الحقيقة الضائعة

الحقيقة الضائعة | وادي الدماء في قصر الصخيرات “الحلقة 16”

حتى لا ننسى.. الصخيرات المجزرة السياسية
 ((من المؤمنين رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه فمنهم من قضى نحبه ومنهم من ينتظر)) صدق الله العظيم.
يقول القيدوم الراحل أستاذنا مصطفى العلوي: ((وما كان لأحداث على مستوى خطورة هجوم الصخيرات أن تدرج في مسالك النسيان، دون أن نستخلص الدرس منها، وكان الملك الحسن الثاني رحمه الله، حريصا على إقبار أخبارها وأسرارها، تفاديا لاستمرار البحث عن دوافعها وأسبابها والمسؤولين عنها، بقدر ما يحرص كتاب “الصخيرات المجزرة السياسية” على استخلاص الدرس مما خطته دماء الضحايا، ودموع الثكالى على جبين التاريخ المغربي المعاصر.
فيما يلي، تقدم “الأسبوع” أقوى ما كتبه الراحل مصطفى العلوي عن محاولة انقلاب الصخيرات، عبر حلقات ضمن ركن “الحقيقة الضائعة”.
بقلم: مصطفى العلوي

  كانت عيون الموت مفتوحة على كل جانب من جوانب الصخيرات، قصرا ومسبحا وغابة ورمالا، حتى البيوت التي تبعد عن القصر بحوالي كيلومترين اثنين، كانت خاضعة لجبروت الرشاش، فعلى بعد كيلومتر ونصف، توقف حشد من الهاربين من المصيف الملكي بعد أن نفذت قدرتهم على الجري، ووجدوا بيتا خشبيا مفتوحا هاجموه كاللصوص هربا من الموت ووجدوا أهل البيت يأكلون، وكان الأستاذ محمد حسن الوزاني، السياسي المغربي المعروف، أول من خاطب أهل البيت قائلا: أنقذونا.. ارحمونا، إن الموت وراءنا.. ولم يكن أصحاب البيت بحاجة إلى الكثير من التفكير لتصديق الرجل القصير السمين الذي كان زائغ العينين وهو يكلمهم، فقد كانت طلقات الرصاص تهيمن على الجو، ولم يكد صاحب البيت يقف من مقعده ليستفسر المهاجمين الهاربين حتى كانت شرشورة من الرصاص تخترق الجدار الخشبي للبيت وكأنها ضربة سيف، حيث مرت كالحسام على الجانب الأيمن للسيد الوزاني فقطعت يده التي بقيت متدلية وكأنها ليست جزء منه، وما هي إلا لحظات قصيرة، حتى كانت شرذمة من رسل الموت تخترق حطام البيت الخشبي لتسوق المحتمين به إلى مسرح الموت رافعين الأيدي، بينما صدق رسل الموت أنه من المستحيل أن يرفع السيد الوزاني يدا لم تبق جزء منه.

وكانت حدائق المصيف حيث توجد ملاعب الغولف، قد أسلمت أمرها لرسل الموت منذ اللحظات الأولى للهجوم، لقد عرفت وابل الرصاص لمدة حوالي ربع ساعة قبل أن يصدق الجالسون داخل المصيف أن الأمر يتعلق بهجوم حقيقي.

لقد كان المدعوون الذين فضلوا البقاء بين الحدائق الجميلة، يتبادلون الأحاديث والنكت، حينما سمعوا ثلاث طلقات نارية، أولا، لم يوليها أحد أي اهتمام، ثم سمعوا ثانيا في الجهة الموالية للجناح الملكي المخصص للعائلة الملكية سلسلة من الطلقات المستمرة العنيفة دامت عدة دقائق، وما هي إلا لحظات، حتى كان الرصاص لا يدوي فقط في آذانهم، وإنما يخترق أجسامهم ورؤوسهم، وشاهدوا مجموعة من الصبيان الصغار الذين كانت مهمتهم جمع كرات الغولف قد تساقطوا كالذباب على الأرض صفا واحدا وقد غير الدم لون بذلهم المختلفة الألوان.

وقد تعرض رسل الموت المهاجمون في اللحظات الأولى، إلى بعض طلقات الرصاص الخفيفة التي خرجت من سلاح بعض الحراس والجنود الذين كانوا بحدائق القصر، فزادت تلك المقاومة من حدة رصاصهم، وأثارت غضبهم، خصوصا بعد أن رأوا بعض رفاقهم يتساقطون على الأرض.

يحكي الكولونيل ماجور ستيتو، وكان مسؤولا عن الحرس الملكي، أن المذبوح كبير جهاز حماية الملك، أصدر أوامر ليلة الهجوم بإزالة كل المدافع وحاملات الرشاشات التي كانت منصوبة لحماية القصر، ومن شأنها أن تمنع أي هجوم، فتم اقتلاعها وتأكد المذبوح شخصيا من إزالتها حتى لا يتعرض مهاجموه لرصاصها، إلا أن مدفعا رشاشا ضخما كان منصوبا في غابة صغيرة متواجدة شمال المنتجع، في منطقة مطلة على البحر، لم يروه وهم ينزعون المدافع، وهو المدفع الذي استمر ساعات في إطلاق الرصاص على المهاجمين، وأفسد مخططهم وكان رصاصه ينطلق عن بعد، لا يفرق بين المهاجمين ولا بين الضيوف.

لقد كان الخطر المحدق بقصر الصخيرات والرصاص المتهاطل عليه مبعثا لاكتشاف الجانب الآخر في كل شخص موجود هناك، جانب البطولة التي تسبق الموت أو الشجاعة التي يخلقها الخوف، لقد كان هناك خدم وحشم ومخازنية وطباخون وعساكر وضباط وموظفون وأعيان يتطايرون كالعصافير عبر الواجهة الزجاجية التي أقيمت كجدار الصين بين القصر والبحر، فكانت أعينهم لا ترى الزجاج الممزق للأجسام، ولعل الإفلات بالروح في بقايا جسم ممزق بالزجاج أهون من إبقاء ذلك الجسم داخل المصيف جثة هامدة.

كان الهاربون وهم يتساقطون على الرمال كأولاد البط، يلتفتون بصفة بديهية إلى اليمين، فيرون حشود رسل الموت قادمة من جهة اليمين، وكان بديهيا أن يتجهوا نحو اليسار حيث المصيف العمومي المسمى “امفيتريت” على بعد حوالي كيلومتر من القصر، وحيث الناس يسبحون والحياة تكتسي طابعا آخر.. وكان أول المكتشفين لهذا الطريق المؤدي من الموت إلى الحياة عبر أكداس الرمال، هو وزير الشؤون الثقافية، الأستاذ محمد الفاسي، لقد رأى سائقه وهو خارج القصر، ما رأى، فجرى عنده وهو داخل القصر، فألقى الوزير نظرة عابرة عبر نظاراته الذكية فرأى، وكأنه رحالة في أحضان الخطر، طريق النجاة، وكان أول الطائرين، وأول الواصلين إلى المصطاف العمومي، أما الذين ساروا على طريق الوزير الكشاف، فقد كانوا بالعشرات، وبالمئات، وكان الرصاص يتعقبهم وشظايا القنابل تتخلل خطواتهم، لم يكن أحد منهم من قبل يرى رمالا تقلى كالبطاطس، أو تتحرك كالبركان، ولكنهم في هذا اليوم، العاشر من يوليوز، كانوا وكأنهم في العلمين، أو في شاطئ النورماندي عندما وصلت إليه جنود الحلفاء.

ويظهر أن حشود رسل الموت فضلوا عدم تتبع الهاربين إلى الشاطئ العمومي ومصيف “الامفيتريت” وإتعاب أنفسهم بالجري وراءهم، فركبت كوكبات منهم شاحناتها وتوجهت بسرعة إلى ذلك الشاطئ، الذي هرب إليه أولئك الفالتون، وهناك أخذوا يوجهون فوهات بنادقهم إلى كل مرتد لزي خفيف، ويسوقونهم كالأغنام عبر طريق النجاة، لكن في اتجاه عكسي هذه المرة، نحو حلبة الموت التي تحولت رويدا رويدا بعد أن امتلأت بالأشلاء، إلى حلبة تعذيب.

كان رسل الموت متفرقين بين المستحمين والمصطافين وشاربي القهوة والمبردات في مصيف “الامفيتريت” موجهين بنادقهم ورشاشاتهم إلى كل الناس، سائلين: هل كنتم في القصر؟ وكلما ارتبك واحد أو كانت كسوته أو مشيته مريبة، ساقوه مع القطيع إلى المصيف الملكي.

واتسعت رقعة الهجوم وامتدت على طول الشاطئ المؤدي من “الرمال الذهبية” إلى منتهى مصيف الصخيرات بمنازله المتكاثفة وبيوته الخشبية، حيث كان رسل الموت يبحثون عن الهاربين من القصر، أما سكان البيوت والمصطافين، فكانوا يكتفون بإطلاق الرصاص حواليهم قائلين: لا تخرجوا قبل غد في الساعة الثانية عشر، أما المصطاف الملكي، فكان في تلك اللحظات من الساعة الثالثة والنصف، قد خضع كليا لمشيئتهم.

كانت الفصيلة الثانية من رسل الموت قد جاءت لتتم مهمة الفصيلة الأولى التي كانت فصيلة للموت لا للكلام.. وكانت الفصيلة الثانية مكلفة بمهمة أخرى غير القتل وغير النسف.

كانوا قد قسموا هجومهم على الطريقة العسكرية الحربية، فريق للهجوم ولشل كل حركة وإبادة كل مقاومة، وفريق للاحتلال وللاستنطاق والتعذيب وتنفيذ أحكام الإعدام المقررة من قبل، وكان الفريق الثاني مجهزا بأسلحة لا تقل سرعة في الانطلاق عن الأسلحة الأولى، لكنه كان مجهزا أيضا بإطاراته من ضباط ورؤساء.

كان الباقون على قيد الحياة والجرحى والمشلولو الحركة والمقطعو الأيدي والأرجل متمددين على بطونهم واضعين أيديهم خلف رؤوسهم في حركة لا يمكن للقارئ أن يتصور أهميتها إلا إذا تمدد على بطنه على الأرض ورفع يديه خلف رأسه، ليعرف أهمية وخطورة الوضع.

وكانت الأوامر قد صدرت بإعدام كل من يخالف هذا الوضع، ولكن ما كل واحد كانت تتوفر له ظروف احترام هذا الوضع، وكان الباقون على قيد الحياة قد سيقوا قبل إلزامهم باحترام وضع رفع الأيدي خلف الرؤوس، إلى حدائق القصر، حيث تجمع منهم المئات، بينما احتفظ بالبعض القليل داخل المصطاف بين الأشلاء، وعلى الأرض وبين الممرات وعلى الأعشاب الخضراء، كانت أنوف الوزراء والشخصيات، مواطنين وأجانب، تستنشق بصعوبة رائحة التراب ممزوجة برائحة الموت، كانت أنوفهم مدفوعة بقوة الرشاش إلى الأرض مغروسة في ترابها، ورمالها وأعشابها غير مخيرة في أن تتألم أو تتأوه أو تعطس أو أن تقول “أوف”.

 

يتبع

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى