الحقيقة الضائعة

الحقيقة الضائعة | مشاهد دموية مرعبة في قصر الصخيرات “الحلقة 14”

حتى لا ننسى.. الصخيرات المجزرة السياسية
 ((من المؤمنين رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه فمنهم من قضى نحبه ومنهم من ينتظر)) صدق الله العظيم.
يقول القيدوم الراحل أستاذنا مصطفى العلوي: ((وما كان لأحداث على مستوى خطورة هجوم الصخيرات أن تدرج في مسالك النسيان، دون أن نستخلص الدرس منها، وكان الملك الحسن الثاني رحمه الله، حريصا على إقبار أخبارها وأسرارها، تفاديا لاستمرار البحث عن دوافعها وأسبابها والمسؤولين عنها، بقدر ما يحرص كتاب “الصخيرات المجزرة السياسية” على استخلاص الدرس مما خطته دماء الضحايا، ودموع الثكالى على جبين التاريخ المغربي المعاصر.
فيما يلي، تقدم “الأسبوع” أقوى ما كتبه الراحل مصطفى العلوي عن محاولة انقلاب الصخيرات، عبر حلقات ضمن ركن “الحقيقة الضائعة”.
بقلم: مصطفى العلوي

  كانت العين عاجزة عن الرؤيا، رؤية الأجسام الخفيفة تتطاير عبر الزجاج المتكسر لتسقط جهة البحر، عاجزة عن رؤية الموت يحصد الحياة، وأصبح صوت الرصاص متشابكا متراصا متزنا مزمجرا، وأفواه المدافع الرشاشة تتحرك في كل اتجاه تنفث الجحيم، تنفث النار، والموت الزؤام، ولا لحظة قصيرة للتفكير، ولا رمشة عين للرؤيا، وكيف يفتح المرء عينه وهو ميت مقدما، لا نفوذ له على عقله، ولا على حركاته، والمدافع تنفث الموت الزؤام، بدون توقف بدون هوادة، نار في كل اتجاه، من أعلى المشارف من الأبواب، من جهة البحر، ومن جهة الشرق، ومن الشمال، ومن الجنوب، وبين الفينة والأخرى، كانت صرخات الألم تخترق سبيل الرصاص، فيزداد الرصاص حدة وانطلاقا، وتحت أفواه المدافع وشظايا القنابل، كانت لوحة مصيف الصخيرات يتغير وجهها بسرعة جنونية، فالأشلاء هنا وهناك، والدم الأحمر يفور من البطون ومن الرؤوس ومن الأيدي والأرجل، وفرشت عبوات الرصاص الفارغة الأرض بلونها الأصفر الذهبي، فأخذت تزيد اللوحة بريقا والتهابا.. وزادت حدة الرصاص، وزاد انفجار القنابل، وزاد وجه اللوحة تغيرا، وفرشت الأجساد أرض المعركة، وأخذ الرصاص يتعقب فقط الأجسام المتحركة، ويصلي لهيبه كل جسم ترفرف ثيابه تحت وقع الريح، وبقي الواقفون فقط هم حملة أفواه النار الذين كانوا يتخطون الأجساد المترامية في كل اتجاه باحثين عن أي شيء متحرك، مسربلين كل فم يتأوه أو جسم يتدحرج أو دم يفور.

وأخرس الرصاص كل شيء في هذا المصيف، وأصبح صوت النار وحده هو المتكلم، وكان البحر قد أصبح أخرسا هو بدوره، وبين اللحظة والأخرى، كانت حشرجة الموت تستل آخر بقايا الروح من أحد الأجساد الملتوية، فتنط من الأرض بعنف مثلما تنط الأكباش بعد ذبحها، بينما كانت الروح لا تغادر بعض الأجساد إلا بعد أن تشنشنها وتكهربها، فكانت المدافع سرعان ما تيسر على الموت مهمتها فتنطلق مسرعة لتشل الحركات الأخيرة للأجساد الميتة.

وأصيب أحد المدعوين الأجانب، الذين بقوا في عداد الأحياء، بهستيريا جنونية، فانطلق من تحت أحد الموائد هائما صائحا كالمجنون وسرعان ما احتضنته النار من كل اتجاه، فكانت لشدة ضربها وعنف منطلقها، تحول بينه وبين السقوط على الأرض، فبقي يدور واقفا بدون روح وكأنه أرجوحة من اللحم والدم تدور حول نفسها، فتمتع مطلقو الرصاص أو كأنه راقصة هستيرية بالدم تدور حول نفسها مؤدية رقصة النار، ولكن ما بقي من هذه الأرجوحة سقط على الأرض بمجرد ما غيرت النار اتجاهها.

أي عقل بقي ليصف ما ترى العين أو ما تسمع الأذن؟ وأي عين بمستطاعها أن ترى؟ وأي فم بإمكانه أن ينبس؟

لقد ذهب اللب، وسكتت القلوب، وجفت المآقي، وزاغت العقول، وشلت الأعصاب، وصمت الآذان، واكتزت الأسنان، وتوقفت الأكباد في الحناجر، وتسربلت الأرض بالأشلاء، والدماء بالأيدي المتقطعة والأرجل المتناثرة والأدمغة المبعثرة، وانفجرت بعض البطون فانطلقت منها الأمعاء والمصارين.

وتوقف بعض المهاجمين عن إطلاق النار بغتة، حين شاهد واحد منهم سيقان فتاة جميلة، كانت هي المطربة المصرية شادية، ممسكة بيد السفير المصري حسن فهمي، فسارعت شادية للقول: احنا مصريين، وربما لم يفهم العسكري، فقال له آخر: المصريون اللي غلبناهم فالكرة، هنا جر الثوار المطربة ورفيقها السفير إلى الظل وسقوهم ماء وتركوهم، ليستأنفوا إطلاق الرصاص.

لم يكن هذا هو الموت الزؤام، لم تكن مذبحة ولا مجزرة، ولا حربا ولا معركة، كانت شيئا آخر يفوق الوصف ويتحدى الخيال، إنه القتل الجماعي الأعمى.

واحمرت فوهات الرشاشات بلهيب النار، وتعبت الأصابع الضاغطة على مئات زنادات الرشاشات، وأخذ الرصاص يبحث عن مبرر للانطلاق فلم يجده، وأخذ رسل الموت يبحثون بعيونهم من تحت خوذاتهم على هدف متحرك، فخاب ظنهم، وتوقفوا بحسرة عن الإطلاق.

وهيمن الصمت على الميدان، صمت الموت الزؤام، وحفيف الرياح تلمس الأجساد والأشلاء، وحامت في الأفق أسراب طيور غريبة أخذت تحوم على الميدان وكأنها تتأكد من صحة ما ترى.

وكانت خطوات رسل الموت تخترق الصمت في غير توازن ولا ترتيب وكأنها ليست خطوات عساكر، لقد كان رسل الموت يتخطون الأجساد والأشلاء بصعوبة وكأن رهبة الموت تضايقهم، وكأن الصمت يزعجهم فيعودون لإطلاق العنان لرشاشاتهم ومدافعهم في كل اتجاه، ولكنهم في هذه المرة، كانوا يوجهون أفواه بنادقهم نحو بقايا المأكولات، ويمرحون بإطلاق النار على الدجاج المطبوخ والحمام المشوي، ويفرحون عندما يرونه يتطاير من على الصحون وكأنه عادت إليه الحياة.

وعلى الواجهة الزجاجية، كان عدد من رسل الموت منتصبين في اتجاه البحر وكأنهم يفكرون في وسيلة لإسكات صوته، لكنهم رأوا على الرمال عشرات من خدم القصر وحشمه والمدعوين الهاربين يجرون كالمجانين على الرمال، ومنهم من رمى نفسه في أحضان الأمواج مفضلا، ولا شك، الموت البارد على صوت النار.. وسرعان ما وضع رسل الموت مدافعهم الرشاشة في اتجاه البحر والرمال، وعادت النار للانطلاق في اتجاه الهاربين على الرمال، كانت طلقات غزيرة ومنتظمة ومحكمة، وكان الناس على الرمال يتساقطون كأوراق الخريف، وكان رسل الموت يوقفون النار في بعض الأحيان منتظرين ارتداد الأمواج، وسرعان ما يعودون لإطلاق النار، عندما يكشف ارتداد الموج عن الأجسام التي احتمت برذاذه، وعندما رفرف سكون الموت على صفحة الرمال مثلما رفرف على المصيف، عاد رسل الموت لتخطي الأشلاء والأجساد.

كان أغلب المدعوين قد تحايلوا على الموت عندما التجؤوا منذ إطلاق الرصاصات الأولى إلى البيوت الصغيرة المخصصة لاستبدال الثياب والمتراصة في نهاية الفسحة اليسرى للمصيف أو بجانب المسبح.. كانت تلك البيوت معدة لأن يستبدل بها شخص واحد ثيابه، ولكن ظروف الموت حولت مساحتها، التي لا تتعدى مترين مربعين، إلى ملجإ لسبعة مختفين أو عشرة في بعض الأحيان، كانت أجسام اللاجئين في تلك الكبائن متراصة متكدسة وكأنها السردين في العلب، وكان كل المكدسين بتلك الكبائن يتمتمون بين الشفاه آيات من القرآن أو من الإنجيل، ولكن كل واحد منهم كان يشعر أنه وحده، لم يكن يشعر بأن معه سبعة أشخاص، أو أن شخصا جالسا فوق رأسه أو أنه جالسا فوق ستة أو سبعة أشخاص، كانوا جميعا وزراء وكبراء، يحمدون الله على الضيق وعلى انعدام الهواء وعلى ضيق التنفس وعلى طول العمر..

ولكن انغلاق صمامات آذانهم من هول ما سمعوا، كان يحول بينهم وبين التجسس على ما يجري خلف الكبائن، ورغم أن صمت الموت خيم على المصيف خارج تلك البيوت الضيقة، فإن آذانهم لم تكن تصدق أن الرصاص قد توقف، بل إنهم رغم توقف الرصاص، كانوا لازالوا يسمعون هديره في أدمغتهم وفي قلوبهم وفي أعصابهم، بل إنهم كانوا لا يصدقون أن ما يعصف داخل آذانهم، إنما هو صدى متردد لما كان يعصف خارج تلك البيوت الضيقة.. ولعلهم كانوا على صواب.

فما إن أخذت عيون المتكدسين داخل البنائق الصغيرة تدور في مآقيها مليئة بالتساؤلات محمرة بالدموع متفجرة بالخوف، حتى سمعوا وقع خطوات رسل الموت تقترب من البنائق، ثم تزيد اقترابا، ثم صوت ضابط يرتفع بعصبية وأزيز باب إحدى البنائق ينفتح ثم.. ثم.. انطلاقا جديدا لصوت الرشاش، ثم صيحة ألم مخنوقة، وصدى صوت جثة تسقط على الأرض، كان الكولونيل سندباد، أحد الضباط المقربين من الحاشية الملكية، وحده داخل البيت الأول لاستبدال الثياب، وكانت الجثة التي سقطت جثته، وتبعتها جثة أخرى، وبسرعة، عادت العيون للانغماض، والأكباد للحناجر، والشفاه للتمتمة، وأخذ سكان البنائق يصلون بهوس صلواتهم الأخيرة، ويظهر أن الكولونيل المكي، أحد المقربين للحاشية الملكية، قد أراد تحدي الظروف والقفز بحركة عسكرية معهودة.. ولكن النيران كانت أسرع منه، فجندلته بدون توقف.

 

يتبع

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى