ملف الأسبوع

ملف الأسبوع | اعتراف أمريكا بسيادة المغرب على صحرائه ليس جديدا

التاريخ المنسي في الأرشيف الأمريكي

اعتبر المراقبون يوم 10 دجنبر 2020 بمثابة المنعطف والحدث التاريخي البارز في منطقة شمال إفريقيا، وذلك بعد إعلان الرئيس الأمريكي المنتهية ولايته دونالد ترامب، عن اعتراف بلاده بسيادة المغرب على كامل أقاليمه الجنوبية، وهللت وسائل الإعلام أنه أول اعتراف أمريكي من نوعه في هذه القضية. والحال أنه من خلال البحث في الأرشيف الأمريكي، وخصوصا الخاص بوزارة الخارجية الأمريكية، نجد أن أول اعتراف أمريكي بسيادة المغرب على كامل أقاليمه الجنوبية، كان يوم 8 أبريل 1976، كما تتضمن وثائق تشير إلى كيف تطورت نظرة أمريكا لقضية الصحراء من الحياد إلى الدعم المطلق، وعدم الاعتراف بجبهة البوليساريو.

أعد الملف: سعد الحمري

 

تتمة المقال بعد الإعلان

مساعي مغربية لإقناع أمريكا بالضغط على إسبانيا لتسليم الصحراء للمغرب

     كانت مسألة استرجاع الأقاليم الجنوبية ضمن أولويات المغرب منذ حصوله على الاستقلال سنة 1956، عن طريق إثارتها لدى هيئة الأمم المتحدة في كثير من المناسبات، غير أن إسبانيا ظلت تمتنع عن تنفيذ جميع القرارات الصادرة عن هذه الهيئة، وقد جعل هذا التعنث المغرب مضطرا إلى اتباع سياسة جديدة، وهي العمل على إدخال الولايات المتحدة الأمريكية في القضية من أجل الضغط على إسبانيا لتصفية استعمارها للمنطقة، وتقدم وثائق وزارة الخارجية الأمريكية معطيات مستفيضة حول حيتيات هذه القضية.

كانت أول محاولة مغربية من أجل مطالبة أمريكا بالدخول على خط الأزمة في أكتوبر من سنة 1972، أي بعد شهرين من المحاولة الانقلابية الفاشلة التي قادها الجنرال محمد أوفقير ضد الملك الراحل الحسن الثاني، وذلك عندما قام وزير الخارجية المغربي، أحمد الطيب بنهيمة، بزيارة عمل لأمريكا، كشفت الوثائق الأمريكية أسرار ما جرى التداول في شأنه خلال تلك الزيارة، وقد أثار المسؤول المغربي في أول الأمر مسألة القواعد الأمريكية في المغرب، وطالب بإعادة النظر في وضعيتها القانونية، حيث نبه نظراؤه الأمريكان خلال المحادثات، أنه في حال شاركت أحزاب المعارضة في أول حكومة بعد حالة الاستثناء، فإنها ستنادي بجلاء القواعد الأمريكية بالمغرب.

ويظهر أن إثارة مسألة القواعد الأمريكية بالمغرب، كان مجرد محاولة فقط لإثارة الأمريكان إلى أهمية المغرب بالنسبة لأمريكا من الناحية الجيوسياسية، ذلك أن هذا الملف كان مجرد مقدمة لملف آخر أكثر أهمية منه بالنسبة للمغرب، ويتعلق الأمر بقضية الصحراء، وبخصوص هذه القضية، أوضح أحمد الطيب بنهيمة خلال نفس اللقاء، أن المغرب يرى أن إسبانيا لا تقارب الموضوع بطريقة مطمئنة تماما، وأكد أن المملكة اتفقت مع إسبانيا حول جعل قضية تصفية استعمار الصحراء المغربية بين يدي الأمم المتحدة، غير أن هذه الأخيرة امتنعت عن تنفيذ جميع القرارات الصادرة عن هيئة الأمم المتحدة.

تتمة المقال بعد الإعلان

وبخصوص الوضع السياسي الداخلي بالمغرب، فقد ذكر الطرف المغربي للمسؤولين الأمريكان، أنه يسود استياء كبير داخل مكونات أحزاب المعارضة، حيث أنهم يؤاخذون على الملك عدم إشراكهم في اتخاذ القرارات بخصوص قضية الصحراء المغربية، كما تطرق إلى قضية مهمة، وهي أن الملك الحسن الثاني في استطاعته تحقيق إجماع وطني بشكل سريع من خلال تحدي إسبانيا بشأن قضية الصحراء، وخلق إجماع وطني من طرف أحزاب المعارضة، غير أنه أوضح أن الملك لا يريد أن يتسرع أو يستبق الأحداث عن طريق جعل الصحراء المغربية ورقة من أجل خلق إجماع وطني داخلي حول الملكية.

خلال نفس اللقاء، حاول الوزير بنهيمة أن يثير انتباه المسؤولين الأمريكان إلى أهمية قضية الصحراء وخطورة الوضع فيها، حيث أوضح لهم أن المغرب قلق بشكل بالغ إزاء زيادة النشاط الليبي في الصحراء، مؤكدا أنه إذا قدم الليبيون السلاح لبعض الحركات الموجودة في الصحراء، فإن ذلك من شأنه أن يضر بالمغرب، ويجعله في موقف حرج، وفي ذات السياق، أشار إلى وجود نشاط للصين الشعبية والاتحاد السوفياتي في الصحراء، إضافة إلى نشاط جزائري كذلك.

وبعد استعراض الوضع في الصحراء المغربية، والتحديات التي أصبحت تطرحها، طلب بنهيمة من الولايات المتحدة أن تتدخل في قضية الصحراء، معربا عن أمله في أن تساعد المغرب على إقناع إسبانيا باتخاذ موقف أكثر مسؤولية بشأن القضية، غير أن وزير الخارجية الأمريكي، أوضح له أن الولايات المتحدة لا يمكن أن تتدخل في المسألة، وأنه لا ناقة لها ولا جمل فيها، وتعلل بأن الأمر يقف على تطور القضية بين إسبانيا والمغرب، كما أكد أنه سيقول نفس الكلام لإسبانيا، وصرح أن بلاده لن تقف إلى جانب إسبانيا أيضا، وأن موقفها من القضية جملة وتفصيلا، هو الحياد.

 

فشل المحاولات المغربية في الحصول على ضغط أمريكي على إسبانيا

    ظل المغرب، رغم الموقف الأمريكي الواضح، متشبثا بضرورة تدخل أمريكا للضغط على إسبانيا في ملف الصحراء المغربية، وبعد سنة كاملة، عاد المغرب لطلبه القديم، حيث زار وزير الخارجية المغربي أحمد الطيب بنهيمة وزير الخارجية الأمريكي الجديد، هنري كيسنجر (وزير الخارجية الأمريكي من 21 شتنبر 1973 إلى 20 يناير 1977)، وهو الذي يعتبر أشهر وأهم وزير خارجية في تاريخ الولايات المتحدة الأمريكية.

حاول الوزير المغربي، خلال هذا اللقاء، وضع قضية الصحراء في الإطار الإقليمي، وسعى إلى توضيح أهميتها بالنسبة لمستقبل غرب البحر الأبيض المتوسط، حيث أكد أن إسبانيا تسعى إلى منح الاستقلال للصحراء، وتساءل المسؤول المغربي لماذا ينبغي أن تكون الصحراء مستقلة وهي عبارة عن قطعة من الأرض تضم حوالي 45000 شخص، الثلثان منهم أميون، وفي ذات الوقت، شدد على الموقع الاستراتيجي للصحراء كطريق بحري مهم.

تدخل وزير الخارجية الأمريكي وتساءل عن السبب الكامن وراء جعل الإسبان يعملون على منح الاستقلال للصحراء، فأجابه نظيره المغربي بأن الإسبان ينحون ذلك المنحى من أجل جلب تعاطف إفريقيا جنوب الصحراء معهم ضد بريطانيا بخصوص قضية جبل طارق المتنازع عليها بين بريطانيا وإسبانيا.

وخلال ذات اللقاء، أكد بنهيمة أن المغاربة أوضحوا للإسبان أن قضية أمن غرب البحر الأبيض المتوسط لا تقبل التجزئة، غير أن الإسبان، حسب قول الوزير المغربي، ألحوا على أن أمن البحر الأبيض المتوسط قضية، وأمن المحيط الأطلسي الذي تقع فيه الصحراء مسألة أخرى مستقلة بالكامل، على اعتبار أنهما منفصلان، وهي رؤية معاكسة تماما لنظرة المغرب، حسب بنهيمة، الذي يرى أن أمن المحيط الأطلسي والبحر الأبيض المتوسط أمر واحد.

وبعد ذلك، أوضح المسؤول المغربي أن بلاده لا يمكنها العمل على التنمية الاقتصادية، والاهتمام بالتسلح في الوقت نفسه، وشدد على أن أولوية المغرب تكمن في التنمية الاقتصادية، وأنه لا يريد أن يغير سياسته والاتجاه نحو التسلح، ولمح إلى أنه في حال ما إذا أراد المغرب أن يتجه نحو التسلح، فإنه سيسعى لطلبه من أمريكا المشغولة بقضية اليونان وتركيا من جهة، والحرب العربية الإسرائيلية من جهة ثانية، وعلى هذا الأساس، فإن رفضت أمريكا تسليح المغرب، فإنه سيتجه إلى الاتحاد السوفياتي، وهو الأمر الذي كانت ترفضه أمريكا رفضا باتا.

استفسر أحد مساعدي وزير الخارجية الأمريكي، الوزير المغربي، عما يروج بخصوص موقف الجزائر وليبيا وأنهم يضغطون من أجل استقلال الصحراء، فأكد أحمد الطيب بنهيمة، أن الجزائر تريد منفذا إلى المحيط الأطلسي، وأن المغرب لا يريد أن يكون معزولا كما فعلت فرنسا للجزائر من جهة إفريقيا جنوب الصحراء، وإن نفذت الجزائر خطتها، فإن المغرب سيصبح معزولا إقليميا ويتكسر توازن القوى الذي كانت أمريكا تسعى للحفاظ عليه في المغرب الكبير من أجل عدم بروز قوة إقليمية تسعى إلى الزعامة إقليميا، وبخصوص موقف أمريكا من القضية وما تطرحه من حسابات سياسية واستراتيجية، فقد اكتفى وزير الخارجية الأمريكي الجديد بالقول أن الأمر “مثير للاهتمام”، دون الإشارة إلى موقف أمريكا من القضية.

الراحل الحسن الثاني في زيارة عسكرية للصحراء

 

خطة المغرب الجديدة: الاتجاه نحو التسلح للضغط على أمريكا

     يبدو أن أمريكا فعلا لم تتخذ موقفا من الصحراء، وقد حول المغرب اهتمامه إلى إعادة تسليح جيشه من أجل الضغط على أمريكا، حيث طلب منها أن تساعده في ذلك، غير أن الأمريكان وقعوا في موقف جد محرج جراء هذا الطلب، ذلك أنهم إن فعلوا فإن الاسبان والجزائريين من شأنهم أن يؤولوا الأمر على أنه دعم أمريكي صريح للمغرب بخصوص قضية الصحراء، إلا أنهم رضخوا للطلب المغربي من جهة، وعملوا على إرضاء الجزائر وإسبانيا من جهة أخرى، حيث وافقوا على مساعدة المغرب في التسليح، ولكنهم أخروا طلبه.

وقد كان هذا التأخر موضوع لقاء بين الحسن الثاني والسفير الأمريكي يوم 6 يونيو 1974، ومن خلال تقرير السفير الأمريكي بخصوص هذا اللقاء، نجد أن الجو العام الذي ساد هذا اللقاء طبعه قلق وتوتر الحسن الثاني جراء الآجال المتأخرة التي عرضتها واشنطن لتسليم الأسلحة التي طلبها المغرب، وأشار السفير من خلال تقريره، بأنه طمأن الملك خلال هذا اللقاء بأن تعليمات رؤسائه، وفي مقدمتهم الرئيس نيكسون، تفيد بالتعاون إلى أقصى الحدود مع المغرب.

وأثناء اللقاء الذي كان فيه الملك متوترا، وجه رسالة واضحة للسفير الأمريكي بخصوص مطالبه العسكرية، حيث أكد له أن ((المغرب لا يطلب الحصول على هدايا، بل هو مستعد للدفع مقابل الأسلحة التي يريد، لكن على الأمريكيين أن يعلموا أنه يشتريها بهدف حماية أمن البلاد، وقد سبق لهم أن قالوا إن هذا الأمن يهمهم))، ومن خلال تقرير السفير الأمريكي، فقد لعب الملك الحسن الثاني خلال ذلك اللقاء، على قضية ميزان القوى بين المغرب والجزائر، وأشار إلى أن الجزائر تتوفر على أسلحة سوفياتية جد متطورة عكس المغرب الذي لا يتوفر على أسلحة، وشدد على ضرورة الإسراع في إرسال الأسلحة إلى المغرب.

 

إقناع الرئيس الأمريكي ريتشارد نيكسون بعدالة المطالب المغربية بخصوص قضية الصحراء

    في ظل ارتباك الموقف الأمريكي، أقدم الملك الحسن الثاني على خطوة جديدة، يوم 18 يوليوز 1974، يتعلق الأمر بإرسال مبعوث خاص مباشرة إلى الرئيس الأمريكي ريتشارد نيكسون، ليشرح له الموقف المغربي من قضية الصحراء، حيث أرسل الملك إلى الرئيس الأمريكي رسالة خاصة جاء فيها: ((السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد، نظرا للعلاقات الودية التي تربط المملكة المغربية بجمهورية الولايات المتحدة الأمريكية، ارتأينا من واجبنا أن نوجه إلى فخامتكم مبعوثا خاصا لنا، في شخص الدكتور أحمد العراقي، وزير دولتنا المكلف بالشؤون الخارجية، الذي أنطنا به مهمة سامية، إذ أمرناه بأن يشرح لكم موقفنا من قضية الأراضي المغربية التي لا تزال خاضعة للحكم الاستعماري، وما ذلكم الموقف إلا امتداد للكفاح الذي دشنه والدنا المغفور له محمد الخامس، تغمده الله برحمته، والذي ما فتئ شعبنا يخوضه تحت قيادتنا، من أجل استرجاع سيادتنا الوطنية كاملة غير منقوصة.

وما سياسة الوفاق التي نهجناها تجاه الدولة المستعمرة لأراضينا وهي إسبانيا، وما عملنا الدؤوب المتواصل الرامي إلى إقناعها، وانتظارنا لمدة ثمان عشرة سنة خلت، إلا دليل على تمسكنا بمبادئ ميثاق الأمم المتحدة، وعلى أننا نريد المساهمة في المحافظة على السلام في المعمور، غير أننا وشعبنا، بعد ما يقارب العشرين سنة مرت على الاستقلال الفعلي لجزء من وطننا، أصبحنا نقدر ما يحدق من أخطار بوحدة ترابنا، وأن موقف الانتظار لا يقابله من جهة الدولة المحتلة، إلا مناورات التفرقة وعمليات الاستيلاء السياسي والاقتصادي على أراضينا الصحراوية المغتصبة)).

وقع تغير في الموقف الأمريكي بعدما قام المبعوث المغربي إلى الرئيس الأمريكي بشرح حقيقة قضية الصحراء، حيث قام وزير الخارجية الأمريكي هنري كيسنجر، بزيارة إلى الدول المعنية بقضية الصحراء ما بين 9 و15 أكتوبر 1974 وهو مقتنع بالموقف المغربي، ويتضح ذلك من خلال الأحاديث التي دارت بينه وبين المسؤولين الإسبان والجزائريين.

بدأ وزير الخارجية الأمريكي زيارته للمنطقة بإسبانيا يوم 9 أكتوبر 1974، وقبلها بيوم واحد، نشرت جريدة “واشنطن بوست” تصريحا لنائب رئيس البعثة الأمريكية في قضية الصحراء، يؤكد من خلاله أن “أمريكا ستدعم وتؤيد التفاهم المباشر بين المغرب وإسبانيا من أجل ضم الصحراء للمغرب”.

وخلال لقاء وزير الخارجية الأمريكي بنظيره الإسباني، نفى ما تداولته وسائل الإعلام الأمريكية، وبخصوص الموقف الرسمي الأمريكي من قضية الصحراء، قال كيسنجر لنظيره الإسباني: ((ما قلته لك هو سياستنا (يعني موقف الحياد)، وليست لدينا مصلحة خاصة حول مستقبل الصحراء، وكما قلت لك سرا أنه وكما في العلوم السياسية، لا يبدو أن للصحراء مستقبل عظيم، وأشعر أنها في حال استقلالها، ستنتهي بنفس طريقة غينيا بيساو وفولتا العليا، كما أن العالم يمكن أن يعيش دون صحراء، ولا يمكن أن تكون من الدول التي تقدم مساهمة كبيرة للعالم في حال استقلالها)).

وبعد زيارته لإسبانيا، قام كيسنجر بزيارة للجزائر والتقى بالرئيس الهواري بومدين، وخلال حوار مغلق بينهما، قال للرئيس الجزائري: ((أنا مع الاستفتاء، ولكن لا أعتقد أنه من الطبيعي أن يكون لكيان سيشكل عن طريق الخطأ))، وكشف الحوار عن الأطماع الحقيقية للجزائر في الصحراء المغربية، حيث سأل كيسنجر مخاطبه الرئيس الجزائري: ((ما هي وجهة نظرك، فأنا مهتم بها. يقول المغاربة بأنك تريد ضم الصحراء؟))، فأجابه بومدين: ((لتعطينا متنفسا، وحتى اتصالاتنا ستكون أسهل، ما هو رأيك؟))، فرد عليه كيسنجر بالتالي: ((على المدى الطويل- مع ترك الصحراء الإسبانية جانبا- فإن الذي لا مفر منه، أن الجزائر سوف تصبح القوة المهيمنة في المغرب العربي)).

ضغط إسباني جزائري على أمريكا من أجل إقناع المغرب بالعدول عن القيام بالمسيرة الخضراء

     وبعد ذلك، تطورت الأحداث بسرعة بخصوص قضية الصحراء، وبعد صدور قرار محكمة العدل الدولية، أعلن الحسن الثاني في أكتوبر 1975، عن نية بلاده في القيام بمسيرة سلمية إلى الصحراء المغربية، لكن الجزائر وإسبانيا حاولتا ثني المغرب عن هذه الخطوة، إلا أنهما لم تنجحا في ذلك، وبعد ذلك، اتجهتا لأمريكا لتقوم بالضغط على الحسن الثاني من أجل العدول عن القيام بالمسيرة، غير أن وزير الخارجية الأمريكي أكد لإسبانيا والجزائر أنه رغم ضغطها على المغرب إلا أنها لم تفلح في ذلك، وبذلك قام المغرب بقيادة الحسن الثاني، بتنظيم المسيرة الخضراء يوم 6 نونبر 1975.

لقد أصبحت الجزائر مقتنعة تماما بأن أمريكا ضغطت على إسبانيا لمصلحة المغرب، وعندما التقى وزير الخارجية الجزائري عبد العزيز بوتفليقة بكيسنجر في باريس يوم 17 دجنبر 1975، أكد له كيسنجر أن أمريكا لم تضغط على الإسبان في قضية الصحراء، وأن بلاده حاولت الضغط على الحسن الثاني بالعدول عن المسيرة الخضراء، غير أن بوتفليقة لم يقتنع بما قاله كيسنجر وجدد التأكيد على أن أمريكا كان في استطاعتها أن توقف المسيرة الخضراء، وعلى العكس، فقد أعطت الضوء الأخضر للحسن الثاني لكي يقوم بها، وفي الأخير، أخبره أن الجزائر لن تتخلى عن البوليساريو، كما أشار بوتفليقة إلى أن الجزائر لن تلعب الدور الذي كانت تنتظره أمريكا بشأن صناعة السلام في الشرق الأوسط.

 

حملة إعلامية من طرف البوليساريو ضد أمريكا

    شنت جبهة البوليساريو حملة إعلامية على أمريكا، حيث نظم أحمد المحجوب، عضو العلاقات الخارجية للجبهة، مؤتمرا صحفيا خلال شهر فبراير 1976 ببيروت، اتهم من خلاله أمريكا بدعم وتأييد المغرب في قضية الصحراء المغربية، وذكر السفير الأمريكي ببيروت، أن الهدف من ذلك هو كسب دعم الدول الشيوعية وعلى رأسها كوبا والفتنام، كما صرح أن أي وساطة عربية أو أجنبية لا تسعى إلى حل مشكلة الصحراء عن طريق ترتيب انسحاب الجيوش المغربية وإعطاء “الشعب الصحراوي” الحق في تقرير المصير، فهي وساطة محكوم عليها بالفشل من أساسها.

وخلال نفس المؤتمر الصحفي، نفى أحمد المحجوب حضور الجيش الجزائري في الصحراء لقتال المغرب إلى جانب جبهة البوليساريو، وأكد أن القوات المسلحة المشاركة في القتال ضد المغرب، كلها من الصحراء الشعبية والميليشيات، وقد أكد بذلك أن الجزائر ليس لديها طموح في الصحراء.

 

القرار الأمريكي القاضي بعدم الاعتراف بالبوليساريو

    لم يمر الأمر طويلا على المسيرة الخضراء، حتى تأملت أمريكا في وضعية البوليساريو وأدركت أنها مجرد عصابة مسلحة، ولذلك، أصدرت وزارة الخارجية الأمريكية يوم 8 أبريل 1976، بلاغا يحمل طابع السرية وزعته على سفراء وقناصل بلادها في مختلف دول العالم بخصوص جبهة البوليساريو، جاء فيه أن ((الحكومة الأمريكية لا تعترف بالجمهورية العربية الصحراوية المعلنة حديثا، حيث أن هذه الأخيرة لا تسيطر على أي حيز من الأرض أو إقليم قائم بذاته، كما أنها لا تظهر القدرة على الحكم أو التسيير، بالإضافة لهذه الاعتبارات، فإن هذه الأخيرة لا تلقى قبولا دوليا واسعا، بل لا تجد صدى حتى بين الدول التي أنشئت بطريقة مماثلة، وهي غينيا بيساو)).

وشددت الخارجية الأمريكية على أن الهدف من البلاغ، هو إخبار سفراء وقناصل أمريكا في باقي الدول، بالموقف الرسمي للبلاد، وليس دعوة وحث باقي الدول على عدم الاعتراف بالبوليساريو، وكذلك إبلاغ سفراء باقي البلدان بأسباب عدم اعتراف أمريكا بهذا الكيان الجديد.

ويتبين من خلال هذا البلاغ، أن أمريكا ركزت في هذا الإطار على ثلاثة عوامل: أولها، أن جبهة البوليساريو لا تملك ولا تسيطر على أي بقعة أرضية، حيث أنها كانت وما زالت تقيم فوق التراب الجزائري في مخيمات تندوف. ثانيا، أن هذا الكيان الجديد لا يقدر على الحكم أو التسيير، وثالثها، أن هناك قضية حضور قضيتها على المستوى الدولي، حيث أن أمريكا رأت أن هذا الكيان لم يلق قبولا دوليا واسعا، والأهم أنه لم يلق صدى حتى داخل الدول التي نشأت بطريقة مماثلة.

استمر الموقف الأمريكي على هذه الحال، غير أنه تغير وبدأ يأخذ موقف الغموض بدءا من مرحلة الرئيس الأمريكي رونالد ريغان، الذي ربط علاقات اقتصادية قوية مع الجزائر.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى