الحقيقة الضائعة

الحقيقة الضائعة | لغز وفاة الجنرال المذبوح “الحلقة 19”

حتى لا ننسى.. الصخيرات المجزرة السياسية
((من المؤمنين رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه فمنهم من قضى نحبه ومنهم من ينتظر)) صدق الله العظيم.
يقول القيدوم الراحل أستاذنا مصطفى العلوي: ((وما كان لأحداث على مستوى خطورة هجوم الصخيرات أن تدرج في مسالك النسيان، دون أن نستخلص الدرس منها، وكان الملك الحسن الثاني رحمه الله، حريصا على إقبار أخبارها وأسرارها، تفاديا لاستمرار البحث عن دوافعها وأسبابها والمسؤولين عنها، بقدر ما يحرص كتاب “الصخيرات المجزرة السياسية” على استخلاص الدرس مما خطته دماء الضحايا، ودموع الثكالى على جبين التاريخ المغربي المعاصر.
فيما يلي، تقدم “الأسبوع” أقوى ما كتبه الراحل مصطفى العلوي عن محاولة انقلاب الصخيرات، عبر حلقات ضمن ركن “الحقيقة الضائعة”.
بقلم: مصطفى العلوي

  بدأ إطلاق النار بدون رحمة ولا هوادة، بينما كان الجنرال المذبوح راجعا إلى القصر وسط الرصاص غير خائف ولا مبال مديرا ظهره للشاحنات التي تفرغ الجنود وهم يطلقون الرصاص، ودخل إلى المصطاف غير بعيد من المائدة الرسمية حيث كان الناس يتساءلون، بينما كان أعضاء الحاشية يقولون إنها مفاجأة المذبوح، إنه الرصاص الأبيض.. ولكنه كان في الواقع الموت الزؤام.

ليس من حق أحد من الذين أسعدهم الحظ بالحياة بعد العاشر من يوليوز وهم داخل مصطاف الصخيرات، أن يدعي أنه رأى كل أطراف مفاجأة الجنرال المذبوح، حتى المذبوح نفسه لم يكن يرى كل جانب من جوانب المذبحة، فعندما صدرت الأوامر للذين بقوا على قيد الحياة بالانبطاح على بطونهم ورفع الأيدي فوق الرؤوس، لم يكن أحد، مهما بلغ ذكاؤه وعلا شأنه، بقادر أن يرفع أهدابه أو يحرك حاجبيه.

فبعد أن أخذت الأجساد تتدحرج على الأرض كالطيور المجروحة، شوهد الملك يدور حول الموائد ويتوجه صوب أقرب قاعة إلى الخيمة، وهي القاعة الكبرى المقفولة، وقد أحاط به مساعدوه الأقربون، بينما شوهد الكولونيل الدليمي، مدير الأمن الوطني، مقبلا كالصاروخ يجري وسط الرصاص المنهمر في اتجاه الملك الذي شوهد وهو يوجه إليه كلمات غير مفهومة وقد تقطبت أساريره وتغيرت ملامحه وانفجر الغضب من عينيه، ولكن مسحة من البرودة والانطلاق سرعان ما غيرت الملامح الملكية عند نطق الكولونيل الدليمي قائلا: إنه الجيش.. الجيش.. لارمي.. لارمي..

وكان الأمير عبد الله غير بعيد من المحيط الملكي وكأنه الأسد المزمجر يصيح.. ويصيح.. وقد زاغت عيونه وطار الشرر من عينيه، مرددا: رشاشة.. رشاشة.. ميطراييت.. ميطراييت.. وبينما اختفى الملك تماما عن الأنظار عن الحلبة، فمن خضم الجماهير المتطايرة والدماء المتناثرة، شوهد الجنرال مولاي حفيظ، مدير التشريفات الملكية، يخرق جلبابا فوق عنق الأمير عبد الله، ويضع له طربوشا على رأسه، ربما ليخفيه عن الأنظار، ثم شوهد الأمير وقد لبس الجلباب والطربوش يجري نحو القصر الداخلي، ثم شوهد الرصاص يخترق جسمه، ثم شوهد وهو ملقى على الأرض كالجثة الهامدة وقد انبطح كالميت والدماء تسيل منه بغزارة.. ولكن أحدا لم يكن يلتفت إليه، لقد كان أغلب الناس هناك يفكرون أولا في نفوسهم، في أرواحهم، في أولادهم.

وأقبل فريق من رسل الموت بقمصانهم الكاكية وسراويلهم المزركشة، وعلى رؤوسهم الخوذات الحديدية الخضراء الداكنة، وبين أصابعهم رشاشات جديدة براقة وسراويلهم وأحزمتهم وجيوبهم مشحونة بخزانات الرصاص.

كانت تلك الفرقة لا تطلق الرصاص، فقد كان القتل من مهمة الفرق الأخرى، بل كانت تلك الفرقة تتوزع كأنها في عرض عسكري، ثم تصطف ضاربة حصارا على القاعة التي شوهد الملك يتوجه نحوها منذ بضع لحظات، كانت أصابع أفراد تلك الفرقة على الزناد، ولوحظ قدوم حوالي عشرة ضباط بنفس الزي، اصطفوا في نفس الاتجاه، لكن في شكل صف أمامي، ثم دخل ضابط عصبي قصير القامة أشقر الشعر مقصوصه، يتقدم وأصبعه على زناد رشاشته ويأتي ليقف في طليعة الصفين العسكريين في اتجاه القاعة الكبرى، فكان ذلك الضابط القصير القامة لا يلتفت إلى الرصاص المنطلق في كل جانب من جوانب القصر وكأنه جاء في مهمة خاصة.

وفيم تصطك الأسنان وتتضغضغ زنادات الرشاشات، وتحصد الموت، وتتفجر الثقوب عن شلالات الدماء، برز شخص الجنرال المذبوح في وجهه الثاني.. أو بالأحرى على حقيقته التي كانت إلى حدود بضعة دقائق خافية عن العيان.

وينتصب الجنرال المذبوح وسط رسل الموت كأبي الهول ثرثارا كما لم يكن من قبل، حتى أن أغلب المتمددين على الأرض لم يكونوا يصدقون أنه صوته، وأنه حقيقة هو الجنرال المذبوح.

كانت سبابته تتوجه يمنة ويسرة، وعيونه تتقلب مع كل رصاصة تنطلق، كان سيد الموقف، ورئيس الحركة، ومدير الهجوم، وأب المفاجأة.. وكبير رسل الموت.. كان قد أدار ظهره لإحدى البيوت الصغيرة المندسة قرب القاعة الكبرى وكأنه مطمئن إلى أن الخطر لا يتهدده من خلف أو كأنه يحمي بظهره ذلك البيت الصغير، وكانت ملامحه غير مستقرة على شيء، ولكن أوامره كانت تصدر وكأنه يستوحيها من الضابط القصير القامة المقصوص الشعر الذي كان هو الكولونيل عبابو، مدير المدرسة العسكرية بأهرمومو، والذي كان يرأس الفرق المهاجمة، وأخرج الجنرال المذبوح من جيب كسوته ورقة صغيرة أخذها بين إبهامه وسبابته وأخذ ينطق بأسماء الضباط المقربين إلى الحاشية الملكية.

كان المنبطحون على بطونهم يسمعون طلقات الرشاشات تعقب النطق بكل اسم، وكأنها التصفيقات التي تعقب الهتاف بأسماء النجوم.. وما كانت في الحقيقة إلا عمليات الإعدام، فقد كان دوي الجثث تسقط على الأرض مسموعا وسط تصفيقات الرشاشات.

كان هناك مخطط مرسوم يمشي بمنتهى الترتيب والتنسيق، مخطط لم يكن أحد بقادر على أن يعرف خفاياه ولا تفاصيله، وإن كان يظهر أن المذبوح قد أصبح مأمورا من طرف عبابو.. في حركات تخفي مفاجأة المذبوح بانقلاب الوضع.

كان المنبطحون على بطونهم يسمعون أسماء لامعة في الدولة المغربية تسقط تحت وابل من الرصاص، حيث أتت أسماء الموظفين بالقصر بعد أسماء الجنرالات والضباط الكبار، وكان اهتمام أولئك المنبطحين على بطونهم بما يجري، لا يعدو أن يكون اهتماما باللحظة التي يسمع فيها كل واحد اسمه، واستغرب كثير من المنبطحين بجانب الجنرال الدليمي، أنه رغم المناداة باسمه لإعدامه، فإنه بقي متمددا مع المتمددين.

ولكن جميع الأحياء في تلك اللحظات بمصيف الصخيرات، كانوا موقنين أن ذلك هو آخر يومهم وأنهم لا محالة منتقلون إلى العالم الآخر.

ويظهر أن المخطط كان يقضي بأن يتم إعدام العناصر الإيجابية في المحيط الملكي قبل التفاوض مع ملك البلاد على كيفية التنازل عن العرش، فقد سلم الجنرال المذبوح الورقة التي كانت بين يديه إلى الكولونيل عبابو، ليتمم العملية، ثم توجه إلى أحد المخابئ التي كانت خفية، حيث شوهد عائدا إلى القاعة الكبرى بعد أن شوهد الملك واضعا يديه على رأسه ومتبوعا بشرذمة من رسل الموت العصبيين، وبغتة التحق المذبوح بالقاعة التي أدخل إليها الملك حيث لا أحد يدري ماذا جرى، وهي اللحظة التي سبق الحديث عنها عندما سأل المذبوح الملك إذا ما كان مستعدا للعفو عن الكولونيل عبابو، فأجابه الملك: ((ابحث معه عن الحل)).

ويقول الملك الحسن الثاني في تصريح له بعد نجاته من هذا الهجوم ((أن المذبوح أخبره أن المسؤول عن كل هذا هو الكولونيل عبابو، وأنه مستعد لأن يتفاوض معه إذا وعده جلالة الملك بالعفو عليه)).

ورغم أن الظروف لا تسمح لأي كان أن يعرف ماذا جرى بالضبط خارج القاعة التي تم فيها احتجاز الملك مع مساعديه الأقربين، إلا أن أحد السفراء الذين كانوا قبالة القاعة، يحكي أنه سرق النظر، وشاهد المذبوح يعود إلى ساحة المقصلة، حيث كان دور السيد بنيعيش قد جاء لكي يتم إعدامه، ولما نودي على اسم بنيعيش، وكان المقصود بدون شك هو الحاجب الملكي، امتدت أذرع الدكتور بنيعيش الطبيب الملكي الخاص نحو الجنرال المذبوح وقد حسب أن الأمر يتعلق به، فأخذ يستعطفه، ورفع المذبوح يديه وكأنه يحاول منع رسل الموت من إطلاق الرصاص على الدكتور بنيعيش، لكن الرشاش كان أسرع من الظروف وانطلق مخترقا جسم الدكتور بنيعيش وجسم الجنرال المذبوح، وسقط الدكتور بنيعيش وبقي الجنرال المذبوح منتصبا كالتمثال والدم يتفجر من الثقوب التي أحدثها الرصاص في جسمه.. فكيف أطلق الرصاص على الجنرال المذبوح؟ موضوع لم يكن ليظهر في تلك الساعة، ليتبين فيما بعد، وكلما زاد دم الجنرال المذبوح نزيفا كلما زاد الوضع برودة، وكان ذلك الدم ينزف من أجسام رسل الموت جميعا، وبقي الجنرال المذبوح يصدر أوامره وكانت الدماء التي تسيل من جسمه غير ذات أهمية، ولكن ثباته لم يكن ليغير من برودة الوضع شيئا.

كان الكولونيل عبابو ينظر مشدوها إلى الدماء المتفجرة من جسم الجنرال، وعندما سقط هيكل الجنرال المذبوح على الأرض، لم يكن أحد من المنبطحين على الأرض يعرف ماذا يجري، بل كانوا ينتظرون بقية الإعدامات، وبالتالي، ينتظرون دورهم في الإعدام.

من للكاتب المؤرخ بعيون محلقة في سماء الصخيرات في تلك الساعات الموالية للثالثة بعد ظهر العاشر من شهر يوليوز 1971، ليرى ماذا جرى في تلك اللحظات التاريخية والظروف الغامضة التي أحاطت بموت الجنرال المذبوح، الدماغ المفكر والقلم المخطط لأول انقلاب عسكري عرفه تاريخ الدولة العلوية.

إن العيون التي كانت متفتحة في تلك اللحظات الحرجة من تاريخ المغرب، قد أغمدها التراب كلها وبدون استثناء، لكن عيون الكولونيل عبابو رأت أكثر مما رأته عيون أخرى، وشهدت ما لم يشهده التاريخ.

لقد أخذت نظرات عبابو في اللحظات التي أعقبت مصرع المذبوح، توزع الدهشة مع مزيج من الإصرار على قطع الخطى السريعة نحو زعامة الانقلاب.

 

يتبع

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى