الحقيقة الضائعة

الحقيقة الضائعة | مفاجأة الجنرال المذبوح في الهجوم “الحلقة 18”

حتى لا ننسى.. الصخيرات المجزرة السياسية
((من المؤمنين رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه فمنهم من قضى نحبه ومنهم من ينتظر)) صدق الله العظيم.
يقول القيدوم الراحل أستاذنا مصطفى العلوي: ((وما كان لأحداث على مستوى خطورة هجوم الصخيرات أن تدرج في مسالك النسيان، دون أن نستخلص الدرس منها، وكان الملك الحسن الثاني رحمه الله، حريصا على إقبار أخبارها وأسرارها، تفاديا لاستمرار البحث عن دوافعها وأسبابها والمسؤولين عنها، بقدر ما يحرص كتاب “الصخيرات المجزرة السياسية” على استخلاص الدرس مما خطته دماء الضحايا، ودموع الثكالى على جبين التاريخ المغربي المعاصر.
فيما يلي، تقدم “الأسبوع” أقوى ما كتبه الراحل مصطفى العلوي عن محاولة انقلاب الصخيرات، عبر حلقات ضمن ركن “الحقيقة الضائعة”.
بقلم: مصطفى العلوي

  لم يكن تسلسل الأحداث في ذلك النهار الدامي من عاشر يوليوز مفاجأة بالنسبة لكل المدعوين إلى حفلة غذاء مصيف الصخيرات، باستدعاء رسمي من طرف الملك، بل إن عيون مجموعة من المدعوين كانت ترقب من خلال شرفات المصيف بتلهف كبير وصول أفواج رسل الموت، ببرودة متناهية، وأعصاب هادئة، بل إنهم كانوا يبادلون الناس المدعوين أحاديث عن الهواء والشمس، وعن الأولاد والبنات، وعن مشاريع العطل الصيفية.

وكان الجنرال المذبوح، المدير العام للبلاط العسكري والرجل المطاع الأوامر، الصارم التصرف، القليل الكلام، العديم الابتسام، يزاول مهامه في ذلك الصباح إلى جانب الملك بمنتهى الاحترام والإجلال، فمنذ الساعات الأولى من الصباح، حين وصل قبل خروج الملك من غرفة نومه مرتديا زي الغولف، ليشترك في بعض المباراة قبل وصول المدعوين، وعند الساعة التاسعة والنصف، كان الركب الملكي يستعد لمغادرة قصر الصخيرات والتوجه إلى المحمدية، حيث كانت الاستعدادات قد اتخذت لمباراة في الغولف يشارك فيها الملك قبل الرجوع إلى الصخيرات في الواحدة والنصف، وكان عامل الدار البيضاء، موحا اليوسي، مشرفا بنفسه على إجراء الترتيبات اللازمة في المحمدية بجانب الباشا عبد الله الرحماني، لكن الجنرال المذبوح تقدم من الملك بأدب واستسمحه في أن ينصحه بعدم السفر إلى المحمدية بينما الضيوف على أبواب القصر، ولم تكن هذه أول مرة يرضي فيها الملك أمنيات المذبوح، أمين السر والضابط المخلص.

أليس الجنرال المذبوح هو الذي جاء ليبلغ الملك في مثل هذا الشهر، يوليوز من سنة 1963، وفي مثل هذا اليوم، بأن الاتحاد الوطني للقوات الشعبية ينظم مؤامرة لقلب النظام الملكي، وأنهم ذهبوا إلى أبعد في ذلك وطلبوا منه، أي من الجنرال المذبوح، أن يكون معهم وواحدا منهم، ووعدوا بأن تكون له الكلمة العليا معهم، وفعلا، تم إحباط المؤامرة واعتقال المجلس الوطني في السادس عشر من شهر يوليوز 1963 عندما كان مجتمعا في الدار البيضاء، وأدلى الجنرال المذبوح بشهادته ضد صديقه الفقيه البصري، الذي حكم عليه بالإعدام.

ومنذ ذلك التاريخ والمذبوح، الرجل المستقيم الذي لا يدعو ولا يتقبل دعوة ولا يسهر ولا يقبل سهرة، يصعد سلم المجد، ويزيد تمسكا بشباك الثقة والأمان، حتى أصبح سيد الموقف العسكري وحتى السياسي.

وأصبح الجنرال المذبوح في أفواه الناس، وخصوصا المقربين للحاشية الملكية، هو المرشح الأول لكل شيء، ورجل كل وضع، وأمل كل تغيير.

وأغدق عليه الملك من العطاء ما يفوق الحصر ويتعدى التصور.

وأصبح العامل السابق لإقليم الدار البيضاء والمدير السابق للدرك ورئيس الحرس الملكي السابق والوزير السابق للبريد، القناة الواصلة بين القصر وباقي العالم، أصبح يؤشر على التقارير السرية للأمن، وللدرك، والأسرار الخطيرة للجيش، على مكتبه تتقاطر ملفات المخابرات، وبجرة قلمه تتحول مصائر الضباط، وأعطى للحرس الملكي ولأمن القصر من عنايته واهتمامه ما جعله يقتعد أريكة الثقة المطلقة.

وكانت الساعات الفارغة بالنسبة للجنرال المذبوح، مخصصة للعب الغولف، ومن هذه الهواية ومن خلال ضرباتها كانت تنطلق القرارات الخطيرة، وتلتقط الأسرار الكبيرة، وذاعت سمعة الجنرال المذبوح كبطل عالمي من أبطال الغولف، ومنذ ستة أشهر، طار إلى الولايات المتحدة ليبارز في هذه اللعبة أبطالا أمريكيين في مستواه الرياضي، والسياسي في نفس الوقت، وهكذا عاد من هناك وفي حقيبته ملفا لأخطر قضية تهم مصير المغرب في حاضره ومستقبله، قضية كادت أن تعصف بسمعة المغرب وتبدل نظرة العالم إلى هذا الوطن، وتحوله إلى وطن مخرب فاسد، تباع مصالحه في المزاد العلني، وروجع الملف السري الذي كان في حقيبة الجنرال المذبوح، وكان رفض الحسن الثاني لتصديق التقرير السري الأمريكي الذي يخص طلب رشوة من الأمريكيين مقابل الترخيص لهم بإقامة مشروع سياحي في ثكنة “هوت” وسط الدار البيضاء، سببا في غضب الجنرال المذبوح الذي فهم أن الملك يحمي هؤلاء المرتشين، فكان هذا منطلق تنظيمه للانقلاب، ليسارع الحسن الثاني، بعد الإفلات من الموت، إلى تصديق تقرير الجنرال المذبوح المقتول.

وبعد أسابيع قليلة فقط، اعتقل عدد من السماسرة، على رأسهم بنمسعود والعيماني، صديقا الوزير جديرة، وأوقف ثلاثة من الوزراء المسؤولين، مامون الطاهري وزير المالية، والأزرق وزير السياحة، والجعيدي وزير التجارة، وفتح بحث خطير في الموضوع لازالت جوانبه محاطة بسياج كبير من الكتمان.

وكان الجنرال المذبوح إلى جانب أعماله المطبوعة بالطابع السياسي والعسكري مهتما بنشأة لعبة الغولف، وأندية الغولف، وتشجيع هواة الغولف حتى أصبحت هذه اللعبة وسيلة بالنسبة لعدد من الراغبين في التقرب للبلاط، وحصل على ميزانية ضخمة لإنشاء أكبر ملعب للغولف في إفريقيا على طريق زعير، واختار يوم حادي عشر يوليوز، أي اليوم الموالي ليوم المذبحة، لافتتاحه، وحرص بنفسه على أن يدعو لهذا الافتتاح زبدة المجتمع المغربي والعالمي، وخيرة اللاعبين العالميين، ووزع أوراق الاستدعاء باسمه الخاص، ونسي أو تناسى أن يدعو بعض الناس، لأنه كان ينظم هذا الحفل للاحتفال بنجاح الثورة.

وكان المذبوح هو المرشح الأوحد لمنصب وزارة الداخلية بعد الجنرال محمد أوفقير، لكن الشائعات أكدت أن صحته لا تسمح له بالقيام بهذه المهام، وكان كل الناس يعرفون أن هذه الشائعات غير صحيحة، ولكن مرض الجنرال المذبوح أصبح حقيقة ملموسة منذ الرحلة التي قام بها إلى الجمهورية الليبية موفدا من طرف الملك في إطار المحادثات السرية بين المغرب والدول العربية.

فبعد رجوعه من ليبيا، نصحه الأطباء بأن يكثر من النوم، حرصا على صحته، واستأذن الملك في أن يشرع في مغادرة القصر في ساعات مبكرة بعد الغروب.

لكن الجنرال المذبوح منذ حوالي شهرين، كان يغادر بيته بمجرد رجوعه من عمله وقد يكون من عدم الإنصاف أن يوصف سكن الجنرال المذبوح بأنه بيت، بل إنه يعيش حياة تكاد تقارب حياة الملوك إن لم تكن أحلى.

وكان سائقه الخاص هو الوحيد الذي يعرف أين يتوجه سيده كل مساء، حيث لا يعود إلا في الخامسة صباحا.. كان الناس كلهم يعرفون أن الجنرال المذبوح يتوجه ليستريح من التعب، ولينام في هدوء بعيدا عن الضجة، وعن صداع البيت، هذا ما كانت تعرفه حتى زوجته، ابنة المارشال أمزيان، التي أصبحت نفسها لا تصدق أن الجنرال محتاج للابتعاد عن البيت كي ينام، وأخذت تشتكي من تصرفاته هاته وتشك فيه، لكن من هو الشخص القادر على محاسبة الجنرال المذبوح، السيد المطاع، وصهر أقوى رجل في إسبانيا بعد الجنرال فرنكو، الجنرال الريفي أمزيان، أب الزوجة الوحيدة للجنرال المذبوح، وأختها زوجة الثري عثمان بن جلون.

كان الجنرال المذبوح في هذه السنة بالخصوص، حريصا أشد الحرص على تنظيم حفلات عيد ميلاد الملك، كان يقف بنفسه على الشاذة والفاذة، ونصح التشريفات بأن تستدعي لحفلة الصخيرات أكبر عدد من الشخصيات، لكنه كان حريصا أيضا على أن لا يستدعي للحفلة الموالية، التي كان مقررا أن تكون في الغولف، إلا زبدة القوم.. وقبل الاحتفالات بأيام قليلة، أخبر الملك بأنه يحضر مفاجأة هامة بهذه المناسبة، وسرى خبر المفاجأة بين أعوان القصر، ولكن أحدا لم يكن يجرؤ على البحث عن هذه المفاجأة.

وحوالي الساعة الحادية عشر من ذلك الصباح الكئيب من عاشر يوليوز، كان المذبوح يدخل المحلات التي لم يدخلها من قبل ويبحث عن تفاصيل كل شيء، حتى الحراس الملكيون نصحهم بأن لا يفسدوا منظر الحفل بأسلحتهم، وسأل كعادته عن الأسرة الملكية فأخبره ياووره بأنها في القصر بالرباط، فأمره بأن يذهب لإحضار العائلة لملكية كلها، وحرص على أن يكونوا هناك قبل الساعة الثانية عشر.

كان المذبوح في ذلك الصباح يظهر ويختفي ويركب سيارته مبتعدا عن الأنظار ثم يعود، ولكن أحدا لم يكن يبحث عن تفسير، فأعمال المذبوح كلها أسرار بالنسبة للناس، وحركاته وتنقلاته أعمال محرمة على فضول الناس.

كان في ذلك الصباح يرتدي سروالا كاكيا، وحذاء أحمر باليا، وقميصا شبه برتقالي، وكان كعادته لا يأبه لأحد، ولا يلتفت لأحد، ولا يبتسم لأحد، وعندما رفع ساعته اليدوية إلى عينيه ورأى الساعة قاربت الثانية، وقف بعصبية وتوجه إلى ملعب الغولف الواقع في الجهة اليمنى للقصر خلف الجناح الملكي، ووصل إلى سيارته الخاصة بهدوء، وكان السائق جالسا بالمقعد الأمامي الأيمن، وفتح الجنرال المذبوح علبة القفازات الموجودة داخل السيارة، وأخرج مسدسا ضخما، وجذب شاحنته إلى الخلف لتستقر الرصاصة الأولى في المخرج فوق الزناد، ثم وجه فوهة المسدس نحو قلب السائق، وأخرج خمس طلقات نارية في صدر السائق الذي بقي في مقعده جثة هامدة.

كانت تلك إشارة البدء بالهجوم، وسرعان ما سمع رجال المذبوح الذين كانوا متراصين أمام سائقي سيارات الأسرة الملكية، بعد أن حجزوهم بمجرد وصولهم مع الأسرة، وأطلقوا عليهم وابلا من الرصاص فسقطوا جثثا هامدة، بينما توجهت أفواه عشرات الرشاشات إلى العائلة الملكية دون أن يضغط المهاجمون على الزناد.

 

يتبع

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى