المنبر الحر

المنبر الحر | سؤال القضاء.. متى ننزل بدائـل الاعتقـال؟

بقلم: ذ. عبد الصمد المرابط

    يعتقد من لا اطلاع له على خبايا القوانين، أن الاعتقال مصيبة تلاحق المجرمين دون غيرهم من أبرياء الوطن، ومن المعلوم أنه عند وقوع الجريمة، يتحرك الجهاز المكلف بالبحث عن الأدلة، لإيقاف المتهمين، وهو ما دفع بالمشرع إلى سن ضوابط استعجالية بغية جعل الموقوفين رهن إشارة الباحثين، ونظرا لخطورة هذه الإجراءات على حرية المطاردين، أكد المشرع في أول مادة لقانون المسطرة الجنائية، على الأخذ بعين الاعتبار بمبدأ “براءة الإنسان من ساعة خضوعه للمساءلة إلى حين صدور آخر قرار بالإدانة”، وهي مدة قد تطول شهورا وأحيانا سنين، وإذا ثبت أن الظنين لا علاقة له بالإجرام، يصبح الاعتقال غبنا دفينا في وجدان كل من قضى قسطا من حياته وراء القضبان، باستثناء من اعتقل لدفعه على التخلي عن قناعاته الفكرية التي عادة ما تزداد رسوخا في وجدان الإنسان مع طول مدة الاعتقال.. ولعل هذا الجانب هو ما دفع بالمشرع إلى إقرار بدائل الاعتقال.

في سنة 2002، أي في عز ما كان يسمى بالتناوب التوافقي، عرف قانون المسطرة الجنائية تعديلات جوهرية ترمي إلى تمتيع المتهم بضمانات حقيقية، في مقدمتها، الوضع تحت المراقبة القضائية، وفي إحدى بنود المسطرة، وضع المشرع تدابير عديدة رهن إشارة قاضي الاتهام، ليختار منها ما يلائم خطورة الإجرام، وذلك للحيلولة دون وضع المتهم وراء القضبان، وإذا كان القضاء فضاء من اختصاص القضاة والمحامين، فإن من حق جميع الناس الاطلاع على الضمانات القانونية، خاصة حينما يتعلق الأمر بالحق في الحرية، لذلك، لا بد أن نتأمل جزء من بدائل الاعتقال التي كلفت الحكومة والبرلمان آنذاك مجهودات متناهية:

1) عدم مغادرة الحدود الترابية المحددة من طرف قاضي التحقيق.

2) عدم التغيب عن المنزل أو السكن المحدد من طرف قاضي التحقيق.

3) عدم التردد على بعض الأمكنة التي يحددها قاضي التحقيق.

4) إشعار قاضي التحقيق بأي تنقل خارج الحدود المعينة.

5) التقدم بصفة دورية أمام المصالح والسلطات المعينة من طرف قاضي التحقيق.

6) إغـلاق الحـدود…

ولعلم القارئ الكريم، فإن عدد هذه التدابير الوقائية يناهز العشرين، وهي آية في التبويب والتصنيف والتدقيق، غير أنها، وللأسف، لم تعرف منذ صدورها سبيلا للتنزيل.

ومن باب التذكير، فقد اعتبر الساسة والحقوقيون آنذاك، أن قانون المسطرة الجنائية أدخلت عليه تعديلات جوهرية في مجال حرية الفرد في جميع مراحل البحث والتحقيق، حيث أخذ من وقت فصيلة من المناضلين جهودا مضنية، فتقرر فرض إجراءات قضائية مفصلة تنسجم وقيم العدل والحرية، حيث أجمع فقهاء القانون في ذلك الوقت، أن هذه التدابير تعتبر خطا فاصلا بين ما يسمى “الوضع رهن الاعتقال” و”الوضع تحت المراقبة القضائية”، وإذا كان هذا الوضع الأخير يقلص من حرية الإنسان حين يتابعه المدعي العام بمصيبة الاتهام، فإن هذه التدابير في كل الأحوال، تعتبر علامة بارزة من علامات آخر إصلاح، لكن هذا المقتضى كغيره، بكل أسف، ظل بدوره حبيس ثنايا كتاب المسطرة، وهل يجدر الحديث عن تنزيل المضامين الدستورية في الوقت الذي لا يزال المواطن يفتقر إلى أبسط الضمانات القانونية وفي مقدمتها الحق في الحرية.

لقد سبق لي أن أشرت إلى أن الإصلاح لا يعني بالضرورة التفكير في تعديل القوانين، خاصة وأن جلها لا تزال ناصعة من حيث عمق المضامين وكأنها وضعت آنذاك لمجرد إيهام المعارضين بأن القانون سيصبح لا محالة أسمى تعبير عن إرادة الأمة، خاصة حين تلصق بالإنسان مصيبة الاتهام فيوضع بجرة قلم  رهن الاعتقال، لذلك، لا ينبغي أن يغيب عن أذهان كل من له رغبة في تحسين أوضاع المواطنين، أن هؤلاء جميعهم في أمس الحاجة إلى ترجمة فعلية للتشريعات الحالية قبل مجرد التفكير في التعديلات المستقبلية.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى

إشترك في نشرتنا الإخبارية للتوصل كل مساء بأهم مقالات اليوم