الحقيقة الضائعة

الحقيقة الضائعة | السفير الأمريكي في زي المهاجمين والسفير السوفياتي يغادر قبل الهجوم “الحلقة 13”

لقطات منسية من الهجوم الدموي

حتى لا ننسى.. الصخيرات المجزرة السياسية
 ((من المؤمنين رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه فمنهم من قضى نحبه ومنهم من ينتظر)) صدق الله العظيم.
يقول القيدوم الراحل أستاذنا مصطفى العلوي: ((وما كان لأحداث على مستوى خطورة هجوم الصخيرات أن تدرج في مسالك النسيان، دون أن نستخلص الدرس منها، وكان الملك الحسن الثاني رحمه الله، حريصا على إقبار أخبارها وأسرارها، تفاديا لاستمرار البحث عن دوافعها وأسبابها والمسؤولين عنها، بقدر ما يحرص كتاب “الصخيرات المجزرة السياسية” على استخلاص الدرس مما خطته دماء الضحايا، ودموع الثكالى على جبين التاريخ المغربي المعاصر.
فيما يلي، تقدم “الأسبوع” أقوى ما كتبه الراحل مصطفى العلوي عن محاولة انقلاب الصخيرات، عبر حلقات ضمن ركن “الحقيقة الضائعة”.
بقلم: مصطفى العلوي

  شاهد الملك الحسن الثاني وهو يلف حول الموائد، الوزير السابق في السياحة، حسن عبابو، وهو يرتدي جبة صحراوية وأخذ يوجه إليه كلاما لا يسمع كله، وكان الصحفي الشوفاني الفاسي، قريبا منهما، فحكى أن الملك قال لعبابو: ((عندما يكون الإنسان ضد النظام فإنه لا يحضر لحفلاته))، كان الحسن الثاني يعرف أن عبابو شيوعي، وله تصريحات كثيرة ضد النظام المغربي، لينطلق الفضوليون يقولون بصوت مرتفع، وربما كان إلهاما خارقا جعل الحسن الثاني يغضب على وزيره السابق حسن عبابو وكأنه يسبق الأحداث، ويسبق انطلاق الهجوم الذي كان سيقوده ضابط اسمه عبابو، وترك الحسن الثاني عبابو بعد أن لمح غير بعيد معارضا آخر، هو زعيم حزب الشورى، محمد بن الحسن الوزاني، فأوقفه وأخذ يتحادث معه، عندما رأى الماريشال مزيان غير بعيد من عربات القطار التي كانت مصطفة في ساحة القصر، مجهزة بالموائد وهي مليئة بالضيوف الأجانب.

بينما كان يظهر على الملك أنه غاضب من أن الجنرال المذبوح أعطى الأوامر بتقديم الغذاء دون استشارة الملك، وهي قضية تضخمت بعد الهجوم وبعد عودة الاستقرار، ليقال للحسن الثاني بأن رئيس المطبخ الملكي، المسمى صالح، كان على اتفاق مع الانقلابيين، فأصدر أوامر بتقديم الأكل دون أن يسمع الأمر من سيده الحسن الثاني، حيث اتضح مساء الانقلاب، أنه تم استنطاق رئيس المطبخ، الذي فقد حياته تحت التعذيب قبل أن يبلغ إلى علم الملك أن الاتهام غير صحيح، ليستدعي زوجة صالح وأبناءه، ويأمر بأن تشملهم العناية، ويبقوا في السكن الذي كان يقطنه أبوهم صالح داخل المشور.

وبينما الضيوف محتارون بين البداية في الأكل واعتراض الملك عليه، أقدم عليهم الحسن الثاني وضرب على المائدة وهو يقول لهم تفضلوا، ضربة على المائدة وكان على يمين الملك، عضو ديوانه إدريس بنونة، وطبيبه الدكتور بنيعيش، ومستشاره عبد الهادي بوطالب، والكولونيل بن كيران، والكولونيل ستيتو، وقد رافقوه وكأنه يريد الاجتماع بهم إلى صالة فخمة، كانت مملوءة على شكل متحف بجميع الهدايا التي تلقاها في حياته من رؤساء الدول، وبينما هم يقصدون القاعة، سمع الجميع انفجارا ضخما.. ما إن التفت الملك في اتجاه مصدره، حتى امتلأ قميص الملك وسرواله بدم الانفجار الذي أصاب أحد مرافقيه، ثم بدأت طلقات الرصاص من كل جهة ليلتحق رأسا بالصالة وهو يصيح، لا تدفعوني للداخل، أنا أبقى معكم.. أنقذوا وطنكم لا تنقذوني أنا، حين دخل عليه أخوه الأمير مولاي عبد الله حاملا رشاشة في يده، فيأمره أخوه الملك: ((اترك هذا السلاح واذهب لتلبس جلبابا من أحد المخازنية وشاشية حتى لا يعرفوك)) جزئيات حكاها فيما بعد الكولونيل ستيتو الذي رأى الملك وقد بدأ يبكي متأثرا بهذا الهجوم الذي لم يكن يتوقعه، فيما كان مولاي أحمد العلوي يصيح، قولوا: يحيى الملك، ولكن الرصاص غطى على صيحات مولاي أحمد.

وكاد المفاجؤون بالرصاص من كل جهة، أن يفهموا لماذا كان الأجانب يتزاحمون على الأبواب الضيقة لعربات القطار، وفهموا لماذا كان السفير السوفياتي في الرباط “لوكابا لامارتشوف”، قد ألقى نظرة على ساعته، وغادر الحفل، قبل انطلاق الرصاص.

ظاهرة أخرى، لم ينتبه إليها الملك ولا ضيوفه قبل الهجوم، وهي طريقة اللباس عند المدعوين، والرسميين، فقد كان منظمو الهجوم قد اتفقوا مقدما على لباس معين حتى لا يستهدفهم المهاجمون الذين كانت لهم تعليمات بعدم ضرب كل مدعو ترك قميصه متدليا فوق سرواله، بينما المدعوون كلهم، بحكم الأناقة، كانت قمصانهم داخل السراويل، بينما كان المدعو الوحيد الذي ترك قميصه متدليا خلف سرواله، هو السفير الأمريكي في الرباط.. فهل كان يعرف كلمة السر؟

مواجهة الموت بهذه الطريقة التي بدأ بها الهجوم، جعلت الخوف يبث العطش في أجواف الهلعين الذي يبحثون عن الماء، مثلما حصل لإحدى الأجنبيات، مدام “صولانج ماسيليس”، وكان عمرها 92 سنة، حكت بعد الهجوم، ولم تمت طبعا، أنها أرادت أن تشرب من ماء منساب من أحد سقوف عربات القطار من كثرة عطشها، حكت أن شابا تقدم منها، وهو الأمير سيدي محمد، محمد السادس، وهو يقول لها لا تشربي هذا الماء، فقد يكون عفنا أو مصابا بداء الكوليرا، فيم كان المهاجمون يفرضون علينا أن ننام على بطوننا، كما حكت ونشر في كتاب “أحداث الصخيرات”.

وحكى أحرضان في مذكراته، وكان حاضرا، أنه ورفاقه كانوا يرددون بدون شعور: إنه الرصاص، وكان جالسا في أحد الصالونات مجيد بلعالم، ولد كاتب الدولة في الداخلية، بلعالم، يحمل براد شاي، وأحرضان يقول له: ألا تسمع الرصاص القادم من البحر، فيم كان الجنرال الدليمي يحاول الاتصال لطلب النجدة بالتلفون، ولكن خيوط التلفون كانت مقطوعة من قبل، وجنرال آخر إدريس بنعيسى يصيح: القرطاس، القرطاس.

واضطر الملك إلى التوجه إلى مرحاض حمام، بعيد في داخل بنايات القصر، وهو محاط، كما شاهد أحرضان، بالجنرال أوفقير، ومؤنسه بين بين، ورئيس الحكومة أحمد العراقي، وأربعة فرنسيين غير معروفين، حينما دخل الجنرال المذبوح عليهم في مخبئهم ليقول للملك، جئت لأنقذك، وكان الهجوم قد أصبح أمرا واقعا، ويقول له الحسن الثاني: ماذا تعني؟ فقال له المذبوح: هل أنت مستعد للعفو على الكولونيل عبابو، فيقول له الملك: اذهب عنده وابحث عن حل.

وانطلقت في الأفق سلسلة من الطلقات النارية، ثم سلسلة أخرى، وأخذت الطلقات تتكرر وتقترب، وهنا، لم يمسك عبد الفتاح فرج، مدير الكتابة الخاصة الملكية، لسانه، فالتفت إلى رفاقه وقال لهم: ألم أقل لكم أن هناك مفاجأة؟ إنها مناورات لإطلاق الرصاص الأبيض، وكأنه لم يشاهد على سروال الحسن الثاني أثار الدماء من القنبلة التي أصابت أحد مرافقيه.

والتلفت المدعوون إلى بعضهم ورددوا الواحد تلو الآخر: إنها مناورات بالرصاص الأبيض، وانقض أصحاب آلات التصوير من سفراء ووزراء ومدعوين على آلات تصويرهم، وأسرعوا نحو الباب الصغير، المؤدي للغولف ليغنموا ببعض صور المناورات، وفي طريقهم نحو ذلك الباب، زاد صوت الرصاص وزاد اقترابه، وكان الجنرال محمد أوفقير وزير الداخلية، يمسح شفتيه بالمنديل مغادرا مائدته وهو يقول: إنها ليست مناورات بالرصاص الأبيض، إنني متعود على صوت الرصاص.

وقبل أن يصل الفضوليون إلى الباب المؤدي للغولف، كانت شرفات القصر وأبوابه ونوافذه قد هيمن عليها رهط من الجنود وقد ارتدوا بذلهم الكامونية وعلى رؤوسهم خوذاتهم الحديدية، ولكن أحدا لم يجرؤ على النظر إليهم، لقد كانوا يطلقون الرصاص في كل اتجاه، وكان الرصاص كالمطر، وأخذ الناس يتساقطون، ودار الكون وانقلب وجه المصيف، وأخذ الناس يجرون في كل اتجاه، ولكن أي واحد لم يكن يدرك اتجاهه، لقد كان الناس يتلوون وكأنهم على مسرح الباليه أو يمثلون أدوارا في شريط سينمائي على طريقة الويسترن.

وضاعت صيحات الناس في هدير الرصاص، وضاع الناس في شظايا القنابل، وضاعت شظايا القنابل في أجسام الناس، وضاعت من أجسام الناس العقول، وأخذت الأدمغة تتفجر، وطغى اللون الأحمر على كل شيء، وأخذ الناس يتساقطون في المسبح، فهم يطفون على صفحته وقد تحول ماؤه إلى دم أحمر وأسود، وتطايرت شظايا الواجهة الزجاجية وأخذ الناس يطيرون كالعصافير في كل اتجاه.

 

يتبع

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى