ملف الأسبوع

ملف الأسبوع | استرجاع المغرب لسبتة ومليلية مقابل استرجاع إسبانيا لجبل طارق

هل لازالت معادلة الحسن الثاني صالحة للتطبيق؟

كان شهر دجنبر من السنة الماضية مليئا بالأحداث الإقليمية والوطنية، فقد كانت المفاجأة الكبرى هي إعلان الولايات المتحدة الأمريكية اعترافها بسيادة المغرب على كامل تراب الصحراء المغربية، تلتها تصريحات رئيس الحكومة المغربية والتي أكد من خلالها عزم المغرب فتح نقاش حول مدينتي سبتة ومليلية المحتلتين، ثم أنهت بريطانيا خروجها من الاتحاد الأوروبي، وهو ما أعاد النقاش حول مسألة السيادة على جبل طارق.

أعادت هذه التطورات المتسارعة إلى الأذهان، صراعا مريرا شهدته المنطقة خلال أكثر من عقد من الزمن، استمر من أواخر الستينيات إلى أواسط الثمانينيات من القرن الماضي، بين بريطانيا وإسبانيا من جهة، والمغرب وإسبانيا من جهة أخرى، حيث كان الصراع الإسباني البريطاني، حول السيادة على صخرة جبل طارق، بينما كان الصراع المغربي الإسباني يتعلق بالسيادة على سبتة ومليلية.

وفي هذا الملف، تستعرض “الأسبوع” معادلة الحسن الثاني لإنهاء هذا الصراع.

تتمة المقال بعد الإعلان

 

أعد الملف: سعد الحمري

 

خطة إسبانيا القاضية بتأسيس دولة في الصحراء مقابل الدعم الإفريقي لها في قضية جبل طارق

تتمة المقال بعد الإعلان

     إن وضع صخرة جبل طارق بالنسبة لإسبانيا كوضع سبتة ومليلية بالنسبة للمغرب، فهو مستعمرة بريطانية منذ سنة 1704 أيام حرب الخلافة الإسبانية، ثم تنازلت عنها إسبانيا بصفة رسمية لبريطانيا بموجب معاهدة “أوتريخت” سنة 1713، غير أن حكومة الدكتاتور فرانثيسكو فرانكو بدأت تطالب بها منذ ستينيات القرن الماضي، عندما أطلقت الحكومة الإسبانية حملة بالأمم المتحدة من خلال لجنة تصفية الاستعمار التابعة لهيئة الأمم المتحدة، وذلك من أجل إعادة صخرة جبل طارق للسيادة الإسبانية.

ولما اشتد الخلاف بين إسبانيا وبريطانيا، أجرت هذه الأخيرة استفتاء عاما سنة 1967، صوت من خلاله سكان جبل طارق بأغلبية كبيرة لصالح استمرار السيادة البريطانية على الصخرة، وبعد سنتين، أي سنة 1969، منحت بريطانيا جبل طارق حكما ذاتيا داخليا كاملا بموجب دستور جديد، الأمر الذي جعل إسبانيا تغلق حدودها مع جبل طارق، وتسحب عمالها منه وتقطع وسائل النقل والاتصالات معه احتجاجا على الخطوة التي قامت بها الحكومة البريطانية.

وقفت دول أمريكا اللاتينية مجتمعة في صف الإسبان في هيئة الأمم المتحدة، وعملت إسبانيا على جلب تعاطف أكبر عدد ممكن من الدول إلى جانبها، ومن أجل ذلك، التجأت إلى خطة ذكية من أجل كسب تأييد الدول الإفريقية، وهي إعلان عزمها على تصفية مستعمراتها في إفريقيا وأهمها الصحراء المغربية، إلا أن إسبانيا الفرانكوية سعت إلى منح الصحراء المغربية الاستقلال، وليس إعادتها للبلد الذي اغتصبت منه.

حاول المغرب التصدي لهذه الخطة الإسبانية عندما التجأ إلى أمريكا، وحاول أن يشرح لها الخطة الإسبانية، حيث زار وزير الخارجية المغربي، أحمد الطيب بن هيمة، أمريكا سرا في أكتوبر 1973، والتقى بوزير الخارجية الأمريكي هنري كيسنجر، وشرح له خلال ذلك اللقاء الموقف المغربي من قضية الصحراء المغربية، إلا أن المسؤول الأمريكي طلب من نظيره المغربي أن يوضح له السبب الكامن الذي جعل الإسبان يعملون على منح الاستقلال للصحراء، وليس منحها للبلد الذي اغتصبت منه، فأجابه نظيره المغربي، أن الإسبان يعملون على ذلك من أجل جلب تعاطف إفريقيا جنوب الصحراء معهم ضد بريطانيا، بخصوص قضية جبل طارق المتنازع عليها بين بريطانيا وإسبانيا.

 

يوم خيرت إسبانيا سكان سبتة ومليلية بين الجنسية الإسبانية أو الطرد

     بدأت صحة الجنرال فرانكو تتدهور خلال سنة 1975، وبدأ معها الحديث في الأوساط السياسية الإسبانية عن مرحلة ما بعد فرانكو وضرورة الانتقال الديمقراطي، وقتها اشترط الجيش الإسباني على الأحزاب السياسية الإسبانية، مقابل القبول بالانتقال الديمقراطي، أن ينص الدستور الإسباني على أن سبتة ومليلية جزء من التراب الإسباني.

بدأ تطبيق ما طلبه الجيش الاسباني قبل وفاة الجنرال فرانكو، حيث أجبرت السلطات الإسبانية سكان سبتة ومليلية من المغاربة، على الاختيار بين الجنسية الإسبانية أو الحصول على بطاقة إقامة الأجانب، غير أن الأمر لم يكن يتعلق بالاختيار بين الأمرين، فقد لجأت السلطات الإسبانية إلى نهج سلوك العنف في حق المغاربة، وشنت حملة اعتقالات في حق كل من رفض الجنسية الإسبانية ومارست في حقهم التعذيب، وأرغمت بعض الأعيان المغاربة المقيمين في سبتة أو مليلية المحتلتين على الجنسية الإسبانية أو مغادرة المدينتين.

لم تقف الحكومة المغربية، التي كانت منشغلة بقضية الصحراء المغربية، مكتوفة الأيدي أمام الانتهاكات الإسبانية، بل نددت واحتجت على هذا الاعتداء والخطوة الغير مسبوقة، فقد وجهت نداء يوم الإثنين 30 يونيو 1975 بعنوان: “نداء الحكومة المغربية إلى سكان سبتة ومليلية والجزر الشمالية المحتلة”، جاء في بدايته: ((بلغ إلى علم حكومة صاحب الجلالة، أن سلطات الاحتلال الإسباني شرعت في اتخاذ تدابير تعسفية ضد مئات المواطنين المغاربة القاطنين بالأجزاء المحتلة بشمال المملكة، وخاصة بمدينة سبتة)).

وقد سرد البيان الصادر عن الحكومة المغربية، ما وقع في حق سكان المدينتين، حيث جاء فيه: ((هكذا، وحسب المعلومات الموثوق بها، ألقت سلطات الاحتلال، خلال الثماني والأربعين ساعة الأخيرة، القبض على أربعمائة مواطن مغربي وزجت بهم في السجون والمعتقلات بمدينة سبتة، مستعملة معهم خلال التحقيق شتى وسائل التعذيب والتنكيل، وبلغ هذا التعسف درجة إرغام بعض الأعيان المغاربة على الاختيار بين أخذ الجنسية الإسبانية أو مغادرة المدينة فورا)).

كما أشاد البيان بموقف سكان المدينتين المحتلتين قائلا: ((أمام صمود المواطنين وتمسكهم بمغربيتهم، قامت سلطات الاحتلال بطرد العشرات منهم، فالتحقوا بالجزء المحرر من الوطن واحتضنهم المسؤولون المغاربة بما يليق بهم من عناية ورعاية واهتمام، وقد أعرب هؤلاء المواطنون عن تمسكهم بمغربيتهم واستعدادهم لكل تضحية في سبيل تحرير الجيوب المغتصبة)).

ودعا نفس النداء، المواطنين المغاربة بمدينتي سبتة ومليلية وجزر ملوية وسائر الأجزاء المغتصبة، إلى التحلي بالصبر والثبات، وأكد أن الملك لن يدخر جهدا في الدفاع عنهم، حيث شدد على أن الحكومة المغربية احتجت بشدة على التدابير التعسفية التي تقوم بها سلطات الاحتلال الإسبانية في حق المواطنين المغاربة القاطنين بالأجزاء الشمالية للمملكة، وخصوصا سبتة.

وفي الأخير، أشار البيان إلى أن الحكومة المغربية أبلغت نص الاحتجاج إلى كل من الأمين العام لهيئة الأمم المتحدة، والأمين العام لمنظمة الوحدة الإفريقية، والأمين العام لجامعة الدول العربية.

الجنرال فرانكو

هكذا ظهرت معادلة الحسن الثاني: جبل طارق لإسبانيا مقابل سبتة ومليلية للمغرب

     أقدمت الحكومة المغربية خلال سنة 1975، على خطوة بخصوص تسوية وضعية سبتة ومليلية المحتلتين، حيث تقدم المغرب بمذكرة إلى لجنة تصفية الاستعمار التابعة للأمم المتحدة، طالب من خلالها بإدراج مدينتي سبتة ومليلية ضمن قائمة الأراضي التي يجب تصفية الاستعمار منها، وبالموازاة مع ذلك، تقدمت إسبانيا بمذكرة شرحت من خلالها موقفها “التاريخي” و”القانوني” بشأن هذه القضية، إلا أن مجلس الأمن طالب الدولتين المعنيتين بتطبيق المادة 82 من ميثاق الأمم المتحدة، الذي يدعو إلى تسوية الخلافات الثنائية عن طريق الحوار، فكان هذا الأمر إيذانا بأن يلجأ المغرب إلى استراتيجية جديدة في التعامل مع هذه المسألة، وهو ربط مستقبل سبتة ومليلية بمستقبل جبل طارق الذي كانت إسبانيا تحاصره، وتضغط بشدة لاسترجاعه من الحكومة البريطانية.

كانت أول مناسبة عبر خلالها المغرب عن نهجه لهذه الاستراتيجية، خلال ندوة صحفية عقدها الملك الحسن الثاني بالرباط يوم 25 نونبر 1975، فعندما سأله أحد الصحفيين عن آخر التطورات بخصوص قضية سبتة ومليلية، أكد الملك أنه خلال المؤتمر الدولي الأخير لقانون البحار الذي انعقد خلال نفس السنة طرح مشكل جبل طارق، وأشار إلى أنه لم يكن في المستطاع طرح المشكل لولا التعاون المباشر بين المغرب وإسبانيا، بما في ذلك مشاكل جبل طارق وسبتة ومليلية.

وأبدى الملك الحسن الثاني لأول مرة النهج الجديد الذي ستتبعه الحكومة المغربية في هذا الصدد، حيث صرح بالتالي: ((نحن نتصور أنه في اليوم الذي تسترجع فيه إسبانيا جبل طارق، يسترجع المغرب حتما سبتة ومليلية، فليست هناك قوى تستطيع أن تسمح لإسبانيا بامتلاك واجهتي مضيق واحد. إذن كما قلت للإسبانيين، فالمشكل ليس قضية إسبانية ولا هو قضية مغربية، بل إن جبل طارق وسبتة ومليلية يجب أن تكون قضية إسبانية مغربية، وأعتقد أنه في هذا الإطار، يجب أن ينظر الآن إلى هذه القضية لأنه إذا ما استرجعوا قريبا جبل طارق فنحن نسترجع مباشرة وأتوماتيكيا سبتة ومليلية، ومن هنا ترون أن الحواجز ستختفي والطريق سيتضح وسنتجه في طريق السلام والطمأنينة)).

قيل كثير من الكلام في الأوساط السياسية خلال تلك المرحلة عن تفاهم مغربي إسباني حول جبل طارق، وكثرت الإشاعات عن قيام المغرب بالضغط على الحكومة البريطانية بطرق مختلفة من أجل التنازل عن السيادة على جبل طارق لمصلحة إسبانيا، وكانت هذه الأحاديث موضوع سؤال وجهه أحد الصحفيين للملك خلال نفس الندوة الصحفية، حيث طلب منه توضيح ما إذا كان المغرب وإسبانيا قد توصلا إلى تفاهم حول موضوع جبل طارق، وما إذا كان المغرب يمارس ضغطا مباشرا أو غير مباشر على الحكومة البريطانية بهذا الخصوص، فنفى الحسن الثاني هذه الأخبار، وأكد أنه لا توجد مباحثات بين المغرب وإسبانيا حول جبل طارق وسبتة ومليلية، وأنكر وجود مفاوضات أو ضغوط سياسية مغربية على بريطانيا، كما أكد أن السياسة المغربية ليست قائمة على الضغوط، بل على الحوار والصراحة.

وبرر الراحل الحسن الثاني خلال جوابه عن السبب الذي جعل المغرب يؤيد إسبانيا بالأمم المتحدة في قضية جبل طارق بالتالي: ((سنرجع إلى قضية سبتة ومليلية، لأنهما جزء من الأراضي المغربية، وإني آسف على أصدقائي الإنجليز، لأنه في الأخير وبصورة منطقية، لابد أن يعود جبل طارق إلى الإسبانيين باعتباره جزء من التراب الإسباني، وكان ذلك موقفنا في الأمم المتحدة، إننا لا نستطيع المطالبة بسبتة ومليلية دون تأييد إسبانيا في مطالبتها بجبل طارق، إن عمالنا هم الذين يشتغلون في جبل طارق ونحن الذين نزوده بالماء والخضر والفواكه وكل ما يلزم، وسوف نستمر في ذلك، لأننا لا نريد أن نكدر صفو البحر الأبيض المتوسط)).

وبعد عام كامل على طرح المغرب هذه المعادلة لحل مشكل سبتة ومليلية، تحسنت العلاقات بين الرباط ومدريد، وبدأ العمل على التعاون الاقتصادي بين البلدين، وظهر مشروع اقتصادي جديد سمي بـ”محور باريس – مدريد – الرباط”. ورغم هذا التقارب، ظل المغرب متشبثا بحل مشكلة سبتة ومليلية عن طريق إدخال جبل طارق في المعادلة، فخلال ندوة صحفية عقدها الملك يوم 25 نونبر 1976، سئل عن التعاون المغربي الفرنسي الإسباني، وعن مدى إمكانية نجاح مشروع “محور باريس – مدريد – الرباط”، رغم مشكل سبتة ومليلية؟ فأجاب الحسن الثاني هذه المرة أن ((مشكلة سبتة ومليلية بالنسبة للمغرب وله هو شخصيا، منتهية))، وأضاف: ((وأنا لا أدري سببا يدفعني إلى تعكير صفو العلاقات الإسبانية المغربية في الوقت الذي خرجت فيه من مرحلة صعبة، ذلك أن مشكلة سبتة ومليلية ستحل إن آجلا أو عاجلا، ففي الوقت الذي ستسترجع فيه إسبانيا جبل طارق، لن تسمح أي قوة في العالم لإسبانيا بأن تراقب بابي المضيق، ومن المنطقي أن تعيد إلينا إسبانيا آنذاك سبتة ومليلية، إذن فهذه قضية رابحة، وليس من المجدي تضييع أوقاتنا، أو تعكير علاقاتنا مع إسبانيا بعد أن تحسنت أخيرا)).

ورغم اهتمام المغرب باسترجاع سبتة ومليلية، إلا أن الملك ظل يؤكد على ضرورة الحفاظ على علاقة حسن الجوار مع إسبانيا، وتأييد مبدأ الحوار من أجل استرجاع المدينتين المحتلتين، فخلال ندوة صحفية قام بها في النادي الأمريكي للصحافة، يوم 15 نونبر 1978، خلال زيارته لأمريكا، طرح أحد الصحفيين على الملك سؤالا يتمحور حول تأكيد أو نفي الأخبار القائلة أن المغرب يطالب بسبتة ومليلية اللتين تحتلهما إسبانيا، فأجابه الملك: ((ما إن انتهينا من تحقيق السلم مع إسبانيا حتى أردتم أن تشعلوا النار من جديد، لكن من الواجب علي أن أقول بصفتي ملكا للمغرب وضامن وحدته الترابية، أن سبتة ومليلية جزء من بلادي ومن الواجب علي أن أتفاوض بشأنهما مع إسبانيا في إطار السلم والتفاهم وحسن الجوار والصداقة))، الأمر الذي جعل كل القاعة المستقبلة للندوة الصحفية تنفجر بالتصفيق على الملك، ومعه انتهت الندوة الصحفية.

لقد خلق موقف المغرب الداعم لإسبانيا في مطالبتها بجبل طارق، نوعا من الفتور بين المغرب وبريطانيا العظمى، وتجلى ذلك من خلال الإعلام البريطاني الذي بدأ يهاجم المغرب، وهو الأمر الذي طرح علامات استفهام حول العلاقات المغربية البريطانية، وقد أجرى الملك الحسن الثاني مقابلة صحفية مع مبعوث جريدة “النهار” اللبنانية، جلال كشك، يوم 20 يناير 1978، تطرق الصحفي إلى عدة مواضيع تهم القضايا الوطنية والإقليمية والدولية، وعندما سأل الصحفي العاهل المغربي عن وضعية العلاقات المغربية البريطانية، أجابه الملك بأنها جيدة من الناحية التجارية، وأضاف أن بريطانيا زبون مهم للمغرب، وأشار إلى وجود احترام متبادل بين الحكومتين، كما أكد الحسن الثاني أن الحادثة الوحيدة التي عكرت صفو العلاقات بين البلدين، هي تشويش إذاعة BBC على المغرب، وهو ما أفقد الإذاعة البريطانية الاحترام والموضوعية اللذين كانت تتميز بهما في العالم العربي.

تخلي إسبانيا عن المطالبة بجبل طارق بفعل ربط المغرب استرجاع المملكة الإيبيرية لجبل طارق باسترجاعه سبتة ومليلية

     في الوقت الذي شهدت فيه العلاقات المغربية البريطانية فتورا، دخلت العلاقات المغربية الإسبانية في نفق ضيق، وشهدت أزمة خطيرة، وعندما سأل أحد الصحفيين الملك الراحل الحسن الثاني، عن سبب تدهور العلاقات بين البلدين، خلال ندوة صحفية عقدها بإفران يوم 21 شتنبر 1980، وعن أسباب توتر العلاقات بين البلدين، أجابه الملك: ((إن العلاقات الإسبانية وحتى في فترات تألقها، لا تستقر على حال منذ القديم، فإذا كانت تمة خارطة تحكي في مبناها ومعناها خارطة أحوال الجو، لكانت هي خارطة العلاقات المغربية الإسبانية، وذلك من يوم توجه طارق بن زياد لفتح الجبل الذي أصبح يحمل اسمه، تلك الحال بين مد وجزر إلى يومنا هذا، فلم يا ترى؟ إنه التطابق في الطباع والود المتين، ثم ربما هناك نوع من مثلث مشؤوم يحيط بنا ويدفعنا إلى أن نتنازع لأتفه الأسباب، وكنت أعتقد أن إسبانيا والمغرب بعد توقيعهما على “اتفاق مدريد”، سيدخلان مرحلة تعاون أخوي موضوعي، مرحلة مشاركة بناءة، إلا أن هذا الاتفاق الأمثل لم يكن مسترسلا كما كنت أتمناه، وكما كان يتمنى الملك خوان كارلوس نفسه، وكأنما هناك جهات لا هم لها إلا عوق الاتفاق بيننا)).

إلا أنه رغم توتر العلاقات بين البلدين، فإن موقف المغرب من قضية سبتة ومليلية لم يتغير، فقد خص الملك رجال الصحافة العربية بحديث يوم 28 أبريل 1980، وسأله أحد الصحفيين: هل في نية المغرب إثارة موضوع سبتة ومليلية، مع العلم أن المغرب يربط في هذه القضية بين مفاوضات بريطانيا وإسبانيا على جبل طارق؟ فجدد الراحل الحسن الثاني التأكيد على أن الربط منطقي، لأنه إذا استرجعت إسبانيا جبل طارق، فلا يمكن لأحد أن يسمح لدولة واحدة أن تكون سيدة الضفتين، على اعتبار أن ذلك مستحيل، للتوازن الدولي، ومستحيل كذلك لضمان الملاحة بين دول حوض البحر الأبيض المتوسط، وأوضح أنه كلما طالبت إسبانيا بجبل طارق، فهي تصطاد لمصلحة المغرب.

وطالب الملك سكان سبتة ومليلية، خلال إجابته عن السؤال، بضرورة التكثيف من النشاط الاقتصادي، حيث عبر عن ذلك بالقول: ((حينما نسترجع تلك المدن، لا نريد أن نسترجع الأنقاض ولا الأرض الموات، بل نحن نشجع الآن سكان سبتة ومليلية على أن يتمادوا في نشاطهم وبناء المدينة وتعميرها حتى لا ندخل صحراء، بل مدنا واقفة على رجليها لها نشاطها ولها شريانها من الناحية التجارية ومن الناحية المعمارية والعمرانية، وسيتم ذلك في وقت أقرب مما كنت أظن شخصيا)).

وفي خضم الأزمة المغربية الإسبانية، قام رئيس الحكومة الإسبانية بخطوة مستفزة للمغرب، حيث زار مدينة سبتة في دجنبر 1980، ومع بداية سنة 1981، بدأ جبل الجليد يذوب بين البلدين، وبدأت العلاقات تعود إلى مجراها الطبيعي، وتسربت أخبار مفادها أن اتفاقا وقع بين المغرب وإسبانيا يقضي بأنه لا يمكن للمغرب الحديث عن سبتة ومليلية إلا عندما تعود إسبانيا للحديث عن جبل طارق، ورغم ذلك، فقد أثار الوزير الأول المغربي، المعطي بوعبيد، قضية استرجاع سبتة ومليلية خلال الكلمة التي ألقاها أمام الملك بمناسبة تعيين الحكومة الجديدة في بداية نونبر 1981، بل واعتبرها من أولويات حكومته، وقد أثار هذا الأمر عدة تساؤلات في الأوساط الإسبانية.

كان الملك الحسن الثاني هو الملجأ الوحيد لتفسير وتوضيح ما قاله الوزير الأول، فبعد أقل من شهر، عقد الملك مؤتمرا صحفيا يوم 27 نونبر 1981، في أعقاب مؤتمر القمة العربية الثاني عشر بفاس، وعندما طرح عليه أحد الصحفيين سؤالا حول تصريح الوزير الأول المغربي المعطي بوعبيد بخصوص المطالبة بسبتة ومليلية، وقال الصحفي للملك: “ألم يكن هناك اتفاق بينكم وبين إسبانيا بعدم العودة للحديث حول هذا الموضوع إلا في الوقت الذي تطالب فيه إسبانيا بجبل طارق؟”، وبصيغة أخرى: “هل هذا الوقت مناسب لإبراز المطالب المغربية؟“، فأجابه الملك قائلا: ((فيما يتعلق بتصريح وزيرنا الأول، فكما تعلمون قد قرئ في اجتماع وزاري برئاسة الملك، وقد أشار تصريح الوزير الأول إلى مدن مغربية، وهي إعادة لما سبق أن صرحت به شخصيا قبل ذلك ببضعة أشهر، لهذا فالوزير الأول لم يفعل إلا التذكير بما قاله ملك المغرب شهورا قبل ذلك)).

لقد ضاقت إسبانيا ذرعا من المشاكل التي سببها لها المغرب، من خلال ربطه استرجاع إسبانيا جبل طارق مقابل استرجاع المغرب لسبتة ومليلية، وعلى هذا الأساس، عقد العاهل الإسباني لقاء في يوليوز 1983 مع السفير البريطاني في ذلك الوقت، ريتشارد بارسونز، صرح خلاله خوان كارلوس بأنه ((ليس من مصلحة إسبانيا أن تستعيد جبل طارق في المستقبل القريب، لأنه إذا استعادتها، فإن الملك الحسن الثاني سيتحرك على الفور لتفعيل مطالبة المغرب بسبتة ومليلية))، وبهذا تخلت إسبانيا عن المطالبة بجبل طارق.

أحد المشاريع المتخيلة للربط القاري بين المغرب وجبل طارق

تأكيد الملك الحسن الثاني أن فكرة الربط القاري عبر مضيق جبل طارق بين أوروبا وإفريقيا ليست فكرته، وإنما فكرة إسبانية تعود للقرن 19

     في خضم الأزمة المغربية الإسبانية، استقبل الملك الحسن الثاني، يوم 14 أكتوبر 1980 بالقصر الملكي بإفران، وزير الخارجية الإسباني، خوسيه بيدرو بيريز لوركا، والسفير الإسباني في المغرب، ألفونسو ذي لاسيرنا، تباحث الطرفان خلال اللقاء حول العديد من القضايا، كان أبرزها ربط القارتين الإفريقية والأوروبية بواسطة جسر معلق يربط المغرب بجبل طارق، وقبل مغادرته المغرب، عقد المسؤول الإسباني ندوة صحفية تحدث فيها عن الأهمية التي يعطيها الملك لمشروع الربط القاري عبر مضيق جبل طارق.

توقف الحديث عن هذا المشروع طيلة أربع سنوات، وعادت الصحافة الإسبانية للحديث عنه عندما أصبحت العلاقات بين البلدين جيدة، وهذه المرة لم يكن الهدف هو الحديث عن جدوى المشروع، بل للبحث في صاحب الفكرة، فخلال حديث صحفي للملك الحسن الثاني مع التلفزة الإسبانية، يوم الجمعة 9 فبراير 1984، طرح مقدم البرنامج على الملك سؤالا حول مشروع الربط القاري عبر جبل طارق، على اعتبار أنه مشروع القرن، وأثار مقدم البرنامج فكرة أن الإسبان يعتبرون الملك هو صاحب فكرة المشروع وهو أول من طرحها، فأجاب الحسن الثاني بالتالي: ((أستطيع القول بادئ ذي بدء، أني كنت أعتقد أني صاحب فكرة المشروع، لأني تحدثت بشأنه إلى الجنرال فرانكو سنة 1963، ولكنني لما التقيت مؤخرا بوزيركم في النقل، أعلن لي أني لست صاحب هذه الفكرة، فهي ترجع إلى القرن الماضي، وصاحبها هو وزير إسباني للأشغال العامة لا أتذكر اسمه، لكن وزيركم في النقل قال لي: إنه توجد في وزارة الأشغال العمومية الإسبانية لوحة تظهر الوزير وهو يضع يده على خريطة تبين مشروع قنطرة عبر مضيق جبل طارق، وهذا دليل على أنكم إذن، أصحاب هذه الفكرة، لكننا نؤمن بهذا المشروع كثيرا ونعتقد أننا إذا أنجزنا هذا الجسر وسننجزه بحول الله، فإن الحلقة ستكون قد اكتملت في منطقة حوض البحر الأبيض المتوسط، فالقارات الثلاث ستوصل فيما بينها، أي إفريقيا وأوروبا وجزء من آسيا، والحقيقة أنه مشروع في مستوى طموحاتنا، والواجب يقضي بأن نوحد ما فرقته الجغرافيا)).

وهكذا، فإن قضية سبتة ومليلية ظلت قائمة إلى الآن، وما تزال فكرة الربط القاري عبر جبل طارق حبرا على ورق منذ ما يقارب القرنين.. فإلى متى سيظل ذلك قائما؟

‫8 تعليقات

  1. مساء النور والسرور. انا من القراء الأوائل لمحبوبتي الأسبوع الصحفي.جريدة أسبوعية شاملة كانت ومازالت (لولا ظروف هاد الوباء الدي حال بيني وبينها) قلت مازالت جريدتي المفضلة فيها من المواضيع والأقلام ما يغنيني:رحم الله أستاذنا مولاي مصطفى ومازالت أحتفظ في هاتفي هاد بصورته الشامخة في آخر جريدة الأسبوع يوم إعلان عن وفاته لقد تألمت كثيرا ولاكن الدوام لله. وبالرجوع إلى موضوع هاده الأسبوعية أحيي فيكم الاستمرارية والتلاحم وآلله الموفق .اخوكم قاريء بسيط ومتفتح بما تزخر به جريدتنا الأسبوع الصحفي ….

  2. الصحراء لم تكن آنذاك مغربية الصحراء كانت للشعب الصحراوي ومستعمرة إسبانية وحين قامت بمظاهرات لاستقلالها من المستعمر طالب الصحراويون
    سنة1974الحكومة المغربية بمساعدتها على ذلك فرد المغرب نحن نحافظ على علاقتنا بإسبانيا ولايمكن ذالك حينها الشعب الصحراوي طرد المستعمر الإسباني لوحده ثم كانت الطعنة المغربية لشعب الصحراء من وراء ظهره . فكان الاحتلال والغزو المغربي وهلم جرا

  3. اود الرد min التي تقول ان الصحراويين هم من طلبوا بالصحراء كم كان عددكم ?!!وهل كان بامكانكم طرد الاسبان ???!!٠كنتم مع المغرب لولا تدخل الدكتاتور القدافي وبوخروبة لعداءهم للملوك وهدا الاخير كان يطلب كعكة من الصحراء فاستغلوكم ضد المغرب .لفقركم وجهلكم والاحلام الخرافية فمات اباءكم وطفالكم تحت الشمس الحارقة ولازلتم هناك الى متى !!! حتى تدفنون 40مليون مغربي وانتم تعرفون الباقية.

    1. احلم يا المروكي الجيعان اللي راك تاكل فيه راك تهرب فيه مالحدود الجزائريه عالربعه تاع الصباح يا اللي عايش فأكبر برديل فالعالم

  4. الصحراء انداك كانت لطالبه والدين ترفعوا عنها في لاهاي فإما سبتة ومليلية فهما مغربيتان وسنرغم أسبانيا على على التخلي عنهما لصالح المغرب كما تم التخلي عن الصحراء المغربية.

  5. البوليزاريو جماعة من الجهلة و الأميين وقطاع الطرق، قادة االولبزاريو حفنة من المنتفعين و المنبطحين لحكام الجزائر الذين أرضعتهم ماما فرنسا كراهية الدين و العربية و المغرب…أما عن حلم إنشاء دولة صحراوية فأقول لهم تستطيعون يوما ما إقامة دولة لكم في المريخ أما في الأراضي المغربية فذالك كملك سليمان عليه السلام لا ينبغي لكم.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى