الـــــــــــرأي

الرأي | بوتفليقة الوجدي

بقلم: الحسين الدراجي

    ولد بوتفليقة سنة 1938 بالمدينة الألفية حسب ما هو معلوم لدى جميع الساكنة الوجدية، فهو ترعرع وكبر تحت سمائها، وبعد أن قضى طفولته بمدرسة “سيدي زيان” التي هي أول مدرسة بنتها فرنسا سنة 1900، وبما أنه كان شابا نشيطا في جميع المجالات كالسياسة، استدرجه الوطني الغيور عبد الرحمان حجيرة لهذا المجال، كما أنه تعاطى للكشفية الحسنية وللمسرح، وقد مكنه نبوغه من الولوج إلى ثانوية الفتيان التي كانت خاصة بتعليم التلاميذ الفرنسيين الذين هم من أصل جزائري، كما تميز خلال دراسته بالذكاء والفطنة وبذاكرة قوية، وقد حدث بمناسبة إجراء اختبار في مادة الإنشاء، أن تفوق أحد الوجديين، وهو موسى السعدي، حيث أثرت هذه النتيجة على نفسية الأستاذ الفرنسي الذي كان يدرسها، فصرخ غاضبا: “ألا تخجلون من أنفسكم وتتركون أحد زملائكم يتفوق عليكم بفضل اجتهاده وجديته”، فخرج بوتفليقة من هذه المؤسسة التعليمية وقد فاز بالشوط الأول من شهادة البكالوريا، كما استهوته الوظيفة العمومية حيث قدم إلى الرباط لاجتياز مباراة مفتش الشرطة، لكن في الوقت الذي كان يبحث فيه عن الوسائل الضامنة لمستقبله، كان المرحوم بومدين يبحث عن شاب جزائري متمكن من اللغة الفرنسية، وبالفعل، فما إن عاد بوتفليقة إلى وجدة حتى استقطبته جبهة التحرير الجزائرية، التي ضمته إلى مكتبها وأصبح هذا الشاب المتمرد يصول ويجول في شوارع مدينة وجدة وهو يحمل بندقية رشاشة (كلاشينكوف)، ولما سأله أحد الزملاء عن ضرورة حمل هذا السلاح، أجاب أنه وجميع أفراد الجبهة معرضون للاغتيال من طرف الجنود الفرنسيين الذين كانت لهم عين على تحركات عناصر الجيش الجزائري.

وبعد كفاح مرير ساهم فيه المغرب بتقديم جميع المساعدات المالية والبشرية حيث استشهد عشرات الشباب المغاربة في جبال الأوراس، كان من المعقول أن يشارك بوتفليقة في أول حكومة وطنية، حيث ثم تعيينه وزيرا للشبيبة والرياضة، كما أنه تمكن من كسب ثقة الرئيس بومدين وبات ذراعه الأيمن ومستشاره الخاص، وكان لهذا التعيين أثر طيب على نفوس زملائه وأصدقائه في وجدة، الذين انهالوا عليه بعشرات برقيات التهاني، لأنهم استبشروا خيرا بوجود مواطن وجدي ضمن الحكومة الجزائرية، وقد كانت لبوتفليقة طريقة خاصة في حبك المؤامرات للقضاء على خصومه، وكان من طباعه الشغب وإثارة الخصومات بين من يعتقد أنهم يشكلون خطرا على سلطته، وقد أدهشني تصريحه بمناسبة تدشين متحف بمدينة تلمسان، حيث ادعى أنه ولد بها، فسارعت إلى نشر صورته وهو يجلس بجانب رفاقه بمدرسة “سيدي زيان” بوجدة، وكان هذا التصحيح قد نشر على الصفحة الأولى من أحد أعداد هذه الجريدة الغراء، كما سبق لي أن نشرت صورة للجنرال العماري وأنا أعرض عليه الصورة التي تؤكد وجود التلميذ المشاغب بوتفليقة وهو يجلس إلى جانب رفاقه (انظر الصورة)، وهذا الجنرال كان من بين الضباط الجزائريين الذين يؤمنون بفكرة المغرب العربي، مما جعل بوتفليقة يضرب عصفورين بحجر واحد، فهو من جهة تخلص من جنرال كان له تأثير قوي على الجيش، ومن جهة ثانية، كان يبحث عن الثقة الشاملة من طرف الشعب الجزائري لتظاهره بأنه يؤمن بوحدة المغرب العربي.

ظل الشعب الجزائري الشقيق يرى ثرواته الظاهرة والباطنية تبدد بطريقة عشوائية بشراء الولاءات من الدول العربية والإفريقية التي كانت تعيش وضعا اقتصاديا عسيرا، ومن هنا جاءت فكرة تأسيس جبهة البوليساريو، لأن بوتفليقة كان يعتقد أن المغرب ينافسه في الزعامة والهيمنة على إفريقيا، مدعيا أن المغاربة يريدون احتلال مدينة تندوف، التي هي أصلا وتاريخيا مغربية، وهكذا وقع بوتفليقة الرئيس في فخ نصبه هو بنفسه مثله في ذلك مثل إنسان أنجب رضيعا ولم يعرف كيف يربيه، لأن زمام الأمر أخذ يفلت من بين يديه بسبب نجاح عدد كبير من الصحراويين المحتجزين، في كسر الجدار الحديدي المضروب حولهم، وهو وضع سيظل قائما مادام الإخوان الجزائريون لا يفصحون عن نواياهم بشجاعة وصراحة، وقد تداولت بعض الأخبار قرب انعقاد اجتماع لرؤساء الدول الخمسة بهذا الشأن، لإيجاد حل مناسب يرضي جميع الأطراف.

فإذا كان الرؤساء ينتظرون طويلا، فنحن من المنتظرين، خصوصا وقد شاعت بعض الأخبار تفيد أن بوتفليقة قرر الرجوع إلى مسقط رأسه وجدة، حيث بعث أحد أفراد عائلته ليقوم بترميم البيت الذي كان يسكنه وهو من الأملاك التابعة للأوقاف، و”الرجوع إلى الأصل أصل” كما يقول المثل المغربي، فهل سيعود الطير إلى وكره هربا من المحاكمات التي أصدرها القضاء الجزائري في حق وزيرين أولين ومسؤولين كبار كان بوتفليقة يزكيهم؟

لكن يد القضاء وسلطته القوية لا مناص للإفلات منها مصداقا لقول الشاعر:

إن كنت تعلم يا نعمان أن يدي       ******       قصيرة عنك فالأيام تنقلب

‫2 تعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى