الحقيقة الضائعة

الحقيقة الضائعة | الحقد والعوامل السياسية التي حركت الهجوم على الصخيرات “الحلقة 15”

حتى لا ننسى.. الصخيرات المجزرة السياسية
 ((من المؤمنين رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه فمنهم من قضى نحبه ومنهم من ينتظر)) صدق الله العظيم.
يقول القيدوم الراحل أستاذنا مصطفى العلوي: ((وما كان لأحداث على مستوى خطورة هجوم الصخيرات أن تدرج في مسالك النسيان، دون أن نستخلص الدرس منها، وكان الملك الحسن الثاني رحمه الله، حريصا على إقبار أخبارها وأسرارها، تفاديا لاستمرار البحث عن دوافعها وأسبابها والمسؤولين عنها، بقدر ما يحرص كتاب “الصخيرات المجزرة السياسية” على استخلاص الدرس مما خطته دماء الضحايا، ودموع الثكالى على جبين التاريخ المغربي المعاصر.
فيما يلي، تقدم “الأسبوع” أقوى ما كتبه الراحل مصطفى العلوي عن محاولة انقلاب الصخيرات، عبر حلقات ضمن ركن “الحقيقة الضائعة”.
بقلم: مصطفى العلوي

  يظهر أن رسل الموت قرروا صدفة توقيف الحصاد، فاستمروا في فتح الأبواب وتوجيه الرشاشات إلى المختفين وراء الأبواب دون إطلاق النار، وكثير هم أولئك الذين سمعوا الرصاص ينطلق وحسبوه يخترق صدورهم، وتساءلوا عن السر في كونهم لازالوا يمشون أمام الرشاشات رافعين أيديهم إلى الأعلى وأفواه البنادق تدك أضلاعهم ذات اليمين وذات اليسار.

أهو صنف آخر من أصناف الموت.. أم أنهم حقا لازالوا أحياء؟

لا أحد يدري، ولم يكن أحد يدري.. كانت صيحات رسل الموت لا تنقطع وإن كان وقعها على الأحياء الباقين أقسى من وقع الرصاص، فلعل كلامهم إنما كان مقدمة للرصاص وتمهيدا للموت، ولكن لم التساؤل.. وهل هناك فرصة للتفكير حتى يتم التساؤل؟

كانت الساعة تشير إلى الثالثة والنصف، حينما تغير وجه المصيف وسرت فيه حركة من صنف جديد، كان رسل الموت قد أخذوا يبحثون في المخابئ والمنعرجات عن كل الذين تحايلوا على الموت أو انفلتوا من قبضتها، وكان عددهم كثير، وأطلق عشرة من رسل الموت العنان لرشاشاتهم مرة أخرى يمينا وشمالا، ثم صاحوا بصوت واحد: ارفعوا أيديكم.. وقفوا.. وكأنها كانت مجرد فخ محكم للتعرف على الذين لازالوا على قيد الحياة، وكأن تلك الصيحات كانت منبعثة من صوت كصوت إسرافيل في برج الموت، وكأن رسل الموت نفخوا في تلك الأشلاء من روحهم، فأخذت بعض الأشلاء تتحرك يمنة ويسرة، وأخذت أجسام أخرى تنتصب واقفة مسربلة بالدماء، كان كل الذين أصاب الرصاص أجسامهم ولم يزهق بأرواحهم، قد وقفوا أو حاولوا الوقوف وأيدي البعض إلى الأعلى.

وحسب رسل الموت أن على كل الأشلاء أن تقف، وحسبوا أن صيحتهم بالأمر بالوقوف كافية بأن تبعث الروح في كل جثة هامدة، وحسبوا أن الجثث لم ترد الامتثال لأوامرهم، فوجهوا إليها أفواه بنادقهم من جديد، وضغطوا على الزنادات وانطلق الحميم من الأفواه الحمراء.. ولكن هذه المرة، لم يكن ينفث الموت، فقد كان الرصاص يخترق تلك الأشلاء دون أن تتحرك وكأنه يخترق أكياس الرمل، وكان على الواقفين الذين رفعوا أيديهم إلى الأعلى أن يجروا، وأن يجروا متراصين ثلاثة ثلاثة، دون توقف، وأن يتخطوا الأشلاء دون أن يسقط أحدهم ودون أن يخل بنظام الجري الثلاثي، وكان الرصاص بالمرصاد لكل من يتخطى جثة ويسقط عليها، وبالمرصاد لكل من يحاول أن يتجنب أو يتحاشى المشي على مخ منفجر أو أمعاء مبعثرة، وكثير هم أولئك الذين سقطوا مغمى عليهم من هول ما رأوا، ولكنها كانت إغماءة أبدية، لأن الرصاص لم يكن بأقل سرعة مما كان عليه منذ بضع دقائق.

ويظهر أن منظر هذه الجموع التي تجري بين الأشلاء وكأنها ترقص في لحظة من لحظات يوم الحشر، قد أخذ يرضي رسل الموت، فصاحوا وزناداتهم ترتعش بين أصابعهم.. يا الله.. يا الله.. اجروا.. اجروا.. واستحضر بعضهم سياطا طويلة وأخذ يلفح الجلود المسربلة بالدم، والأرجل المتعثرة في الأشلاء.

كانت حلبة الرقص على الأشلاء تدور وتطول، والبنادق تسوق إليها كل من لازال على قيد الحياة، وكان المسبح الكبير المحشو بالجثث والمليء بالدم، نقطة ارتكاز حركة الجري.. فكان الماشون على الأشلاء يدورون حول المسبح كما تدور الخيول في حلبة السيرك، وكانت عيونهم بين الفينة والأخرى، تسرق النظر إلى ذلك المسبح المليء بالدم والأشلاء، وكانت أشكالهم وهم يجرون، تنعكس على صفحة الدم، فيرون أنفسهم مع تلك الأشلاء.. وبين الفينة والأخرى، كانت سلسلة رصاصات تخترق دماغ أحدهم، فيسقط في المسبح والدم يفور من الثقوب التي اخترقت جسمه، فلم يكن هناك شعور بالألم، ولا بالخوف، لقد ماتت في تلك الأجسام حواسها، وطار لبها، وأصبح مشيها مجرد حركة هستيرية وكأن الأمر ليس إلا مجرد حلم، أو مجرد لعبة أطفال.

وفي غمرة هذا الحشر، خطر من السماء وازع غريب على هذا العالم المدمي، واكتشف الهلعون الخائفون بغتة، أن رشاشات العسكر أصبحت متجهة إلى أسفل، ولمح كل متمتم بأسماء الله، فاكتشف أن عيون القتلة كعيون الناس، وإلى أنفه وإلى شفتيه فاكتشف كل تائب أن رسل الموت هؤلاء، إنس وليسوا بجان، وأنهم ليسوا من الغزاة الذين يراهم كل أسبوع على شاشة التلفزيون، ثم التفت السيد التائب إلى أطرافه، فتذكر أنه لازال يلبس جلبابه، وشعر بأن لحيته السوداء الوقورة لازالت لم يتطاير شعرها، فرفع أصبعه وكأنه يشهد للخالق جل وعلى، فارتفعت الرشاشة من جديد، وتوجهت فوهتها إلى جلبابه الملطخ بالدم وقال له رسول الموت: ماذا تريد؟ فقال وهو يجري بدون توقف: أريد.. أريد أن أصلي ركعتين.. قبل .. قبل أن أموت.. فانفجرت شفاه رسول الموت عن ابتسامة أبانت عن أسنانه وقال له: من الأحسن أن تصلي الركعتين عندما تصل إلى العالم الآخر، وها أنا أبعثك إليه الآن.. وكانت كلمات رسول الموت تخترق آذان الأستاذ التائب، ولكنها كانت ممزوجة بطلقات، وتوقف الأستاذ التائب عن المشي، لقد ثقل جسمه بالرصاص، ولم يصل الركعتين قبل أن يموت، ولم يعرف القاتل أن المقتول عالم من وزارة الأوقاف يسمى الطيب السعيدي.

وكانت رقصة الموت لا تتوقف على الأشلاء في كل جانب من جوانب حلبة الموت، وكانت الدماء الحمراء قد أخذت تأخذ منها الشمس المحرقة وتحول حمرتها إلى سواد، وكانت الدماء لا تزال تسيل من الثقوب المتناثرة في الأجساد المترامية هنا وهناك، والتي أخذت تصطبغ بالسواد وكأن الشمس تشويها، ولم تكن الأجساد التي تجري بأكثر سعادة من التي تسربلت على الأرض، كانت الجثث على الأقل قد استراحت من العذاب، أما التي كانت تجري، فإنها كانت بين كفي الموت الزؤام لا تدري متى يضغط عليها ومتى سيلفظها.

وفي طرف من أطراف الحلبة، كان رسل الموت لا يتوقفون عن لفح الأجسام بالسياط، وكانوا يصيحون: ارفعوا أيديكم إلى الأعلى.. كانوا يقولونها بالعربية تارة، وبالفرنسية تارة أخرى، وأدخل أحد رسل الموت فوهة رشاشته تحت إبط السيد أحمد باحنيني، رئيس المجلس الأعلى، وهو يجري وقال له: ارفع.. ارفع يديك.. ولكنه كان يرفع يدا واحدة بينما اليد الأخرى متدلية وقد تسربلت بالدم فسربلت جانبه الأيمن كله.. ولم تبق اليد تظهر، فقد اختفت معالمها تحت الدم، فأعاد رسول الموت الكرة صائحا: ارفع يديك الاثنتين.. ومد السيد باحنيني يده المرتفعة مشيرا إلى اليد المسربلة بالدم وكأن رسول الموت لا يرى ما بها.. وحسب رسول الموت أن السيد باحنيني مصر على أن لا يرفع يده الأخرى، وعجزت فم السيد باحنيني عن الانفتاح، وعجزت رجلاه عن التوقف، وعجزت عيناه عن النظر إلى جلاده، ولكن الجلاد كان أيضا عاجزا عن الفهم، وعاجزا عن ضبط أصابعه فوق الزناد، فانطلق الرصاص محل السوط، وسقط السيد باحنيني مثقلا بالرصاص.. وسار المجلودون فوق جثته دون أن يلتفتوا إليه أو يحاولوا التعرف عليه، أو أن يفهموا لماذا سقط على الأرض وتخلف عن الركب.

لا نقاش في أن الأيدي التي كانت تطلق النار، كانت مرتبطة بعقول المهاجمين المدفوعين بعوامل سياسية، بكراهية وإصرار، حيث يحكي واحد من المهاجمين، الرايس، في مذكراته، كيف كان الجنود المهاجمون يرددون وهم يقتلون: ((اليوم ليس لكم حق الكلام، تقدم إلى هنا أيها البورجوازي الحقير.. لقد سئمنا تجارا مثلكم يمتصون دماءنا)).

 

يتبع

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى