الـــــــــــرأي

الرأي | عن حي المغاربة في القدس أتحدث

بقلم: المصطفى رياني

    للمغاربة ذاكرة تربطهم بامتداداتهم الثقافية واللغوية والجغرافية والمصيرية بهذا الشرق الجريح، وترتبط أحلامنا وأرواحنا أيضا بمدينة القدس، العاصمة الأبدية لدولة فلسطين، أرض الشعب الفلسطيني المكافح من أجل الحرية والاستقلال. شعب وقف شامخا في وجه الاحتلال الإنجليزي وبعده الاحتلال الصهيوني بإصرار وعزيمة على الرغم من القمع والتهجير ومصادرة الأرض والاستيطان.

وفي القدس، يوجد حي باسم “حي المغاربة” كدليل راسخ على ارتباط المغاربة بهذه المدينة التاريخية والدينية العريقة، أحبوا هذه المدينة المقدسة واستقروا بها، وعاشوا فيها حياتهم مدافعين عن انتمائهم الثاني لفلسطين، أرض البرتقال والزيتون، أرض الحياة والسلام، لشعب يحب الحياة له ولجميع الشعوب عبر التاريخ.

قبل النكبة، كانت فلسطين بمدنها وقراها وبأهلها الذين سكنوها منذ آلاف السنين، ولم تكن أرضا خلاء كما يدعون، عاش ويعيش فيها الفلسطينيون وعيونهم على الحرية والكرامة والتحرر، وفي النكبة والنكسة، تعرض الشعب الفلسطيني للمجازر ومصادرة الأرض والتهجير على أيدي الصهاينة، كغزاة جدد يحرفون التاريخ والثقافة في محاولة يائسة لاقتلاع الشعب الفلسطيني من أرضه، كما تعرض حي “المغاربة” للهدم والتجريف وتغيير معالم القدس والمدن الفلسطينية الأخرى، في محاولة يائسة لطمس هويتها العربية والإسلامية، لكن حي “المغاربة” ظل منحوتا في ذاكرة المغاربة كما نحتت القضية الفلسطينية وجودها في ضميرنا ووعينا الفردي والجماعي باعتبارها قضية عادلة تعبر عن إرادة الشعب الفلسطيني وحقه في الحرية والتحرر من الاحتلال الصهيوني، بحيث لم تفلح كل محاولات الاجتثاث أمام تشبث هذا الشعب بأرضه وجذوره الضاربة في التاريخ القديم والمعاصر، فكانت المقاومة الشعبية هي الوسيلة المناسبة لاسترجاع أرضه وعلى رأسها الانتفاضة التي طبعت التاريخ المعاصر للشعب الفلسطيني. وأكدت بالملموس أن إرادة الشعوب لا تقهر ودوما تنتصر، على الرغم من حالة الجزر والتراجع والتطبيع الذي يعرفه الواقع العربي الرسمي، وسيظل حي “المغاربة” يذكرنا باستمرار أن المغاربة كانوا هناك في القدس بجوار المسجد الأقصى حراسا أوفياء لجوهرة الشرق وشعلته التي تحظى بمكانة خاصة عند كل المغاربة وكل الأحرار في العالم.

ونتذكر أيضا، وباعتزاز، الجنود المغاربة الذين كانوا حاضرين في الصفوف الأمامية في الحرب ضد الكيان الصهيوني على جبهة الجولان السورية في حرب أكتوبر 1973، وحاربوا وقاوموا واستشهدوا بشجاعة دفاعا عن القضية الفلسطينية باعتبارها قضية عادلة ومصيرية، حيث كان ارتباطنا بالشرق العربي دوما ارتباطا تاريخيا وثقافيا ووجدانيا ومصيريا.

إن العمق الاستراتيجي للمغرب عربيا، هو عمق ضارب في التاريخ والثقافة ووحدة المصير، يحتم العمل على بناء علاقات متينة ومتوازنة مع جميع الدول العربية، لتعزيز التعاون والتضامن، من أجل التكامل الاقتصادي والمساهمة في حل النزاعات الإقليمية للحد من واقع التوتر والحروب التي تعرفها المنطقة العربية، وتوجيه البوصلة نحو الحرية والديمقراطية والعدالة الاجتماعية ونصرة الشعوب وقضاياه العادلة وعلى رأسها القضية الفلسطينية.

وعلى الرغم من المتغيرات السلبية التي تعرفها الساحة العربية، فإن القضية الفلسطينية ستظل دوما قضية مركزية توحد الشعوب العربية والفاعلين السياسيين على الصعيد العربي، من أجل الدفاع عن حقوق الشعب الفلسطيني ومساندته لإنهاء الاحتلال الصهيوني وإقامة الدولة الفلسطينية وعاصمتها القدس وعودة اللاجئين في الشتات إلى أرضهم فلسطين، لذلك، فمصير الشعب الفلسطيني مرتبط جدليا بمصير الشعوب العربية في الوحدة ومناهضة الاحتلال والانعتاق من الهيمنة الخارجية.

إن حي “المغاربة” في القدس برمزيته ودلالته، يؤكد الحضور الدائم للقضية الفلسطينية عبر التاريخ في الوعي الفردي والجماعي لدى المغرب والمغاربة، من أجل مساندة الشعب الفلسطيني بإقامة دولته الفلسطينية وعاصمتها القدس، من منطلق مبدئي ومصيري على الرغم من حالات الجزر والاختراق التي يتعرض لها الفاعل السياسي الرسمي في الدول العربية، كما أن ممانعة الشعوب العربية وثقافتها الأصيلة التواقة إلى الحرية والكرامة، تظل الصخرة التي تتكسر عليها مشاريع التطبيع وصفقة “القرن”، إيمانا بعدالة القضية الفلسطينية، وهذا ما جعل الفاعل السياسي المغربي يعتبر دوما القضية الفلسطينية قضية وطنية تدخل في صميم اهتماماته اليومية والمصيرية إلى جانب قضية الصحراء المغربية، كما يؤكد أيضا، نبل وأصالة المواطن المغربي في تعامله مع هذه القضية التي تسكن مخيلته وواقعه ليس منذ عقود فقط، ولكن عبر التاريخ.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى