روبورتاج

روبورتاج | شهادات صادمة لمتاجرة المختبرات والمصحات الخاصة في مرضى “كوفيد 19”

المستفيدون الكبار من ضحايا "كورونا"

كثيرا ما يحس الأشخاص المصابون بفيروس “كوفيد” بأعراض خفيفة في البداية، أو أعراض قوية متمثلة في الحمى والارتعاش وفقدان الشم والذوق، مما يدفعهم إلى اللجوء للمختبرات الخاصة قصد إجراء تحاليل “بي سي إر”، والتي غالبا ما تكون إيجابية في مثل هذه الحالات، لكن تأخر صدور النتائج، يجعل حالة المصاب تتطور لتصبح حرجة، خاصة إذا كان كبيرا في السن أو مصابا بمرض مزمن.
وفي هذا السياق، تقول فاطمة في شهادتها، أن والدها أصيب بنزلة برد خلال سفره إلى شاطئ مولاي بوسلهام، مما دفعهم لنقله إلى أحد الأطباء، الذي أكد إصابته بنزلة برد فقط، ومنحه بعض الأدوية، لكن استمرار ارتفاع حرارته دفعهم لنقله من جديد إلى الطبيب لمعرفة سبب تطور حالته، حيث طلب منهم إجراء اختبار للتأكد من عدم إصابته بفيروس “كوفيد 19″، مضيفة أنها فقدت والدها بسبب عدم نقله عند ظهور الأعراض الأولى إلى مستشفى عمومي أو مصحة، لعلاج حالته التي تطورت إلى صعوبة كبيرة في التنفس.
وتابعت وعلامات الحزن والحسرة بادية على وجهها، أنها فقدت والدها عقب عودته من رحلة استجمام، إذ تدهورت حالته، مما تطلب منهم نقله إلى المستشفى الإقليمي بسلا، بسبب معاناته على مستوى جهاز التنفس، معترفة بخطأ العائلة بعدم إجراء الاختبار عند ارتفاع حرارته، إذ كان من الممكن نقله إلى المستشفى لعلاجه من الإصابة.
كثيرة هي الحالات التي تعاني صعوبة في التنفس، حيث يقول سراج الدين، فاعل جمعوي في الدار البيضاء، أنه رافق عائلات إلى مصحات خاصة يعاني أحد أفرادها صعوبة في التنفس، حيث طلب منهم دفع مبالغ تتراوح ما بين 20 و30 ألف درهم، مقابل استفادة المرضى من الأوكسجين، وحالات لعائلات أخرى طلب منهم تقديم شيك ضمان أو مبلغ يصل لـ 40 ألف درهم.

الرباط. الأسبوع

المختبرات ومداخيل خرافية

    منذ أن قامت وزارة الصحة بتوسيع نطاق الاختبارات بفسح المجال أمام المختبرات الخاصة لإجراء التحليلات المخبرية للكشف عن فيروس “كورونا”، سيطرت هذه المختبرات على السوق ورفعت أثمنة الاختبارات إلى 700 درهم و1000 درهم، بحيث أصبحت مستفيدة من تزايد حالات الإصابات، خاصة في المدن التي تعرف توافد المئات لإجراء التحاليل بعد ظهور بعض الأعراض عليهم، أو بهدف الحصول على نتيجة سلبية للسفر إلى الخارج أو لمدينة أخرى قصد قضاء مآربهم.

وحسب مصادر مطلعة، فهناك مختبرات تطالب بعض المواطنين الذين ضهرت عليهم بعض الأعراض، بإجراء اختبار ثان وثالث في حالة ظهور النتيجة الأولى سلبية، مما يضاعف من مصاريف التحاليل، كما تطلب من المصاب إرسال الأقرباء والمخالطين، قصد إخضاعهم للتحاليل أيضا، والتي تكون بأثمنة تتراوح ما بين 600 و700 درهم، الشيء الذي يجعل هذه المختبرات مستفيدة بشكل مباشر من ملايين الدراهم خلال فترة الجائحة، بعد وصول الاختبارات للآلاف، إذ أن هناك مختبرات حققت مداخيل فاقت المليار سنتيم بعد رفع عدد التحليلات من قبل وزارة الصحة على الصعيد الوطني.

 مصحات تمتص دماء المواطنين

    بدورها، فرضت المصحات الخاصة قانونها المجحف في حق المواطنين، وفرضت على جميع المرضى بـ”كورونا” مبالغ خيالية تتراوح ما بين 6 ملايين و20 مليون سنتيم، لأجل العلاج داخل أقسام الإنعاش أو الاستفادة من الأوكسجين، رغم الانتقادات التي طالتها، والحالات التي وجدت صعوبة في ولوج المصحات بسبب الجشع والابتزاز وفرض شروط قبل العلاج.

لهذا ارتأى مواطنون لديهم الإمكانيات للاستشفاء في المصحات الخاصة، فسابقوا الزمن وصارعوا الظروف في أفق الظفر بسرير “كلينيك” ما، بيد أن ما واجههم كان مريرا، إلى حد لم تجد فيه إحدى السيدات حرجا لقول: “والله ما عرفت كيف تحولت قلوب بعض الدكاترة إلى مجرد عضلات جامدة خالية من أي شعور أو إحساس”، مبرزة أن أسرتها عانت كثيرا بسبب إصابة شقيقها البالغ 47 سنة، مع غلاء التحاليل المختبرية وقلة الاهتمام بمستشفى عمومي، أتى الدور على مصحة خاصة لتضيف الملح في الجرح، بحيث لم يدخر المسؤولون وأولهم المعنية بالاستقبال، أي جهد في التعامل بمنتهى العجرفة مع فرض شروطهم المادية المجحفة.

وتضيف المتحدثة بشكوى مريرة كيفية التصرفات التي صادفتها والتي كان حظها منها واقعا كلفها ما يناهز سبعة ملايين ونصف المليون سنتيم، وذلك حتى من غير إتاحة فرصة نقاش تفاصيل تبرير المستحقات “إن كانت فعلا مستحقات، ولو أنني أنظر إليها من زاوية السرقة الموصوفة”، تشدد المرأة.

بدوره، يقول عبد الرحيم، أن قريبه دفع حوالي 60 ألف درهم مقابل الحصول على الأوكسجين في مصحة خاصة، لمدة تتراوح 7 أيام فقط، ووجد صعوبة كبيرة في الدخول، حيث فرضت عليه إدارة المصحة تقديم شيك ضمان مقابل الحصول على سرير مع بقية المرضى، مؤكدا أن عائلته وجدت صعوبة في التفاوض مع المستشفى قبل خروجه، بسبب فاتورة العلاج التي فاقت في البداية 10 ملايين سنتيم، قبل أن يدخل معهم في صراع إلى أن تم التوصل لاتفاق بتسديد 6 ملايين سنتيم.

 

من المصحة إلى القبر

    حالات متعددة توفيت في المصحات الخاصة التي تطلب الحصول على الدفع المسبق قبل ولوج قسم التنفس أو الإنعاش، الذي أصبح السرير فيه يصل لـ 10 ملايين سنتيم، حيث يقول موسى، وهو ناشط جمعوي بالدار البيضاء، أن جميع المصحات تفرض على أسر وعائلات مرضى “كورونا” شروطها المالية قبل الحصول على سرير شاغر، وترفض شيك الضمان، مشيرا إلى أن حالات وفيات وقعت بالمصحات لمواطنين ضحايا “كوفيد” طلب من أهلهم دفع ملايين تتراوح بين 16 مليون سنتيم و20 مليونا.

وأوضح أن المصحات رفضت مقترح الوزير أيت الطالب، بتخفيض أثمنة الليلة الواحدة في زمن الجائحة، إذ ترى بعض المصحات أن هذه فرصتها لتحقيق أرباح مالية، بالإضافة إلى أن أقسام الإنعاش ممتلئة في المستشفيات العمومية، مما جعل الطلب يزداد على المصحات لطلب الأوكسجين، وهذا ما يدفع الناس للاستجابة لشروط المصحات قصد إنقاذ أقربائهم من الموت.

عبد الصادق، رجل ساقه قدره هو الآخر ليكتوي وأقاربه بنار أسعار المصحات الخاصة، عقب دخول والده مرحلة حرجة وهو الذي لا تفصله عن سن السبعين سوى ثلاث سنوات، وتفاديا لما هو أسوأ، كانت الوجهة نحو القطاع الخاص قائلا: “أولا، ما كيتكلموش معك إيلى ما ضمنوش فلوسهم ولو بشيك، زد على هذا أنك ماكتعرفش المقياس اللي اعتمدوه في تحديد قيمة الخلاص، عاد هناك الاستهزاء بنا على أساس أننا ماكنفهمو والو فالطب، وبالتالي، القرار لهم أولا وأخيرا، أما نحن فما علينا سوى الدفع”، وتابع بأنه فوجئ من وثيقة المطلوب منه تأديته، معللا استغرابه بأن ما حدد كأدوية فقط، بلغ 40 ألف درهم، ثم نصيب الأطباء الذي لم يقل عن 30 ألف درهم، إلى جانب فواتير “الراديوهات” (التصوير بالإيكوغرافيا) التي تخطى إحداها 2000 درهم، مشيرا إلى أنه فقد والده بعد مغادرته للمصحة بيومين فقط، حيث استفادت المصحة من الملايين وهم يعرفون وضعه الصحي.

اقتصاد القبور

    كثيرة هي الوفيات التي تحصل بسبب “كوفيد 19” أو لأسباب صحية أخرى، الشيء الذي يجعل الأهل والأبناء يفكرون في اللجوء إلى حفار القبور، قصد إعداد المثوى الأخير للهالك، ورغم تحمل وزارة الصحة لتكاليف الدفن بالنسبة لضحايا “كورونا” مجانا، إلا أن بناء القبر وتجهيزه يكون أولوية للحفاظ على هوية الهالك.

يقول الوزاني، يعمل حفارا للقبور منذ 35 سنة، أن الحياة في المقبرة شيء مختلف عن الحياة الاجتماعية العادية للناس، إذ يكون الحفار أمام مسؤولية كبيرة مع نفسه وتجاه الهالك، واصفا هذه المهنة بالشريفة، لأنها تحافظ على أسرار الموتى كيفما كانوا، وتجعل من المزاول لها شخصا اجتماعيا، قريبا إلى الموت في كل يوم وقريبا إلى خالقه.

ويؤكد أن القبر في المقبرة التي يشتغل فيها يوفر مجانا لعائلات الموتى، لكن هناك تكاليف تتمثل في الحجارة ومواد البناء، التي يجب على أهل الميت توفيرها، قصد بناء القبر قبل وصول الجثمان، مشيرا إلى أن بعض المحسنين يتبرعون ببعض مواد البناء والحجارة للفقراء الذين لا يستطيعون شراءها لتجهيز القبر.

من جهة أخرى، تقوم بعض الجماعات البلدية بفرض مبالغ معينة تتراوح ما بين 400 و500 درهم للقبر الواحد، وقد يصل بناء القبر إلى 800 أو 1000 درهم بين توفير مواد البناء ولوحات الغطاء الإسمنتية أو الحجارة، بالإضافة إلى رسوم الدفن، بينما يحصل حفار القبور على بعض المساهمات والتبرعات من أقرباء الموتى.

كثيرة هي المهن المرتبطة بالموت، فهناك من ينحت أسماء الموتى على الرخام مقابل 200 أو 500 درهم، وهناك من يبيع الحجارة التي تحيط بالقبر والتي تتراوح من 1000 إلى 1500 درهم، إلى جانب أشخاص آخرين يبيعون العطور وماء الورد والريحان والماء وبعض أنواع النباتات قرب المقابر.

فقد أصبح للمقابر اقتصاد خاص، حيث يلجأ بعض الناس إلى شراء قطع أرضية لدفن أقربائهم، أو الحصول على مساحة أرضية داخل مقبرة معينة خاصة بأفراد العائلة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق