الحقيقة الضائعة

الحقيقة الضائعة | عندما هرب جنرال إيراني من قصر الصخيرات

حتى لا ننسى.. الصخيرات المجزرة السياسية "الحلقة 20"

حتى لا ننسى.. الصخيرات المجزرة السياسية
((من المؤمنين رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه فمنهم من قضى نحبه ومنهم من ينتظر)) صدق الله العظيم.
يقول القيدوم الراحل أستاذنا مصطفى العلوي: ((وما كان لأحداث على مستوى خطورة هجوم الصخيرات أن تدرج في مسالك النسيان، دون أن نستخلص الدرس منها، وكان الملك الحسن الثاني رحمه الله، حريصا على إقبار أخبارها وأسرارها، تفاديا لاستمرار البحث عن دوافعها وأسبابها والمسؤولين عنها، بقدر ما يحرص كتاب “الصخيرات المجزرة السياسية” على استخلاص الدرس مما خطته دماء الضحايا، ودموع الثكالى على جبين التاريخ المغربي المعاصر.
فيما يلي، تقدم “الأسبوع” أقوى ما كتبه الراحل مصطفى العلوي عن محاولة انقلاب الصخيرات، عبر حلقات ضمن ركن “الحقيقة الضائعة”.
بقلم: مصطفى العلوي

كانت علاقات الجنرال المذبوح وقاتله(…) الكولونيل عبابو، مطبوعة بالغموض، رغم طول المعاشرة،فالجنرال المذبوح كان قد قرر ألا يخبر رفاقه في الثورة وهم موجودون داخل القصر، بشكوكه في الكولونيل عبابو، فكان يوزع عليهم النظرات الغامضة وما كانوا يفهمون شيئا منها..

كان الجنرال حمو يلعب الورق “التوتي” مع بن جلون وبرادة وشخص آخر، فانحنى عليه أحد الفضوليين وقال له: يا مون جنرال، إنهم غشاشون، فأجابه الجنرال حمو: أعرف.. ولكنهم سيدفعون الثمن غاليا، فهل كان الجنرال حمو يعرف بمفاجأة عبابو، وأن رفاقه في الورق سيدفعون الثمن في ذلك اليوم؟ لو كان يعرف ذلك، لخرج قبل هجوم فرق الموت.

وعندما هاجمت فرق الموت مصطاف الصخيرات، لم يكن الرصاص يميز بين إطارات الثورة ومدعوي القصر، آكلي المشوي، كما كان يسميهم المهاجمون، وعندما كان الرصاص يحصد الأرواح، لم يكن إلا الجنرال المذبوح وحده واقفا مع الثوار، ضمن المجموعة التي كانت قريبة من الملك، كان الحاج أحمد بلافريج، قيدوم السياسيين الاستقلاليين، الذي جاءته غضبة كبرى فصاح قائلا: ما هذه الصعلكة، فأطلق عليه جندي ثائر سيلا من الرصاص أصابته منه واحدة في عنقه إصابة خفيفة وسقط على الأرض.

عند بداية الهجوم، تسرب أحمد السنوسي إلى التلفون، فوجده مشتغلا، فاتصل بإدارة الأمن وقال: كلموا لي أي واحد، فكلمه الكوميسيرالزياني، فقال له أخبر الناس جميعا بأن هجوما وقع على القصر، واتصل بالدرك، وبعدها اتصل الزياني بالدرك الذي أصدر ضابط منه أوامره بالتحليق لطائرة هليكوبتر في جولة استطلاعية فقط، وبقيت الهليكوبتر تتجول، لهذا ظن عبابو أنها تنتظر التعليمات، فقرر التوجه إلى المدينة، وهو المؤشر الحتمي لبوادر المعجزة التي غيرت مسار الأحداث.

وعندما كان السنوسي يتكلم في التلفون، فاجأه أوفقير قائلا: من تكلم؟ أجابه: البوليس، قال له: هات السماعة، وتلعثم وقال: طيب لا ترد، وبعد دقائق، انطلقت رصاصات من جهة أوفقير قطعت التلفون. جزئية هامة عاشها أقرب الناس إلى الملك، أحمد السنوسي، الذي ربما لم يفهم لماذا قطع الجنرال أوفقير التلفون.

وكان عدد من المدعوين هاربين في رمال الشاطئ، أو منبطحين على بطونهم، حينها شوهد الكولونيل الشلواطي يجري في رمال الشاطئ، وشوهد الجنرال حموقائد الناحية العسكرية بالرباط، والجنرال بوجرين قائد الناحية العسكرية بفاس، والجنرال حبيبي قائد المنطقة العسكرية بمراكش، والجنرال أمحراش قائد المدارس، وغيرهم، شوهدوا كلهم رافعين الأيدي كسائر الناس(…).

وليس من شك في أن الجنرال المذبوح لم يكن متفقا على أن يأخذ الانقلاب شكل مجزرة، لهذا كان همه الأول هو أن لا يعثر الكولونيل عبابو على الملك، وعثوره عليه معناه اغتياله، بينما كان المخطط يقضي بالاحتفاظ به حتى يتنازل عن العرش في الإذاعة والتلفزيون، لكن المذبوح كان يريد أن يوازن بين نجاح الانقلاب وتنفيذ خطوطه كاملة وبين حماقات عبابو، ومرة أخرى، لم يكن الجنرال المذبوح قادرا على التراجع، فالجنود المهاجمون كانوا تحت إمرة عبابو، والوقت جعل الزمام يفلت من يد المذبوح، ويجعله تابعا منفذا لأوامر عبابو، رغم أنه كان في الحقيقة هو الرئيس الأول للانقلاب.

وعندما كان جنود الموت يوجهون أسراهم نحو الشاحنات يزجونهم فيها، كان الكولونيل عبابو يتفقد برنامج الإعدامات، ويبحث عن الملك، ويحتاط من غدر محتمل من طرف المذبوح، وفي نفس الوقت، يحسب حساباته لكل ما يمكن أن يقع.

وهكذا لم يكن لديه متسع من الوقت لكي يبحث عن الملك، لقد شاهد أحد أنداده الألداء، وهو الكولونيللوباريس، قائد حامية المظلات، يجري بقامته الفارعة في الطول، متحايلا على رصاص الرشاشات، قاصدا أشجار الحدائق المحيطة بالمصيف، وركب عبابو سيارة “جيب” وتبعه حتى أدركه، وهناك أفرغ في بطنه شاحنة رشاشته وانتظر لحظة حتى رآه وقد خمدت أنفاسه، ثم عاد أدراجه ليتابع العملية، ورغم ذلك، لم يمت لوباريس وتم إنقاذه فيما بعد، لكن الكولونيل عبابو وهو مشغول بوضعية الكولونيل الهارب لوباريس، لم يفطن إلى أحد الضيوف، وهو جنرال إيراني من رجال ثقة شاه إيران، وكان مدعوا لهذا الحفل واسمه “الجنرال فنسي”، وهو كأغلب جنرالات الشاه، قوي، رياضي، ذكي، تسرب مع بداية الهجوم في اتجاه الحائط المحيط بالقصر، وبينما هو يتسلق، وجد الوزير عبد الهادي بوطالب قد سبقه، فساعد الجنرال الإيراني الوزير بوطالب إلى الصعود، ثم خرجا برفقة رجل ثالث يعتقد أنه أخ الجنرال الإيراني الذي بعد المغادرة، اتصل بالحرس الإيراني وتم إخبار الحرس الملكي في المغرب، ولم يعرف أحد مسار تحركات هذه الاتصالات.

وكان من بين الأسرى، الجنرالات كلهم، وقد شحنوا في السيارات الناقلة الكبرى رافعين أيديهم ومعرضين للموت ككل الناس، وفي إحدى الشاحنات، كان الجنرال بوجرين إلى جانب الجنرال حمو واقفين جنبا إلى جنب والخوف يأكل قلوبهم، وعندما كان الأسرى يعدون بالمئات، ذهب جنود الموت لإحضارهم من الأماكن التي التجئوا إليها مهما بعدت، كان أولئك الأسرى يرون الجنرالات داخل الشاحنات وقد رفعوا أيديهم، وكان من بين الأسرى، الكولونيل أبو الحمص مدير الدرك الملكي، الذي استطاع أن يصل حتى إلى مصطاف “الأمفيتريت” على بعد ثلاث كيلومترات من مصيف الصخيرات الملكي، وهناك اتصل بهارب آخر هو إدريس حصار مدير الشؤون السياسية بوزارة الداخلية، وكلفه بالتوجه إلى مقر عمله وطلب منه أن يبعث البرقيات إلى العمال يخبرهم فيها بالانقلاب وبضرورة اتخاذ الاحتياطات..

وكان من سوء حظ الكولونيل أبو الحمص، أن يكون من بين الأسرى الذين أعادهم جنود الموت إلى حدائق المصطاف الملكي بالصخيرات، وهناك، وبعد أن تمدد الكولونيل أبو الحمص على بطنه كسائر الأسرى، نودي عليه فانتصب واقفا، ولأول مرة سمع الناس صوت الكولونيل الشلواطي يسأله: هل أنت معنا أو ضدنا؟ ولكن الكولونيل عبابو لم يكن يحب الكلام الكثير، فأطلق الرصاص على الكولونيل أبو الحمص قبل أن ينطق بالجواب.

كان الكولونيل الشلواطي في تلك الأثناء، وهو العامل السابق لإقليم وجدة والمنظم الأول لقوات التدخل العسكرية الخفيفة، قد دخل ميدان الأحداث وأصبح بجانب الكولونيل عبابو في كل تحركاته.

الكولونيل العلام، جرح في الصخيرات وأخذ أحد أصدقائه يقرؤون عليه القرآن، ففتح عينيه وقال له: يا سيدي، فال الله ولا فالك، أنا لازلت حيا، وفي حرب أكتوبر 1973، قتل العلام في الجولان بعد أن نزل من سيارة الجنرال الصفريوي، قائد التشكيلة العسكرية المغربية في الحرب السورية، ليزيل بعض الأسلاك الشائكة أثناء معركة جوية مع إسرائيل ومات محترقا بالنابالم.

وقد أصيب مجموعة من التلاميذ الضباط المهاجمين، بهزة من الضحك وسط أصوات الرصاص حينما سمعوا مديرهم، مدبر الهجوم الكولونيل عبابو ورشاشته في يده وهو يقول لأحد أعوانه: فتش على واحد الوزير اسمه العراقي، راه لابس مضمةدالعيالات.

وأمام هذا التسلسل السريع للأحداث، وما خلفه من مفاجئات وما يتطلبه موقف القتل والاحتياط، اضطر الكولونيل عبابو للإصرار على التعرف على موقع الملك، وعندما دخل المذبوح على الملك في مخبئه وأراد إقناعه بضرورة الخروج عند عبابو، كان هذا الأخير منهمكا في أشياء أخرى، وأمام إصرار الملك على عدم الخروج عند عبابو وإصرار عبابو على معرفة موقع الملك، اضطر المذبوح لأن يرد على عبابو قائلا: ها هو هنا.. ادخل عنده واقتله إن أردت أن تقتله، تأشيرة من المذبوح إلى عبابو، فهمها عبابو ولاشك فخا لاغتياله، وأن الملك ليس هناك.

فقد نزل هذا الاعتراف من طرف المذبوح على عبابو كالصاعقة، وظن أن الأمر يتعلق بفخ محكم، وأن الملك ليس هناك، وأن المذبوح متردد وخائن.. وامتزجت هذه الشكوك وهذا الغضب في دماغ عبابو وتناثرت من شفاهه كلمات تجاه المذبوح كانت مزيجا من الغضب ومن السب ومن الرصاص المنطلق من رشاشته تجاه المذبوح.

وعندما كان المذبوح يسقط على الأرض وكانت دماؤه تمتزج بدماء الآخرين، كان عبابو يرى مخططه أيضا ينزف وكأن دم المذبوح هو دم الثورة، وأن جسم المذبوح هو جسم الانقلاب، فزاغ عقله وطار طائره وانقلب على عقبيه يجري متحدثا إلى الشلواطي، وخرج يجري إلى الشاحنات التي كانت مليئة بالأسرى فأمر بإفراغها من الأسرى، وأمر الجنود بأن يركبوها، وأمر كوكبة من الجنود أن تدخل إلى قلب القصر لتخرج كل الناس بدون استثناء(…) وتأتي بهم إلى حدائق القصر الخارجية حيث انبطح جميع الأسرى، وعندما كانت الشاحنات تفرغ من الأسرى، كان عبابو ينادي على الجنرال حمو والجنرال بوجرين والكولونيل الفنيري والجنرال أمحروش والجنرال حبيبي، وكان يكلمهم وكأنهم أصدقاء قدامى، وشاهد الأسرى الذين لم يكونوا بعيدين من الشاحنات، شاهدوا الجنرال بوجرين يخرج من جيبه منديلا ويلفه على ساعد الكولونيل عبابو التي كانت تقطر دما.

وحينما اصطفت أربع شاحنات على الجوانب الأربعة لحدائق مصيف الصخيرات، ووجهت كل شاحنة أربعة مدافع رشاشة من المدافع التي تستعمل لإسقاط الطائرات ووجهوها نحو رؤوس المنبطحين على الأرض، كانت السيارات محملة بالجنود تغادر حدائق الصخيرات بينما بقي عدد قليل من الجنود شاهرين أسلحتهم صوب رؤوس المنبطحين على الأرض، شوهد فوج من الأسرى خارجين من الباب الجانبي للقصر، رافعين أيديهم على رؤوسهم ومتوجهين نحو جموع الأسرى، شوهد الملك بين ذلك الفوج، وشوهد معه الأمير مولاي عبد الله، وبعض الوزراء، شوهدوا وقد سيقوا بالرشاشات نحو باقي الأسرى، هناك أيقن بعض الأسرى ممن استطاعوا رؤية الملك، أنه لازال على قيد الحياة، ولكنهم كانوا موقنين أنهم أحضروه لإعدامه معهم، ثم أيقنوا أن وقت الإعدام لم يحن بعد، فقد أوقف عبابو سيارته ثم نزل منها وصاح في أحد الضباط الصغار قائلا وهو ينظر إلى علال الفاسي: في السابعة أطعموهم، حتى الجائعين منهم، وأشار بيده إشارة الإفناء، أي في السابعة اقتلوا الجميع.

 

يتبع

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى