الحقيقة الضائعة

الحقيقة الضائعة | مفاجأة الجنرال المذبوح للملك الحسن الثاني “الحلقة 12”

حتى لا ننسى.. الصخيرات المجزرة السياسية
 ((من المؤمنين رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه فمنهم من قضى نحبه ومنهم من ينتظر)) صدق الله العظيم.
يقول القيدوم الراحل أستاذنا مصطفى العلوي: ((وما كان لأحداث على مستوى خطورة هجوم الصخيرات أن تدرج في مسالك النسيان، دون أن نستخلص الدرس منها، وكان الملك الحسن الثاني رحمه الله، حريصا على إقبار أخبارها وأسرارها، تفاديا لاستمرار البحث عن دوافعها وأسبابها والمسؤولين عنها، بقدر ما يحرص كتاب “الصخيرات المجزرة السياسية” على استخلاص الدرس مما خطته دماء الضحايا، ودموع الثكالى على جبين التاريخ المغربي المعاصر.
فيما يلي، تقدم “الأسبوع” أقوى ما كتبه الراحل مصطفى العلوي عن محاولة انقلاب الصخيرات، عبر حلقات ضمن ركن “الحقيقة الضائعة”.
بقلم: مصطفى العلوي

  على البساط الأخضر المزركش بالورود خارج القصر، كانت جموع هواة الغولف سارحة في مباريات طويلة، وكثير هم هواة الغولف في هذه البلاد بعد أن أصبح أغلبهم يعتقد أن هذه اللعبة من أذكى الوسائل للتقرب من الملك، فكان الفضوليون يقتربون من لاعبي الغولف ليسألوهم أولا عن حظوظهم في المشاركة في الحكومة القادمة، وكان يتخلل جموع لاعبي الغولف عشرات من الصبيان الصغار مرتدين زيا أحمر وأخضر، وعلى رؤوسهم قبعات صغيرة، كانت مهمتهم هي جمع كرات الغولف وحمل العصي لأسيادهم اللاعبين، ويسمون: “ليكادي”.

وقد أقيمت خيمة صغيرة بجانب الغولف جلس تحتها عشرات من العاجزين عن الوقوف، أو بعض هواة المشروبات، وهي محاطة ببعض الصالات للاستراحة، وهي عبارة عن قطارات واقفة على سكتها الحديدية.

وحوالي الساعة الثانية عشر، سرت بين الجموع عاصفة من التصفيقات أعقبتها فترة صمت طويل، فتوقف السابحون عن الخوض في الماء، وأخفى المدخنون سيجاراتهم وراء ظهورهم، وأقبل لاعبوا الغولف من حدائقهم، ووقف الجالسون، والتف الجميع حول الملك ومرافقيه.

كان الحسن الثاني مرتديا لقميص مخطط قاتم اللون وسروالا مقصوصا عند الركبتين وقبعة، وعلى وجهه الابتسامة المعهودة التي كان يوزعها بسخاء، وخلافا لعادته، لم يسلم هذه المرة على السلك الدبلوماسي، بل اكتفى بالمرور أمام الحاضرين وبينهم، وكان بجانبه ولي عهده سيدي محمد وعلى رأسه قبعة بدوية من الدوم، والأمراء الصغار محمولين بين أيدي مربياتهم، وكان الأمير مولاي عبد الله لا يفارق الملك خطوة واحدة، وعن يمينه كان الجنرال المذبوح لابسا زيا خليطا ما بين المدني والعسكري وقد أخذ يوزع ذات اليمين وذات اليسار نظراته الطاغية التي تبعث الخوف في كثير من الموظفين، وخلف الملك، كان الجنرال الغرباوي كعادته يوزع بعض الأوامر على مساعديه، وكان مع التابعين، الجنرال عبد الحي والكولونيل حمو حسن والكولونيل أبو الحمص، وحشد آخر من الجنرالات والكولونيلات والضباط الآخرين، وجموع من الخدم والحشم والتابعين، وخرج الموكب الملكي لإلقاء نظرة على المتبارين في ضرب الحمام وهواة الغولف، بينما كان الجوق الخليط من الجوق الملكي وجوق الإذاعة، يقدمون بعض الأغاني، وفي لحظات قصيرة، كانت الموائد تمتد تحت الرفوف الخشبية المجانبة للمسبح، حين وقف عدد كبير من هواة الأكل يشاهدون بإعجاب مناظر عمال المطبخ وهم يرصفون بسرعة عجيبة موائد الأكل ويستحضرون القضبان الحديدية الهائلة المحملة بالخرفان المشوية والأسماك المبخرة والدجاج المشوي.

وما هي إلا دقائق قليلة، حتى تحول مصطاف الصخيرات إلى معرض بديع لجميع أنواع الأكل مما لا عين رأت ولا أذن سمعت.

كانت الموائد تئن تحت مئات الطواجن ومئات الأصناف، فمن أصناف السمك كانت نماذج من كل البحار، ومن العجول المشوية والخرفان والأرانب، ومن أنواع الطيور، وألوان البسطيلة والرغائف والحلويات ما يحتار أمامه العقل.

وكاد لعاب الكثير أن يسيل إلى أن جاء الملك وأتباعه وألقى نظرة موجزة كما يفعل كل صاحب بيت، وتفحص بعينه كل تلك الأصناف.

وكان اختيار هذا الحفل بالذات لتنظيم الهجوم الانقلابي، هو المبرر الذي أعطى للعسكريين المهاجمين، الذين أتوا من المدرسة العسكرية بأهرمومو، حيث غذاء العدس اليوم، والحمص غدا، والفول يوم الإثنين، والبطاطا في الثلاثاء، واللوبيا في الأربعاء، والشعرية في الخميس، والكسكس يوم الجمعة، فما إن نزلوا من الشاحنات العسكرية التي اخترقت بوابات القصر على أطراف البحر، حتى فوجئوا بالموائد المرصفة باللانغوست، والأبقار المشوية، والأغنام المحمرة، والدجاج وبيبي، والبسطيلة، وجبال الحلويات والفواكه، ليترك الإحساس بالكراهية أصابعهم ضاغطة على زنادات رشاشاتهم من فرط الغيظ، وهنا الميكيافيلية الكبرى لمن اختار هذه المناسبة، الكولونيل عبابو، الذي أخذ الترخيص الرسمي للقيام بمناورات عسكرية في بن سليمان، وعندما وصل إلى بوقنادل قرب الرباط، أخذ الضوء الأخضر من طرف ستة مسؤولين، لازالوا مجهولين إلى الآن، أتوا بسيارات عادية وأزياء مدنية إلى بوقنادل، وهم الذين أعطوا لعبابو الأمر بالانطلاق، حسب جميع محاضر استنطاق العساكر التي أنجزت بعد الهجوم.

وخيم على المصطاف سكوت مطبق، حيث كان الجالسون على الموائد وفوق الزرابي منشغلين باكتشاف ما سيتمتعون به من أكل وشرب، والأحاديث كانت تدور بهمس بين الضيوف الذين كانوا في أغلب الأحيان لا يتعارفون كلهم، إذ أن كل واحد كان يختار المائدة التي يجد بها مقعدا فارغا ليجلس فيه، ولكن أغلب النظرات المتبادلة بين الناس كانت مشحونة بالإعجاب الشديد لهذا الإتقان البديع وهذا التنوع المدهش، وقليل هم أولئك الذين كانوا يعرفون أنه، بالإضافة إلى أمهر الطباخين المغاربة والأجانب الذين يعيشون في القصر، فقد استحضر رئيس الطباخين أمهر رجال المطابخ العالميين الموجودين في مطاعم المغرب وأوطيلاته، وأن أغلب مطاعم الرباط والدار البيضاء كانت في ذلك الوقت تقدم لزبنائها طعاما باردا أو محضرا في الصباح الباكر.

ولكن الضباط والوزراء المحادين للملك والجالسين بالقرب منه، أو على الزرابي تحت الخيمة، يرقبونه ويحصون حركات المتحركين حوله، كانوا يتحدثون عن حادث غريب حصل في قصر الصخيرات نصف ساعة قبل أن يدعو الملك ضيوفه للأكل حسب التقليد.

ورغم أن الملك قرر أن لا يفتح المائدة إلا في الساعة الواحدة والنصف، فإن شخصا آخر سبقه إلى فتح المائدة في الواحدة بالضبط، ودعا بعض الوزراء والمدعوين لبدء الأكل، وفعلا بدؤوا في الأكل إلى أن أذيع بواسطة مكبرات الصوت في جوانب الصخيرات، أن حضرات المدعوين مدعوون لأن يتوقفوا عن الأكل حتى يفتح الملك المأدبة، وفعلا، توقف المدعوون عن الأكل ولم يعط الملك إشارة البدء إلا في الساعة الواحدة والنصف، حيث بقيت الأطباق التي ملأها بعض المدعوين مشحونة أمامهم وهم ينتظرون الافتتاح الملكي.

ويظهر أن هذه الهفوة، أو هذا السبق، ليس من عادات خدام القصر، وأنه لا شك أن هناك غلط وقع، كان التساؤل عن كنهه يهيمن على وجه الجنرال مولاي حفيظ العلوي، مدير التشريفات الملكية، والدكتور بنيعيش الطبيب الخاص، والذي لوحظ أن تقاسيم وجهه كانت عبوسة وهو يتبع الملك عندما جاء ليفتح المائدة، وفعلا كشفت الأحداث من بعد، أن قضية الترخيص بالأكل دون الأمر الملكي كانت داخلة في المخطط الانقلابي.

ولكن جو النهم ولذة الأكل وتنوعه غطوا على هاته الهفوة، وغرقت العيون في الصحون وكأن ذلك التوقف جاء مقصودا ليزيد من نهم المدعوين ورغبتهم في الأكل.

وامتلأت البطون، وكان جميع المدعوين قد أسرعوا بشكل خارق وكأنهم صبيان صغار أكلوا بسرعة وشره، وأخذوا يغادرون الموائد متأوهين متثائبين يمصون أصابعهم أو يمططون شواربهم وينقون أسنانهم، وبين الفينة والأخرى، يخرج بعضهم من جيبه سيجارا كوبيا ليشعله ويبدأ في نفث دخانه في الهواء.

وتحت الخيمة المجانبة للمائدة الملكية، أخذ كبار الشخصيات يتجمعون وكأنهم على موعد مع الشاي الأخضر المنعنع، وكان الحاجب الملكي علي بنيعيش، والدكتور الملكي بنيعيش، وغيرهم من هواة السيجار الكوبي، يوزعون السيجار بسخاء على بعض رفاقهم، حتى أصبح كل الذين تحت الخيمة جالسين أو متمددين وكل واحد في فمه سيجار طويل كالعكاز، فكان منظرا يدعو إلى الضحك، ولكن الوقت لا يسمح بالضحك ولا حتى بتبادل النكت، فقد كانت المائدة الملكية قريبة، وكان الوقار يهيمن على المائدة المجانبة والتي جلس فيها إدريس السلاوي، المدير العام للديوان الملكي، والدكتور العراقي الوزير الأول، والوزير الفرنسي كريستيان فوشي، والوزير التونسي الحبيب بورقيبة الابن، وبعض الشخصيات الإسبانية.

أخذ المدعوون يتشتتون في جوانب القصر طلبا للتحرر من جو الخيمة المشحونة بدخان السيجار، بينما أخذ البعض يبتعدون عنها ويقصدون الفسحة الكبيرة الموجودة على يسار المسبح، لتبادل الأخبار والأسرار والنكت، بينما هدأت مياه المسبح الزرقاء، وانعكست عليها، وكأنها مرآة مصقولة، خيالات الشخصيات المتهادية، وألوان الأزياء الصيفية الصفراء والخضراء والحمراء والزرقاء، وأصبحت صفحة المسبح كلوحة مرسومة متحدية في جمالها صفحة البحر الذي كان تحت المصيف مزمجرا مخلوض المياه، رمادي اللون، وقد علا صوت زمجرته محشوا بتكشير الأمواج وكأنها غاضبة لما سيحدث.

وأخذ بعض المدعوين الذين ألفوا إغفاءة ما بعد الغذاء، ينظرون إلى ساعاتهم وكأنهم يستعجلون الوقت، بينما أخذ البعض الآخر يتحدث عن طريق الدار البيضاء وحوادثها، والاصطدامات التي تعكر صفوها، ولكن أي واحد لم يجرؤ على الخروج، ثم إن الساعة لم تكن إلا الثانية وعشرين دقيقة، واليوم سبت، فلا بأس من البقاء، فربما كانت هناك مفاجأة أخرى في البرنامج.. مفاجأة.. ومن يدري..؟

لكن المقربين جدا للملك، كانوا يعرفون أن هناك مفاجأة، ولكنهم كانوا يحتفظون بهذا السر ويخفونه حتى عن المقربين الآخرين، فلقد سمع بعض المقربين الكبار أمس، أن الجنرال المذبوح، الرجل الأول في البلاط الملكي، قد وعد جلالة الملك بأنه يحضر لجلالته مفاجأة خاصة بمناسبة عيده الثاني والأربعين، ولكن الجنرال طلب من الملك أن يسمح له بالاحتفاظ بهذه المفاجأة إلى أن تحدث، ولا شك أن الملك نفسه ينتظر هذه المفاجأة التي لابد أن تكون سارة من أمين سره والرجل رقم واحد في بلاطه، لهذا لم يستطع المقربون للحاشية الملكية أن يذكروا للمدعوين شيئا عن هذه المفاجأة، بل بقوا هم أيضا ينتظرونها، ورغم فضولهم الكبير واطلاعهم الواسع، فإنهم لم يستطيعوا التعرف على مفاجأة الجنرال المذبوح، بل إن من بينهم من حاول تتبع حركاته وأوامره علهم يعرفون تفاصيل المفاجأة.. لكن دون جدوى.

ولقد زاد تأكدهم من صحة المفاجأة، عندما كانوا يتبعون الملك في الصباح وهو يلعب الغولف، ورأوه يتطلع مبتسما إلى الجنرال المذبوح حينما غادر حلبة الغولف وتوجه إلى سيارته الخاصة، وأخذ التلفون، وأخذ يتكلم..

 

يتبع

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى