المنبر الحر

المنبر الحر | هل تطوع المحامي خاصية مغربية ؟

بقلم: ذ. عبد الصمد المرابط

    موضوع تطوع المحامي في هذا المقال لا يتعلق بما اصطلح على تسميته بالمساعدة القضائية، وهي الحالة التي يكون فيها المحامي مكلفا بالدفاع عن متهم معوز، وإنما بتطوع جماعة من المحامين للدفاع عن متهمين متابعين في قضايا جنائية غالبا ما تكون بخلفية سياسية، وهي ظاهرة ظلت تتناسل، إن صح التعبير، منذ الاستقلال، بدءا بمحاكمة المقاوم الفقيه البصري ورفاقه ومرورا بمحاكمة شباب الحسيمة والصحافيين الذين راهنوا على مقتضيات الدستور وما تفرع عنه من قوانين من شأنها أن تضمن لهم حق حرية الرأي والتعبير، وانتهاء بالمؤرخ والحقوقي المقدام  المعطي منجب، الذي ألبسه دعاة التواصل الموجه تهمة تبييض الأموال قبل بداية البحث أو التحقيق، وهي جرائم قذف وتشهير لا تنحصر في الضحية وإنما تمتد إلى كل متضرر من أفراد الأسرة.

من المعلوم أن الصنف الأول من المحاكمات التي امتدت إلى حدود بداية التسعينات من القرن الماضي، كانت في نظري تتسم بالخصائص التالية: محاكمات جماعية تجد فيها مقاومين ونقابيين وسياسيين انتهت في نظري بمحاكمة القائد النقابي نوبير الأموي، الذي كان يلقب بالنووي نسبة لخطبه النارية، كانت آخرها دعوته إلى نظام الملكية البرلمانية وهو المطلب الذي كان آنذاك يعتبر من الطابوهات ومن شأنه أن يجر على صاحبه الويلات، ومحاكمات فردية خصت صحافيين يتقدمهم مصطفى العلوي وعبد الكريم غلاب وأحمد بنجلون وعددهم يعسر تحديده، هؤلاء وغيرهم كانت أقلامهم مصوبة في اتجاه السلطة، فكانت هذه الأخيرة تعد لهم العدة، وذلك بتكليف الأجهزة المعلومة بالمهمة المتداولة، فيعتقلون قبل أن يحاكموا، وهو النهج الذي ظل سائدا رغم طي صفحة الماضي البغيض.

بالأمس، كما هو معلوم، كانت السلطة هي الخصم والحكم، وفي المحاكمة لم تكن في حاجة إلى تنصيب محامي، وعند ظهور بوادر الانفراج في بداية التسعينات، كانت أول حكومة استنجدت بمحامي لمواجهة المئات وجرت المحاكمة في قاعة لم تتسع حتى للمحامين، ناهيك عن جماهير ملأت جميع منافذ المحكمة، فتيقن كل من كان معي أن القضية لها علاقة بالسياسة لا ببنود القانون، فوجب عرضها على الحاكم لا على القاضي المختص في الفصل في الأثار المادية للجريمة، ومنذ ذلك الحين، ترسخت في ذهني قناعة عدم جدوى التطوع الذي لا تغيب فيه كما يشاع شروط المحاكمة العادلة، وإنما الشروط المحددة بكيفية دقيقة في بنود المسطرة.

في السنين الأخيرة، تغير إيقاع المحاكمات، حيث لم تعد ترى النقابي والسياسي أو الصحفي المعارض في قفص الاتهام ووراءه فيلق من الدفاع ينتمي لنفس التيار، وإنما صحفيون عزل راهنوا على ممارسة رسالتهم بمهنية، وحقوقيون يسعون إلى المساهمة في ترسيخ قيم العدل والحرية، إلا أنه بكل أسف، يتكرر نفس السيناريو في هذا النوع من المحاكمات حين ترى زملاء متطوعين كانت تجمعهم بالأمس وحدة القيم ووحدة الرؤى، فكانوا يحاولون قدر المستطاع اقتلاع الحيف والظلم، وذلك بالمزج ما بين القناعات السياسية وواقع المتابعات التي غالبا لم تكن تركز على براهين ملموسة، وما لاحظناه في المحاكمات الأخيرة، زملاء لا يكتفون بالتطوع للدفاع عن موكليهم حسب مواقعهم، متهمون كانوا أو ضحايا، لكن المحامي أضحى في الآونة الأخيرة يحل محل المدعي العام الذي خول له المشرع حق المتابعة، شريطة التقيد بقيم العفة والنزاهة ونبذ كل أنواع الإذلال والمهانة.

إن نهج أسلوب التشهير، يزيد من عمق الثقة ويضرب في الصميم مصداقية المهنة، ومن هو في حاجة إلى دليل، نحيله إلى مواقع إلكترونية، ليعاينوا عن كثب نعت النشطاء لبعض الزملاء بأوصاف يندى لها الجبين، فمن يوقف هذا النزيف؟

تعليق واحد

  1. سؤال يتداول بين مجموعة من المهتمين بالأمر، لماذا تم تسقيف أحقية الولوج الى سلك المحاماة و”العدلية” بتسقيف السن في 45 سنة ؟
    هذه المهن مهن حرة يجري عليها ما يجري على غيرها من المهن الحرة، يفترض أن تكون متاحة لكل من عنده القدرة وفق شروط تعتبر عادية كدفع حقوق الانخراط ووجوب فترة التمرين و و و (وطبعا شهادة الدراسات في العلوم القانونية أو الشرعية حسب المجال)،
    هذا التمييز اللامبرر يعده المهتمين ضربا لحقوق المواطن في الولوج الى المهنة الحرة وتعديا على الشرعية من قبل من يفترض فيهم احقاق الحقوق والدفاع عنها،
    فهل من لبيب يسعى لإحقاق الحقوق ؟

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى