جيل المهندسين الحالي أن يدرس تاريخ الفيضانات والمجاري المائية بالمنطقة لإعداد بنية تحتية مناسبة، وإذا انعدمت المصادر المكتوبة عن هذا التاريخ في منطقة ما، فلا عيب أن يلجئوا إلى قدماء السكان لمعرفة الأماكن التي كانت في ما مضى مجار لمياه الأمطار والأنهار الموسمية.

من المعلوم أن للطبيعة قوانينها الأزلية وكل خلل أصابها يمكن أن يسبب كوارث للبشرية، لأن مياه الأمطار حفرت مجاريها على سطح الأرض منذ ملايين السنين، وهي لا بد أن تعود يوما ما إلى مجاريها مهما توالت سنوات الجفاف، وهذا قانون طبيعي يضرب به المثل في عودة الأشياء إلى أصولها فيقال: “عادت المياه إلى مجراها”، وهو قانون طبيعي لا يجب أن يغيب عن كل راغب في البناء، فكيف يغيب عمن يخطط لتوسيع أو إعادة هيكلة مدينة تشهد نموا ديموغرافيا كبيرا؟

إن مدينة كبيرة كالدار البيضاء، يجب أن تقتدي في بناء مجاري الصرف الصحي بالمدن العملاقة الأوروبية والأمريكية، التي تتوفر على مجاري شبيهة بأنفاق القطارات، ولعل الأمر لم يعد سهلا في الكثير من الأحياء القديمة، ولكنه كان ممكنا ـ على الأقل ـ أثناء بناء ممرات الترامواي بكل من الرباط والدار البيضاء، ولازال ممكنا في المناطق التي لازالت في طور البناء، سواء بالمدن الكبيرة أو المدن المتوسطة، التي قد تصادف نفس المشاكل مستقبلا.

إن الدرس الذي يجب أن نستوعبه من الفيضانات المتكررة، هو أن مياه الأمطار قد تمهل من اعتدى على مجاريها لبضع سنين، ولكنها لن تهمل حقوقا اكتسبتها منذ ملايين السنين، فمن استولى على بعض حقوقها الطبيعية في مجاريها، عليه أن يمنحها بديلا يعادلها من المجاري المكشوفة أو المغطاة، ولكن من سلبها حقوقها دون تعويض، فإنه يؤدي الثمن حينا أو بعد حين.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى