الحقيقة الضائعة

الحقيقة الضائعة | مجزرة الصخيرات بين ترف القصر الملكي وتهافت المدعوين “الحلقة 11”

حتى لا ننسى.. الصخيرات المجزرة السياسية
 ((من المؤمنين رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه فمنهم من قضى نحبه ومنهم من ينتظر)) صدق الله العظيم.
يقول القيدوم الراحل أستاذنا مصطفى العلوي: ((وما كان لأحداث على مستوى خطورة هجوم الصخيرات أن تدرج في مسالك النسيان، دون أن نستخلص الدرس منها، وكان الملك الحسن الثاني رحمه الله، حريصا على إقبار أخبارها وأسرارها، تفاديا لاستمرار البحث عن دوافعها وأسبابها والمسؤولين عنها، بقدر ما يحرص كتاب “الصخيرات المجزرة السياسية” على استخلاص الدرس مما خطته دماء الضحايا، ودموع الثكالى على جبين التاريخ المغربي المعاصر.
فيما يلي، تقدم “الأسبوع” أقوى ما كتبه الراحل مصطفى العلوي عن محاولة انقلاب الصخيرات، عبر حلقات ضمن ركن “الحقيقة الضائعة”.
بقلم: مصطفى العلوي

كانت السيارات الفخمة المختلفة الألوان والأحجام، تعرج بحذر وأناة عند المدخل الجنوبي لقصر الصخيرات، حيث موقف رجال الدرك، مخترقة ذلك الممر الطويل المحفوف بأشجار الأرز والليمون، وعيون راكبيها تتقلب خارج مآقيها بحثا واستطلاعا، متفجرة بالفرحة، ناطقة بالانشراح، وتتجه أغلب السيارات إلى موقف يقع يسار الطريق شاسع كبير لا نظام به ولا ترتيب، بل بمجرد ما يلقى الموظفان المكلفان بتفحص ورقة الاستدعاء، يشير أحد الدركيين إلى راكب السيارة أن يتوجه نحو اليسار، نحو الموقف الذي شحن بالسيارات، وقليلة هي السيارات التي يسمح لها بأن تصل حتى إلى مدخل القصر، حيث ينزل ركابها سريعا، ثم يعود السواق بالسيارات إلى الموقف الأول، وهي الجزئية التي منعتني من حضور الحفل رغم توصلي بالاستدعاء، لمخلفات التعذيب الذي ترك في أقدامي أثارا تمنعني من المشي الطويل، فلم يكن لي سائق وكان على المدعوين بدون سواق أن يمشوا أكثر من مائة متر ما بين السيارة وموقع الاحتفال.

كان على جانبي الطريق المؤدية من المدخل الرئيسي لقصر الصخيرات إلى باب القصر، رهط من الناس مختلفي الأشكال منوعي الأزياء، فمن رجال درك إلى جنود تابعين للقوات المسلحة الملكية إلى خدم، إلى طباخين إلى موظفين ممن يعيشون في جنبات هذا القصر، وكانوا جميعا ينظرون باستغراب كبير، وقليل من السخرية إلى هؤلاء القادمين الممسكين في أيديهم بورقة بيضاء.

لقد كان منظرهم جميعا يدعو إلى الضحك، إن موظفي القصر وعساكره ومخازنيته بشواشيهم الحمراء، لم يألفوا رؤية هذه الشخصيات بزي النزهة، فقد كان مكتوبا في ورقة الاستدعاء: الزي الصيفي.

ورغم أن هذا الصباح من يوم العاشر من يوليوز لم يكن يمت للصيف بصلة، ورغم الغيوم المطبقة على السماء، فقد تسابق المدعوون في الأيام التي سبقت يوم الحفل، إلى تخاطف ما تبقى من بدل الصيف في متاجر شيكاغو بأحياء المدينة، وبعضهم صرف مئات الدراهم في بعض المتاجر من الدرجة الأولى، بينما نفذت كل أزياء الصيف الخارقة الأشكال التي ابتدعها الخياط الإيطالي سمالطو، الخياط الذي كانوا يتهافتون عليه، لأنه خياط الملك، رغم غلاء أثمنته. وهكذا كان خدم القصر وحشمه مدعوين عند مدخل القصر لمشاهدة أروع استعراض للأزياء الصيفية، وكثيرا ما ضحكوا على ذوي الكروش السمينة، وقد بدت أطراف الشحم متدلية من جنبات قمصانهم، أو عبر سراويل مؤخراتهم، بل هناك من سمح لنفسه بتعرية أجزاء من جسمه لم تر الشمس منذ سنوات طوال، فكانت مناظر مسلية انمحت معها شخصيات القادمين ومكاناتهم الاجتماعية، ولكن المدعوين سرعان ما يستقيم عودهم ويلقون نظرة إجمالية على مظاهرهم بمجرد الوصول إلى باب القصر، وهو عبارة عن باب خشبية كبيرة لا يقوى المرء على تفحص تفاصيلها، نظرا لكثرة الواقفين بجانبها من موظفين ومفتشين وضباط وجنود ومخازنية، وحتى كبار موظفي التشريفات.

لعل أول شعور يخامر المدعو لقصر الصخيرات في هذا الصباح الصيفي ذي السحاب الكثيف، بعد اجتياز الباب الكبير، المفتوح على مصراعيه، هو الاستسلام القصير للحيرة التي تخالج الفكر، بين التوجه إلى الجانب الأيمن أو الجانب الأيسر من هذا المصطاف الباسم المشراح، فبين الرايات المختلفة الألوان والمقاعد والموائد، وبين مئات المدعوين وعشرات الخدام الذين يوزعون كل أنواع المشروبات، وبين رجال الدولة والسياسة والدين والعلم، وبين الأجانب الرسميين وغير الرسميين، وبين السفراء والوزراء، يتركز الذهن قبل كل شيء على جزئيات هذا الموقع الجميل، الذي يحده من جانب البحر جدار زجاجي يحول بين رياح البرد ورطوبته، وبين الجو الحار الهادئ المهيمن على هذه الساحة البديعة المفروشة بالزليج، وعلى يسار المدخل ساحة واسعة وكأنها ملعب كرة تتوسطها شمسية كبيرة قائمة على أعمدة خشبية، وقد تراصت في ظلها عدة موائد وكراسي مملوءة بالزوار، وخلف تلك الشمسية تمتد الفسحة الكبيرة إلى أن تحدها سلسلة من البيوت الصغيرة تتوسطها دوشات المياه الباردة والحنفيات والمراحيض، وقد صبغت كلها بلون أزرق باهت واحتشد بها عشرات المدعوين يخلعون بها ثيابهم، أو يخرجون من دوشاتها للتعرض لشمس الساحة.

وعلى يمين المدخل، يمتد مسبح هائل واسع أزرق اللون عذب الماء، وقد تراصت حوله مقاعد مريحة تتخللها أجسام السابحين الذين يتمددون على جوانب المسبح بحثا عن الدفء، وما أحلى الاستحمام في مسبح عذب المياه على شاطئ المحيط الأطلسي وسط عالم من الكبار والعظماء وفي ضيافة ملك عظيم.

وتحتضن المسبح من الجهة اليمنى، سلسلة أخرى من البيوت الصغيرة التي يستبدل به المدعوون ثيابهم ويستحمون في دوشاتها، بينما تحتضن المسبح في الجهة اليسرى، أروقة صغيرة مغطاة وكأنها مقاعد صالونات تطل من خلال الحاجز الزجاجي على رمال الشاطئ، حيث تبدو من بعيد أمواج المحيط مزمجرة على غير عادتها في هذا اليوم من شهر يوليوز.

وعند اجتياز المسبح الذي يتوسط المصيف في موقع هندسي بديع، تقف العين عند باب زجاجي كبير مغلق يطل فيه كل المدعوين بلا استثناء، ليروا منظرا ألفوا رؤيته في الأفلام الإخبارية وفي الاستقبالات الرسمية لبعض الوفود الأجنبية التي يستقبلها الملك في الصخيرات، فهذه القاعة المغلقة مشحونة بالتحف والزرابي، ولكنها لا تعتبر جزءا من المناطق المفتوحة للمدعوين، نظرا لاختصاصها الرسمي، وبعد هذه القاعة مباشرة، نصبت خيمة ضخمة، فرشت بالزرابي فغطت جزءا هائلا من المصيف، وقد تمدد عليها الكثير من المدعوين الذين لا يسبحون ولا يتمشون، والذين غالبا ما يكونون من هواة الحلويات والمشروبات وكؤوس الشاي البلورية.

وعلى بعد بضعة أمتار من هذه الخيمة المترامية الأطراف، أقيم جدار عال جدا يفصل بين المنطقة المخصصة للمدعوين وبين الأجنحة المخصصة للملك وأفراد أسرته.

وحتى لا يظهر منظر ذلك الجدار مضايقا، ولا يفقد المصيف رونقه وجماله، فقد أقيم به مسرح عريض اصطفت عليه الفرق الموسيقية في وضع متناسق جميل، وقد ارتدى العازفون خلافا للمدعوين، لباسا قاتما وقد أشرفوا من منصتهم على المصيف البديع.

وعلى الجانب الأيمن لهذا الجدار، باب صغير جدا مفتوح لعموم المدعوين يخرجون منه للإطلال على الحدائق الجميلة البديعة ذات الألوان الزاهية والزرابي النباتية متحدية جو البحر ورطوبته، وفي هذه الحدائق، تفرق لاعبو الغولف يتعقبون كراتهم الصغيرة، لاهين عن كل ما يجري داخل القصر، مستغنين عن السباحة المريحة والحلويات والمشروبات.

وعندما يعود الزائر من حلبة الغولف إلى أحضان المصيف ومسبحه، وخيمته، ويدور بعينه باحثا عن أي شيء آخر، يشرئب فضوله نحو أدراج صغيرة متصاعدة على الجانب الأيسر للجدار الفاصل الذي أقيم عليه مسرح الموسيقيين، وعلى جانبي تلك الأدراج، اصطف الحرس الملكي يمينا ويسارا حول الباب الصغير المغلق عند أعلى الأدراج، إنه بلا شك الباب الذي يؤدي إلى أروقة الملك وأفراد أسرته، ويهيمن على هذا التوزيع المتقن بجوانب القصر ذلك البحر المزمجر، الراسي على بعد مئات الأمتار من الجدار الزجاجي للقصر والذي لا منفذ للمدعوين إليه، لأنه بعيد وتفصل بينه وبين المدعوين رمال كثيفة كلون الذهب، ولكنه طويل المسافة بينه وبين المدعوين، حيث أن القصر أقيم على ارتفاع شاهق من مستوى البحر، فيكتفي المدعوون بإلقاء نظرة من بعيد على البحر المزمجر الذي رست فوق صفحته المقابلة للقصر بارجة حربية مزينة بالأعلام تحف بها بعض الزوارق الصغيرة.

 قديما، كانت حفلات عيد العرش ملتقى للناس في قصر دار السلام، حيث كان الباشوات يوزعون بطاقات الاستدعاء على الأعيان، وفي أغلب الأحيان، كانت تلك البطاقات تباع حتى في السوق السوداء، لذا كان المدعوون خليطا من الناس على كل المستويات ومن مختلف الطبقات، يلتفون حول موائد الحلوى يشحنون بطونهم وجيوبهم ويعودون للمدينة فرحين بما آتاهم ربهم من كرم الملك وتفسح في قصره البديع.

ومنذ بضعة سنوات فقط، أصبحت الحفلات الملكية تكتسي طابعا آخر أكثر جدية وأكبر أهمية، إذ أن مصفاة التشريفات الملكية، لما هيمن عليها أكبر وأقسى مدير تشريفات ملكية في عهد الحسن الثاني، الجنرال مولاي حفيظ، أصبحت توزع استدعاءاتها عبر مقاييس مدروسة مضبوطة متناسقة مع الحاجيات السياسية والمخططات الحكومية والعلاقات الخاصة.

وهكذا كان الناس في ذلك الصباح الغائم من عاشر يوليوز، حوالي تسعمائة مدعو، كان هناك كل المجتمع المفكر، الذي له دور ما في الحياة السياسية أو الإدارية أو العلمية أو العسكرية.

وكان الإطار الظريف لقصر الصخيرات يسمح للوجوه أن تتبادل الاستبشار وللأحاديث أن تمازج الانشراح، وكثير من الوجوه التي لا تلتقي في الشارع أو يتفادى كل طرف منها رؤية الطرف الثاني، تراها هنا متبادلة لأحاديث وللكثير من الأسرار.. فالحكوميون يعتبرون باقي المدعوين من المرضي عليهم، والذين هم خارج الحلبة الحكومية، يعتبرون هذه فرصة للتقرب أو لحل المشاكل، ولتصفية بعض الأشياء أو للتشفي من بعض الناس.

فعلى الموائد المتراصة هنا وهناك، كنت ترى خليطا من السياسيين والعمال والضباط والوزراء.

وبجانب الممر الطويل المحاذي للجدار الزجاجي، كان علال الفاسي يبادل الدكتور العراقي بعض الأسرار، وغير بعيد منهم، كان مولاي أحمد العلوي يضحك على الطريقة التي يسبح بها سفير إحدى الدول، وكان الجنرال أوفقير يدخن السيجار الطويل بجانب الوزير العسكي، بينما اقتعد المجلببون جانبا خاصا بهم وكأنهم العدول في إحدى حفلات الزفاف، فكنت ترى القاضي جديرة يتمتم بعض الدعوات، بينما كان الفقيه الكردودي يرتشف كؤوس عصير اللوز.

ودخل أحرضان في حديث طويل مع الدكتور الخطيب، بينما استمر عبد الرحمان الكوهن يحكي للغزاوي آخر حكايات الدنمارك.

وفي جانب آخر، كان الشبان يتبارون في عرض قمصانهم “الهيبي” المزركشة وسراويلهم الملونة المقرططة.

وبين الفترة والأخرى، كانت الجموع تلتفت إلى الأدراج المؤدية للجناح المخصص للعائلة الملكية علهم يرون طلعة الملك، ولكنهم عادة ما يفاجؤون بضابط من المرافقين الملكيين أو وزير يعود من ذلك الجناح.

يتبع

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق