بين السطور

بين السطور | تعزية جماعية في عام الموت

بقلم: الطيب العلوي

  بنظرة خاطفة.. ربما قد يبدو لنا الرقم 2020 مميزًا، لكن واقع العام الذي حمل تسميته والذي نودعه، كان مختلفا تماما، ولا داعي لسرد تفاصيله التي يعرفها الجميع(…)، تفاصيل تخصُّنا، سيطّلع عليها أبناؤنا، وستُدَرَّس لأحفادنا(…)، أما اليوم، فنرى فيها بداية عقد جديد من هذا القرن، انقطعت فيه كل الشهوات(…) لتُفتح فيه “شهية الموت” فقط !

مع قدوم فيروس “كورونا” بداية العام نفسه، وفي الوقت الذي انقضّ فيه مجموعة من أباطرة البيزنس على “تجارة الحياة”، المتعلقة بكل ما يخص صحة الإنسان، والتي كان فيها الامتياز للمقربين، حيث المقربون أَولى(…)، بين استيراد وتصدير للكمامات(…)، وبيع وشراء للمعقمات، و”تخميمات” وترتيبات تخص الحقن واللقاحات(…)، لم يتحدث أحد عن أصحاب “بعد النظر”، أولئك الذين فهموا منذ البداية أن الموت ستتغلب هذه المرة على الصحة وعلى الحياة، وتهامسوا ذلك في صمت(…)، عن المردودية المتزايدة لتجارة ستكتسح الأولى أكثر فأكثر مع مرور الأيام(…)، فلنُسمّها إذن “تجارة الموت”.. تجارة تختلف عن باقي أنواع التجارة في نوعية عرضها وطلبها، حيث الطلب فيها غير مرغوب فيه، لكنه في نفس الآن من الأمور اللازمة(…)، والعرض فيها دخل هامش الخصاص(…) في زمن بلغ فيه الجميع درجة الشك في إمكانية اقتراب الساعة، عندما بدأ المرء يسمع عن وفاة أسبوعية (على الأقل) لشخص يعرفه، من قريب أو من بعيد، بـ”الكوفيد” أو بدون “كوفيد”(…)، وعندما صار “موالين الكفن” وصانعو الصناديق الخشبية غارقين بين طلبات الأسر والمتطلبات التي تفرضها المعايير الصحية الحالية، أو عندما يلاحظ من زار القبور، أن الجماعات الترابية بدأت تواجه صعوبات عدة في دفن سكانها، وهلّت في التركيز عند فرض مسافة “شبر وأربعة ديال الصبعان” عند الدفن بين قبر وآخر، نظراً لاكتظاظ المقابر، ومنها من تخلت عن أولادها، حفارو القبور الاعتياديين، لإناطة هذه الخدمة لشركات خاصة لديها ما يكفي من تقنيات، وآلات أوتوماتيكية ومطارق هزازة من أجل حفرٍ أسرع(…)، وأيضا عندما جاء اليوم الذي أخذت فيه سيارات نقل الموتى في تشكيل صفوف، الواحد تلو الآخر، منتظرة دورها لدخول المقابر(…)، دون الحديث عن صلوات الجنازة التي أصبحت تقام أمامها في الهواء الطلق.

“عْشْنا وشْفْنا” إذن، لنرى وبالملموس، أن الموت فعلا أقرب إلينا من حبل الوريد، إلى حدّ أن وثّقنا لمن يلينا (إن كانوا)، أياما عرفت فيها البشرية فرض التباعد الجسدي بالنسبة للأحياء، و”التقارب الجسدي” للأموات، أياما نسمع فيها الوفيات حولنا تفوق بكثير عدد الولادات، وذلك رغم الاعتكاف الطويل في البيوت(…)، وهذا يبين أنه حتى الأحياء صار يسكنهم الموت(…)، مما قد يدفعنا “مْرَّة مْرَّة” في هذا السياق، إلى الافتراض أننا بدأنا في الانقراض.

الموت واحدة والأسباب متعددة.. لكن، لا عجاب دون عجب(…)، والعجب هذه الأيام صار يغزو كل ما يجده أمامه(…)، ورحم الله الجميع.

‫2 تعليقات

  1. تعزية جماعية في عام الموت موضوع له أهمية قصوى ومعنى مؤثر في الحياة بين الخضوع لأجل محتوم وبين موت في زمن الجائحة ، هذا الأخير لا وقت له للتأمل أو الاستعداد لتحضير الميت للشهادة .. يتوفى الشخص في غياب الأهل والمعارف بعيدا عن كل الطقوس المرافقة للجنازة ، الموت بدوره شمله قانون حالة الطوارئ .. في العمق أعز الناس يرحلون عنك في صمت رهيب من الوالدين أو أحدهما، وإخوة وأصدقاء ، وشركاء حياة ، تنتابهم سكرات الموت في صالات العناية المركزة أو ما شابه ذلك في العرف الطبي ، دون أن تحظى الأسر برؤيته أو حتى توديعه رغم أنها لا تبعد عنه كثيرا في نفس الموقع الجغرافي ، ما يزيد من معاناة معارف وأقارب ضحايا وباء كورونا ( كوفيد 19 ) .
    الكل ممتثل لحالة الطوارئ مرغما ، وعليك أن تقف بعيدا مرتديا قفازات وكمامة واقية ، وأنت تودع أعز ما لديك لمثواه الأخير بعيون دامعة وقلوب خاشعة راضيا بقضاء الله وقدره. وحالة الطوارئ تفرض عليك بعدها عزل نفسك عن الآخرين تجنبا لاحتمال نقل فيروس كورونا ( كوفيد 19 ) الذي قتل شخصا عزيزا عليك وقريبا منك ، فتتحول مصيبتك إلى مصدر قلق وخوف على من حولك.
    إن الموت اصعب ما يواجهه الإنسان ، فنحن لا نتخيل الحياة بدون أسرنا وأقربائنا، وفي ذات الوقت إن الموت علينا حق لا مفر منه ، لذلك يجب أن نكون دائماً على استعداد لهذه الرحلة بأعمالنا الصالحة التي اوصى بها الكتاب والسنة النبوية الشريفة .
    اللهم اغفر لكل الموتى ، وارحمهم ،وعافهم ،واعف عنهم ،وأكرم نزلهم ،واغسلهم بالماء والثلج والبرد ،ونقهم من الخطايا كما ينقى الثوب الأبيض من الدنس ،اللھم أظلهم تحت ظل عرشك يوم لاظل إلاظلك ، اللھم طيب ثراهم وأكرم مثواهم ،وأجعل الجنة مستقرهم ومأواهم ، وأجعل قبورهم نوراً وضياء. اللهم آمين .
    تحية وتقدير لهيئة التحرير ..
    سنة سعيدة وكل عام وأنتم بألف خير .

  2. رحم الله امواتنا واموات المسلمين أجمعين
    رحم الله الأموات والأحياء
    كما قلتم استاذ، عشنا وشفنا … لكن ما يلفت النظر ويحز في النفس بالإضافة إلى ما تفضلتم به (أعتبره تأريخ موجـَز لحدث موجِـز … للعمر)،
    أن “الجايحة” التي ضربتنا والتي دئب البعض على الدعاء بها وهو في حالة سخط على … ما لا يرضيه،
    ستعمل مع الأسف على نسيان الموتى فقط ذهبوا عن حين غرة، ولم يشبع منهم من افتقدهم قريبا كان او بعيدا،
    ولم يتمكن من تبريد نار الفراق من خلال واجب العزاء، الأدهى أن “كثافة” المفقودين أبرزت لمن يريد أن يعتبر أن الحياة لا شيء إن لم تعمل على أن تترك ما يذكر بك،
    فالمال والجاه مؤقتان وان كانا مهمان “أثناء” الحياة، لكن كم ممن مات “على غفلة” في هذه الظروف سيذكره التاريخ والناس أجمعين، لاسيما أن ثقافة التأريخ لا وجود لها في مغربنا وثقافة الإستمرارية فيما تركه السابقون لم تكن يوما خيارا مفضلا للمغاربة …، والأدهى أن جيل Google ، Facebook ، و fast-foods ، سرعان ما ينسى حتى والديه بمجرد انقطاع الاتصال وان كان الاتصال وجودة الاتصال مرتبطان بالرصيد الذي تمت تعبئته وان كان في فترة “البونيس” bonus …
    كانوا يقولون “لي خلاَّ ما مات” فهل مازال ذلك صحيحا ؟

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى