روبورتاج

ربورتاج | التباعد الاجتماعي يتحول إلى تفكك أسري

"كورونا" تصنع قيما مجتمعية جديدة

منذ بداية جائحة “كورونا”، فرضت السلطات مسألة التباعد الاجتماعي بين الناس، ومنعت التجمعات والزيارات العائلية والسفر إلا برخص استثنائية، وذلك بهدف مكافحة تفشي وباء “كوفيد19” والتقليل من الإصابات، هذا التباعد فرض على العديد من الأسر والأقارب الابتعاد عن بعضهم البعض، وإيقاف الزيارات الأسبوعية أو الشهرية، وأبعد الأبناء عن الآباء والأطفال عن أجدادهم، وفرض على الإخوة الذين يقطنون في نفس البيت الابتعاد عن بعضهم البعض.. فهل تسبب شرط التباعد الاجتماعي فيأثار سلبية؟ وهل له انعكاسات نفسية ومعنويةعلى الأسر؟ وهل أدى إلى مشاكل اجتماعية بين الناس؟

ربورتاج: خالد الغازي

 

    الكثير من الناس يعيشون وضعا استثنائيا بسبب الجائحة منذ شهر مارس الماضي، إذ تغيرت حياة البعض وأصبح كل فرد يخشى التجمعات واللقاءات حتى العائلية، بل إن بعض الأسر قررت قطع صلة الرحم خلال هذه الظرفية خوفا من العدوى، ورفضت زيارة الأقارب وحتى الجيران، كما وضعت قرارات التباعد الاجتماعي كبار السن في عزلة عن أحفادهم وأبنائهم، بل هناك من قرر وضع والديه أو أجداده بين جدران البيت ومنع زيارة الأقارب والإخوة خوفا على صحتهم، لاسيما في ظل الدراسات التي تؤكد أن الفيروس له تأثير كبير على المسنين وذوي الأمراض المزمنة.

في هذا الإطار، يقول الدكتور عبد الله إمزري، أخصائي نفسي ومستشار أسري، أن التباعد الاجتماعي الذي هو تباعد نوعا ما آمن صحيا، تسبب في شروخات أصابت العلاقات الإنسانية، خاصة عند العرب والمسلمين، والتي تعد من بين الأساسيات التي تجعل الحياة رحيمة وإنسانية ومجتمعية بطبيعتها، مضيفا أن هذا التباعد خلق شوشرة وكسرا كبيرا في الحياة الاجتماعية الأسرية على الأخص، وعلى صعيد منظومة التنشئة الاجتماعية، سواء في العائلة، أو في العمل، أو بين الأصدقاء، إذ لا يختلف اثنان على أن من اللبنات الكبيرة التي يوصي بها الإسلام هي صلة الرحم بين الأهل والأقارب.

وأوضح الدكتور إمزري، أن “القطيعة، وخصوصا خلال فترة الحجر الصحي، كانت سببا في تفكك الأسرة من الناحية المعنوية، باستثناء بعض الفئات التي اعتادت على هذا التفكك، بحكم أن الكل يتحدث عن البعد الآمن بعدم اللمس وعدم المصافحة، وعدم التواجد في مكان مزدحم.. وما إلى ذلك، حتى المسجد الذي كان يجمع بين المصلين قبل انتشار الفيروس قد أغلق لأسباب صحية”، مشيرا إلى أن هناك أثارا سلبية، بحيث أننا نعرف أنه بصلة الرحم يمكن أن تتحقق العديد من الأشياء منها الرحمة بين العباد، ولاشك أن هذا التراحم والرحمة هو في صالح الشعوب وفي صالح الفرق حتى تتآلف فيما بينها وتتعاون وتتعايش وتترك تلك الأنانية التي غالبا ما تبنى على المصلحة الشخصية”.

كما أكد نفس الدكتور، أن الأثار السلبية جلية في مجتمعنا على غرار باقي المجتمعات، إذ أن جملة من الأسر عاشت المرارة خلال الحجر، فكم من والدين عاشا نفسية منحطة ومنهزمة خلال الحجر، بحجة أن الأبناء لم يستطيعوا زيارة آبائهم وأوليائهم خوفا عليهم من الفيروس، في حين أن كبار السن ينتعشون بتلك الزيارات واللقاءات التي يقوم بها الأبناء والأحفاد وأفراد الأسرة تجاههم، متسائلا كيف يمكن لهؤلاء الأجداد والمسنين أن يتمتعوا بنفسية مرتاحة وهم يرون أن اللبنة الأساسية التي تنعشهم ما فتئت تندثر وتتلاشى على أساس أنهم سيعيشون عيشة هنية وبعيدة عن الأمراض والتوترات، لكن وقع في مجموعة من المجتمعات العكس.

وأضاف الدكتور إمزري، أن داخل الأسر كانت معاناة الأبناء الصغار، الذين اعتادوا التواصل مع أجدادهم، لأن مرتبة الجد والجدة كبيرة لدى الأبناء، لاسيما أن للأجداد مشاعر حنان ورأفة تجاه الأبناء الصغار، الشيء الذي يجعل الأحفاد يرتبطون ارتباطا وطيدا بهم، مما خلق خلال هذا الحجر توترا كبيرافي المجتمعات وداخل الأسر، مبرزا أن غالبية الأطفال يتساءلون عن سبب عدم زيارة الأجداد، لأن الصغار يعرفون أن صلة الرحم هي بمثابة متعة وخروج من التوتر ومن المجال الضيق، حيث أنهم يجدون الراحة والدلال الذي لا يجدونه عند الآباء والأمهات،حتى صاربعض الأجداد يرون أن الأبناء يهربون منهم، ومن تم وقعت النكسة النفسية للعديد من المسنين، وهذا الوضع أدى بالكثير منهم للدخول في حالة اكتئاب أو الهلع، بل هناك من دخل في حالة الشك وحالات وأعراض مرضية نتيجة هذه القطيعة.

وأبرز أن العزلة والتباعد يسبب حالات مرضية حادة تجعل الإنسان يدخل في دائرة الشك، والتردد وطرحه لتساؤلات ربما قد تدخله في الخوف، منهم من أصبح في خبر كان، وأنه قد أصبح معديا للآخرين، وأكثر من هذا، يمكن التحدث عن الاكتئاب ومجموعة من الوفيات، خصوصا عند المرضى وكبار السن، مؤكدا أنه من خلال الاتصالات التي توصل بها من كبار السن أو من أبنائهم، تبين أن هذه الأزمة خلقت إعاقات نفسية كبيرة داخل المجتمع، جراء هذه الغربة التي دخل فيها مجموعة من الناس، إما خوفا على الأجداد والآباء المسنين خوفا من الموت والعدوى.

تختلف المواقف بين من يرى أن التباعد الاجتماعي له أثار سيئة على نفسية الناس، ويخلق التفكك الاجتماعي والإنساني بين الأهل ومكونات أفراد العائلة الواحدة، لكن هناك من يرى العكس بأن التباعد مفيد وله غاية ومصلحة صحية، لحماية كبار السن من العدوى والمرض، وضمان السلامة الصحية للجميع.

في هذا السياق، يرى الأستاذ علي الشعباني، خبير في علم الاجتماع،أن التباعد الاجتماعي من المستجدات التي فرضتها الجائحة، بحيث أصبح من الضروري أن تتدخل الدولة لوضع مجموعة من الإجراءات والقرارات، التي لابد أن يلتزم بها المواطن للحد من الوباء وانتشاره، ولتفادي انفلات الأمور، لهذا فالتباعد الاجتماعي مسألة ضرورية خلال الظرفية الحالية.

وأوضح أن تباعد أفراد العائلة عن بعضهم البعض، لاسيما القاطنين في المدن، أصبح أمرا مألوفا عند الجميع، حيث أصبحت الزيارات العائلية محدودة والتنقلات مقيدة بشروط فرضتها تعليمات الدولة، معتبرا أن التباعد الاجتماعي يصب في مصلحة العائلات لحماية الأهل والأقارب من عدوى الوباء، وبأن وسائل التواصل الاجتماعي والهاتف والتطبيقات التكنولوجية قربت المسافات بين الأهل، باستعمال الصوت والصورة، وساهمت في التخفيف من تأثير الابتعاد وتوقف الزيارات، مشيرا إلى أن هذه الوسائل الجديدة ساهمت في استمرار العلاقات الاجتماعية، وعلمتنا مجموعة من الأمور في حياتنا، والالتزام بعدم الخروج أو التنقل إلا للضرورة لإبعاد خطر العدوى.

واعتبر الدكتور الشعباني أن التباعد العائلي خلال فترة الجائحة غير مؤثر على الأطفال، لأن جل الأسر الحديثة تعلمت كيف تتعامل مع أبنائها خلال فترة الحجر الصحي، حيث أن الآباء اكتسبوا خبرات للتعامل مع أطفالهم خلال النمط الجديد الذي نعيشه، مشيراإلى أن الأطفال بدورهم يتواصلون مع أهلهم عبر تطبيقات التواصل الاجتماعي، ولا يوجد أي تأثير عليهم جراء تراجع الزيارات العائلية.

يبقى التباعد الاجتماعي وسيلة لدى الناس لحماية أنفسهم وذويهم من العدوى، إلا أن تأثيراته وانعكاساته السلبية كثيرة على نفسية الناس، لاسيما الذين يعيشون في البوادي والمناطق الجبلية وينتظرون زيارة الأقارب لإحياء صلة الرحم والشعور بالعطف والحنان العائلي.

يختم الدكتور الشعباني تصريحه قائلا أن هذه النكسة أكدت لنا أننا كنا في نعمة كبيرة، ألا وهي نعمة صلة الرحم، جملة منا لم يستفد منها قبل الكارثة والأزمة، رغم أننا كنا جد قريبين من بعضنا البعض، ولم نحافظ على هذه الآصرة لأنفي التراحم خير كثير للناس وللأمة، إذ يترتب عنها الاطمئنان والسعادة والراحة النفسية والأمان، بالتعاطف وبالتقارب والتعايش، بحيث يحس كل منا أنه آمن داخل اسرته وعائلته وداخل مجتمعه.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى