الحقيقة الضائعة

الحقيقة الضائعة | النمل يقتات على دماء ضحايا مجزرة الصخيرات “الحلقة 17”

حتى لا ننسى.. الصخيرات المجزرة السياسية
((من المؤمنين رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه فمنهم من قضى نحبه ومنهم من ينتظر)) صدق الله العظيم.
يقول القيدوم الراحل أستاذنا مصطفى العلوي: ((وما كان لأحداث على مستوى خطورة هجوم الصخيرات أن تدرج في مسالك النسيان، دون أن نستخلص الدرس منها، وكان الملك الحسن الثاني رحمه الله، حريصا على إقبار أخبارها وأسرارها، تفاديا لاستمرار البحث عن دوافعها وأسبابها والمسؤولين عنها، بقدر ما يحرص كتاب “الصخيرات المجزرة السياسية” على استخلاص الدرس مما خطته دماء الضحايا، ودموع الثكالى على جبين التاريخ المغربي المعاصر.
فيما يلي، تقدم “الأسبوع” أقوى ما كتبه الراحل مصطفى العلوي عن محاولة انقلاب الصخيرات، عبر حلقات ضمن ركن “الحقيقة الضائعة”.
بقلم: مصطفى العلوي

كانت حشود النمل قد فوجئت بهذا الهجوم البشري، الغير عادي، على سلامة أعشاشها وهدوء حياتها، فخرجت أسراب من النمل لتزيد من خطورة أوضاع الممتدين على بطونهم والغارسين أنوفهم في الأرض، وفوجئت حشود النمل بأنوف الرجال كما فوجئت أيضا بالوليمة الغير منتظرة، فقد أصبحت الدماء المراقة مرتعا خصبا لحشود النمل، لكنها كانت في غالب الأحيان تتخطى وجوه الممددين وأرجلهم ورؤوسهم، ولكن الناس كانوا يفضلون قرس النمل وحشوده تجتاز كل نقطة حساسة في أجسامهم على أن يعرضوا أنفسهم للموت الزؤام.

ولقد تعب الأستاذ “أمبير”، وهو طبيب اختصاصي فرنسي قضى خمسين عاما من عمره في التخصص الطبي، فتحدى الموت وأخرج ورقة تعريفه وصاح: أنا أجنبي، أنا عجوز.. لا ناقة لي ولا جمل فيما يحصل، لقد تعبت.. فامتدت إليه فوهة رشاش سريعة الطلقات لتريحه وكان واحدا من بين الذين لم يبقوا مضطرين لوضع أيديهم خلف رؤوسهم، وكان الناس الممددون هناك شهودا على هذا الاختيار، فاختاروا البقاء بأيديهم خلف رؤوسهم على البقاء بأيديهم في وضع مريح.. لكن جثة هامدة.

وكان جنود الموت يصيحون بدون انقطاع، وأصواتهم كالصاعقة في آذان الخائفين وقد أصبحت أحذيتهم السوداء البراقة المحشوة بالمسامير، شيئا معهودا ومألوفا بالنسبة للمتمددين، وانفتحت أسارير السماء عن خيوط شمس العشية الذهبية، وكانت العيون عاجزة عن التطلع إليها.. وزادت حدة الشمس وزاد حرها.. ولكن أحدا لم يكن يدري أهي لمسات الشمس المحرقة تلامس أطرافهم أم هي مجرد دماء حارة تتدفق على تلك الأطراف؟ لم يكن أحد يدري هل مرت ساعة أو يوم أو شهر، لقد تحولت الثواني إلى ساعات والدقائق إلى أعمار، لكنهم فهموا جميعا وهم متمددون على أعشاب حدائق مصيف الصخيرات، أن الساعة السابعة لم تصل بعد، فقد كانوا يسمعون جنود الموت يرددون في أسلوب ساخر، سنعشيكم في الساعة السابعة، وسترتاحون بعد العشاء.. وكان بديهيا حتى بالنسبة لبعض الذين ينقصهم الذكاء من الحاضرين، أن الجنود يقصدون بالعشاء إفناءهم بطريقة خاصة، هي الآن بصدد الدرس، وكثير منهم تمنوا أن لو وصلت الساعة السابعة ليرتاحوا مرة واحدة، أو لو قرر جند الموت أن يريحوهم من هذا العذاب حتى قبل السابعة.

إن في الحياة أصنافا من التعذيب أصعب وأقسى من مدلول التعذيب كما نفهمه أو كما نتصوره، أن لا يموت الإنسان وهو يعرف أنه سيموت، أو يموت الإنسان دون أن يعرف أنه يموت، أو أن يموت الإنسان ثم يفتح عينيه ليكتشف أنه لم يمت بعد، أو أن يموت الإنسان دون أن يعرف لماذا يموت، أو أن يبقى الإنسان حيا بين الأموات، وأقسى من ذلك، أن يتمنى الإنسان الموت دون أن يموت.

وهكذا كانت ظروف منتظري الموت في حدائق الصخيرات، وحيث كانت الحمى تلهب الأدمغة وتزيد في دقات القلوب، كانت الحسابات تتسارع في الأذهان وكأنها تتسربل داخل آلة إلكترونية، كان كل واحد يرى بين الأعشاب زوجته وأولاده، ووالديه وإخوته، كانوا يرون المشاريع والمعامل والمصانع والأبناك والأموال والعمارات تتساقط بين عيونهم وتتحول إلى حبات رمال، سرعان ما تمر عليها أحذية الجنود السوداء اللماعة، وكانوا جميعا يعرفون أن ساعتهم آتية لا ريب فيها، فلعل الرصاص نفذ وقد ذهبوا لإحضار ما يكفي لإعدام هذه البقية الباقية، ولعلهم ينظفون داخل المصطاف ويزيلون الأشلاء ليفرغوا لهؤلاء الباقين مسرح الإعدام.

لم يكن حد للتفكير، ولا مجال للتخمين، لقد كانت عروق الأكتاف تتقطع من الألم، والأوداج تنتفخ من ثقل الأكتاف، والشمس تلهب الرؤوس والحمى تذيب الأدمغة، وتضاعفت حساسية السمع بشكل لم يكن بالمعهود عند جموع الممدودين على الأرض تحت رحمة الرشاشات، كانوا يسمعون الطير يرفرف بأجنحته في السماء، وكانوا يسمعون السيارات المارة في الطريق ويتخيلونها محملة بالسعداء المتوجهين إلى بيوتهم، كانوا يسمعون أنين الجرحى وذبذبة الرياح فوق جثث الموتى، وكانوا أيضا يسمعون رسل الموت ينكتون عليهم ويسبونهم بكلمات أدنى من السقوط، ثم جاءت أوامر جديدة بإزاحتهم من الوضع الذي هم فيه، وحسبوا جميعا أنها ساعة الموت دقت، وأمرهم رسل الموت بأن يتمددوا على ظهورهم ويرفعوا أيديهم إلى الأمام، وسرت حركة غريبة بين رهائن الموت، لقد حسبوا من خلال صوت حركتهم وهم مئات، أن ذلك صوت رصاص من نوع جديد ودار الدم في رؤوسهم وهم ينقلبون وحسبوه دوران الموت، ورأوا مصطاف الصخيرات ينقلب رأسا على عقب، وتحول سواد الثرى في عيونهم إلى زرقة السماء وإشعاعات الشمس، وأخذ أغلبهم يتمتم بالشهادة، فقد حسبوا أن رسل الموت جعلوهم في وضع يسمح لهم بإعدامهم وهم متمددون على ظهورهم حتى يسهل عليهم نقل جثثهم دون أن يحتاجوا لقلبها، ولم تنطلق رصاصة واحدة وبقي كل المتمددين على ظهورهم ينتظرون.

سرت بين جموع رهائن الموت داخل المصطاف الملكي وخلال حدائقه وهم مئات، نسمات باردة أنعشت في أجسامهم شيئا لم يعرفوا مدلوله ولا مغزاه، وسكتت أصوات الرشاشات، وتعب رسل الموت من الصياح، ونزفت من بعض الأجسام المجروحة ما بقي فيها من دماء، فأمسكت عن الصياح والألم وأسلمت أنفاسها الأخيرة، وخيم الصمت والهدوء، وتفتحت عيون رهائن الموت على السماء الصافية الأديم، ومن خلال أجسام جنود الموت التي كانت تبدو طويلة عالية كالصوامع، بدت خيوط الإيمان واصلة ما بين الأرض والسماء، وخفت دقات القلوب وقلت سرعتها، وانطلقت من الجموع دعوة صامتة إلى الواحد القهار، وقالت الألسنة دون أن تتحرك الشفاه: “لن يصيبنا إلا ما كتب الله لنا”، وأعاد هذا الاستسلام لمشيئة الله إلى النفوس بعض روعها، وأخذت خيوط الأفكار تتفكك داخل الأدمغة لتعيد لها بعض اتزانها، وراود رهائن الموت شعور وإحساس بخطورة الوضع، وبقساوة الأرض، وبعنف الكارثة، وفكت القلوب ذلك الحصار الذي ضربته منذ مدة طويلة على الحناجر، وأخذ الاتزان يراود العقول، فتساءلت في صمت والأيدي لازالت مرفوعة إلى الأمام في اتجاه السماء، وكأنها تستغيث أو تدعو، وأخذ كل واحد يحاول أن يجد مبررا لهذا المصير، وتفسيرا لهذا التعذيب.

هذا قصر الملك، وهؤلاء جنود تابعون للقوات المسلحة، وهذه خوذاتهم التي يراها الناس في الاستعراضات، وهذه الرشاشات في أيدٍ تحسن استعمالها، فما هو السر، أهو انقلاب عسكري؟ لا شك في ذلك.. لكن هل الانقلابات تكون على هذا الشكل؟ ربما.. إنما ما ذنب هؤلاء الذين كانوا منذ مدة يسيرة يضحكون ويسبحون ويأكلون، وقد جندلهم الرصاص وحولهم جثثا هامدة، وأخذت الأجوبة المتواردة على العقول في صمت، تعيد للقلوب الخوف والفزع، وعادت العيون لتجحظ في زرقة السماء، ففوجئت بالغيوم تحجب زرقتها، وبأجسام جنود الموت وبالرشاشات الممدودة تعكر ما بقي من صفوها، واخترق صمت الاتزان كما يخترق الرعد كبد الظلام في ليالي الشتاء، أزيز سيارات عسكرية تتحرك في اتجاه الأجساد الممدودة، ولم يقدر السيد الأزرق، وزير السياحة وقد رأى الشاحنات تسرع نحو جسمه الممدود، أن يحتمل الموت على هذه الطريقة، فقام هاربا من عجلات الشاحنة، لكن أفواه الرشاشات كانت أسرع من عجلات الشاحنات، ومات دون أن يدري هل مات بعجلات الشاحنات أم بشريط الرصاص.

وعادت القلوب لتخنق الحناجر، والدماء لتتسارع إلى العروق، وسرت في الأجسام من جديد رعشة الموت، وعادت الشفاه لتتمتم الشهادة، واستقام الممدودون على الأرض في وضعهم حتى يموتوا في وضع مستقيم كما يموت جميع الناس.

 

يتبع

تعليق واحد

  1. ليس هنا مجال للتعليق على ما كتبه قيدوم الصحافة وعميدها مولاي مصطفى العلوي قدس الله روحه ، بأسلوب لا يخلو من إبداع بحثا عن الحقيقة الضائعة في زمن القرن الماضي من أحداث وحقائق تاريخية ثابتة بالزمان والمكان ، حيث كانت المعلومة جد شحيحة حينها ، خاصة حين ييكون الأمر يتعلق بالمؤسسة الملكية ومحيطها المليء بالأسرار .. وهنا يأتي دور الصحفي المقتدر لإبراز كفائته العالية في سرد وقائع تجمع بين مخاطر المهنة التي كانت تحيط بالملك من دسائس ، وبين نظرية المؤامرة التي كان يخطط لها دعاة الفتنة .
    وليس من السهل جمع تلك الأحداث وتتبع أحداثها بالتفاصيل الدقيقة خدمة للثقافة والعلم والمعرفة .. والكثير من المغاربة لا يعرفون تلك الحقائق خاصة الشباب من الجيل الثاني والثالث ، ولذلك يجب تدوين مسلسل الحقيقة الضائعة لكاتبها الراحل مولاي مصطفى العلوي على شكل أجزاء متفرقة أو مجلدات لتعم الفائدة وينهل الجميع من حياضه .
    للحقبقة والتاريخ ، فإن غياب مولاي مصطفى العلوي الأديب والصحفي الاستثنائي بكل للكلمة من معنى ، قد ترك وراءه أثرا عميقا في قلوب معارفه وذويه ، وزملائه ، ومحبيه في ذكراه الأولى التي رحل فيها عنا إلى دار البقاء ، منعما بالفردوس الأعلى مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِم مِّنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ ۚ وَحَسُنَ أُولَٰئِكَ رَفِيقًا .. صدق الله العظيم .

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى