ملف الأسبوع

ملف الأسبوع | الأمن السياسي للمملكة يدفع إلى محاربة هيمنة السوق على الدولة

الطوارئ الصحية تفرض طوارئ اقتصادية

كان منصب الوزير الأول  لفترة يدور مع كريم العمراني حيث يدور المال القادم من الفوسفاط، ثم فصل الملك الراحل الوزارة الأولى مع عبد اللطيف الفيلالي  عن رجال الأعمال، ليقرر تسليمها في آخر حياته لوجه معارض، ليتواصل هذا النهج مع العهد الحالي، باستثناء ولاية إدريس جطو، الذي يرأس اليوم مؤسسة وسيطة إلى جانب مجلس المنافسة.

وقبل إعادة الهيكلة الأخيرة لمجلس المنافسة، عاشت المملكة مرحلة من التركيزات الاقتصادية بنت إمبراطوريات سطرت أخيرا السياسة المالية والاستراتيجية للمملكة، وصلت إلى حد إغلاق المحطة الوحيدة لتكرير النفط واستيراد هذه المادة الاستراتيجية، إذ انسحبت الدولة من قطاعات استراتيجية في مرحلة ما قبل “كورونا”، قبل أن تعود إلى تدبيرها.

وحاليا، يرغب الجميع في تخفيف تأثير الإمبراطوريات المالية، أو قوة التركيزات الاقتصادية على السوق السياسي والاجتماعي للمملكة، خصوصا رد الساكنة على أي فعل اجتماعي صامت وغير مؤطر ضد زواج المال والسلطة، كما حملتها شعارات حراك 20 فبراير.

تتمة المقال بعد الإعلان

ولا يختلف الشأن نفسه عن حراك الريف، وإن بشكل محلي، ولذلك، فإن إعادة هيكلة مؤسسات الوساطة بعد هذا الحراك في شمال المملكة، جاء رسميا لاستعادة دور هذه المؤسسات، وأيضا تعزيز المراقبة البنيوية، وليست “السلوكية” لأشخاص وأصحاب شركات متهمة بتركيز الثروة في الجهاز التنفيذي.

وخص مجلس المنافسة جزء من مقاربته إلى جانب المجلس الأعلى للحسابات، من أجل “المعالجة المؤسسية” لانحرافات مسيسة.

وقد تؤدي هذه الروح إلى فصل الأحرار عن الشركات وتقليص دور الأعيان في المشهد الانتخابي لسنة 2021، خدمة للأمن السياسي للمملكة، وسيكون إبعاد تأثير الإمبراطوريات المالية عن السياسة العامة، ضمن “القدرة الضرورية” التي يجب على المملكة التحلي بها لمواجهة ما بعد “كورونا”.

 

تتمة المقال بعد الإعلان

أعد الملف : عبد الحميد العوني

+ التركيزات الاقتصادية سرطان صامت

    جاء قرار تأطير عمل مجلس المنافسة نحو التدخل، لتقييم بيئة السوق والحيلولة دون تشكيل أو تعزيز وضع مهيمن.

ورفض الهيمنة في السوق الاقتصادي يقلل الأثر السياسي للرأسمال ومن ثم المال في السياسة، ولذلك، فإن الدولة ترفض:

1) التركيز الحزبي عبر قرار الداخلية تغيير طريقة احتساب الأصوات في الانتخابات القادمة، وهو ما يساوي رفض التركيز الاقتصادي.

2) أثر التركيز المالي على السياسة، والجهاز التنفيذي الذي سيطر عليه رجال الأعمال والتكنوقراط المناصرين لما يسمى عند المعارضين بالليبرالية المتوحشة.

ويحاول المغرب البدء بتحويل اقتصاده إلى “اقتصاد اجتماعي” في إطار دولة القانون.

وأمام ما أحدثته “كورونا”، صار واضحا أن الدولة تدخلت أكثر من مرة لاستعادة التوازن إلى قطاعاتها الحيوية، لأن تركيزاتها الاقتصادية سبب عجز البعض عن المواكبة.

ولمنع التركيز الاقتصادي، لا بد من منع التركيز الحزبي والسياسي من جهة، وفصل التركيزات الاقتصادية عن السلطة من جهة ثانية، كي لا تصبح كواليس القرار أكثر تعقيدا، وقد اتخذت الدولة قرارات جذرية، منها وصول التغطية الصحية والتقاعد لكل المغاربة بدون استثناء، وهو أمر قد يعطي للديمقراطية الاجتماعية بعدا جديدا لها في المغرب.

وتبعا لفصل التركيزات الاقتصادية عن السياسية، فإن: تمثيل سوق التأمين والشركات المالية بالوزير العلمي، وتمثيل البترول بأخنوش، لا يمكن أن يكون خيارا مفهوما في حكومة 2021، خصوصا وأن تعويض رجال الأعمال لـ”رجال الدين” غير مقبول على المستوى الشعبي.

ويبقى هذا التصور العام خاطئا إلى حد بعيد، فليس هناك حزب ديني، ولا “رأسمال سياسي” للأحزاب، كما لا سياسة حقيقية للرأسمال.

وتبعا لهذه الخلاصة، فإن الدولة اتجهت لمعالجة نقط ضعفها قبل أي شيء آخر، لأن بقاء الوضع القائم لن يكون ممكنا بنفس المسار الذي سلكه المغرب منذ ستينات القرن الماضي، وإذ لا يزال هو سلوك الدولة حاليا، فالجميع يؤكد أن شروطا جديدة لاستمرار “الاستقرار” ما بعد “كورونا”، يفرض “تعاونا واسعا” بين القادة والقواعد على صعيد الأحزاب، وأيضا بين القطاعات، لأن التضامن الذي أبدته الدولة لإعادة إنعاش الاقتصاد، قد لا يعيد بعض القطاعات إلى العمل.

وانطلاقا من هذه الاستراتيجية الوقائية لمنع التركيزات الاقتصادية، فإن الأمر يتعلق أساسا بـ:

1) عدم وجود تركيزات مرفوضة، حسب إحاطة مجلس المنافسة.

2) عدم وجود تركيزات اقتصادية بتعهدات، ولذلك، فإن كل التركيزات في المغرب، هي بالأساس ناتجة عن حرية السوق وحرية تعاملاته بشكل متطرف.

لقد قاد السوق الدولة المغربية قبل “كورونا”، لكن الدولة تفكر حاليا في أن تقود السوق، لأن التطرف الناتج عن تحكم السوق ورجاله في الحكومة والشأن السياسي، قد يفضي إلى صعوبات متوقعة ضمن 53 قرارا في سنة 2019، فليس هناك تدخل واحد استباقي.

وبناء عليه، فإن هيمنة السوق على الدولة يحمل أبعادا واسعة، منها:

1) التحكم في السياسة المالية انطلاقا من حرمان حزب رئيس الحكومة من الوصول في ولايتين إلى توزير واحد من هذا الحزب في وزارة المالية.

2) القدرة على فرض واقع اقتصادي على الشعب بديناميكية متحكم فيها.

لذلك، فإن فصل الأحزاب عن هذه التركيزات التي تحولت إلى لوبيات، مسألة حيوية لضمان استمرار سير الدولة، وقد نجحت في إعادة صياغة أهدافها، بتحويل الاستثمارات إلى صندوق سيادي.

ويلاحظ الجميع كيف ذهب المغرب من صندوق “كورونا” إلى صندوق “الاستثمار الاستراتيجي” في إطار واحد يؤكد على قدرتين:

ـ العمل من خلال حسابات خصوصية توازي حسابات أخرى لهولدينغات أطراف استثمارية نافذة، فهناك استثمارات محمية ومراقبة، وأخرى غير متعهد بشأنها فتنشأ تركيزات عن ذلك، وفي لحظة حاسمة، يتوقع الجميع قدرة الدولة على فصل لوبياتها عن أحزابها لإعادة تنظيم هيكلتها في اقتصاد ما بعد “كورونا”.

ـ الانخراط في معالجة الانعكاسات، وفي قطاعات دفعها الانكماش إلى السكتة القلبية.

 

+ التركيزات الاقتصادية لن تتكيف مرة أخرى على أساس “الاندماجات” المقبولة

    إن الهولدينغات النافذة تأخذ مكانها في القرار السياسي، ويصعب الاستمرار في نفس السياسة، لأن المغرب لا يطرح أي مشكل على مستوى رقم المعاملات الوطني، لكن الدفاع، من باب السياسة، على تركيزات اقتصادية، يعد معضلة، وستتواصل إن لم تسلك الرباط نهجا جديدا في قراءة وضعها الاقتصادي المبني على اقتصادات المساعدات وليس المبادلات، فالصعوبة مزدوجة: الجفاف و”كورونا”، وحيث يصير تموين السوق الداخلي صعبا، فإن دعم القدرة الشرائية للحفاظ على التوازنات، يشكل صعوبة إضافية.

وبناء على ذلك، لم تعد أموال الدولة هامشا كما عليه الأمر سابقا، لخلق الأرباح بالنسبة للخواص، وبالتالي، فإن على القطاع الخاص ألا يضغط أكثر على ميزانية يجب أن توجه إلى الفئات المتضررة.

وقد تزيد نسبة التركيزات مستقبلا، لأن الاستثمارات ستقل في هذه الأجواء، وسيكون الأمر متعلقا باستغلال الظروف الحالية التي لا تسمح بالأرباح المتطرفة الارتفاع.

ومن الواضح أن تقليل أثر التركيزات الاقتصادية، ضروري في الساحة السياسية على صعيد قادة الأحزاب المؤهلة قانونيا ودستوريا لقيادة الحكومة.

واليوم، على رأس هرمية الجهاز التنفيذي الممثل في المجلس الوزاري، توجد نصف الثروة المغربية، من الاستثمار المالي والبترولي والاستثمارات الخاصة الاستراتيجية، بما فيها الاستثمار الخارجي في إفريقيا.

ويبدو أن استثمارات الهولدينغ الملكي ابتعدت عن جر الدولة إلى أهدافها، خصوصا في إفريقيا، وأيضا الشأن بالنسبة لشركة “سهام” مع الوزير العلمي، وهناك إرادة لتسوية ملف المحروقات عبر مجلس المنافسة، كي يبتعد الوضع عن التأزيم والتأزم، ليكون القرار في هذه الحالة، وفي غيرها، مؤهلا لإبعاد تأثير التركيزات الاقتصادية عن توجيه السياسة العامة.

وبناء على ما سبق، لا يمكن في ظل تهميش إضعاف مقصود للأحزاب وتقديم تمثيل الرساميل ورجال الأعمال والأعيان في الحكومة، سوى الابتعاد عن بناء اقتصاد مأزوم يواجه الأزمة الاقتصادية التي ستتحول إلى أزمة سياسية.

ولن تكون الأمور على سابق عهدها، إذ قد تتطور الساحة إلى مطالب جذرية، وما تقوم به الدولة حاليا من الاستجابة لمطالب قطاعية وشاملة تمس كل المغاربة، فيه إبعاد لسيناريوهين:

1) صدام ضحايا الأزمة البنيوية بضحايا الأزمة الاقتصادية لـ”كورونا”.

2) الصدام العام انطلاقا من تمييز هولدينغات عن أخرى، بالقول أن هذه شركات كبرى تحكم وأخرى محايدة ومهنية، ولذلك، فتراجع الرأسمال عن المشاركة في الجهاز التنفيذي، ضرورة استراتيجية كي يتوقف التدهور.

ذلك لأن المراقبة حاليا تجمع بين مصالح الحفاظ على النظام التنافسي، على صعيد الشركات، وأيضا الأحزاب، وأخيرا الطبقات الاجتماعية.

وعلى هذا الأساس، فإن قدرة الحكومة على مواجهة أي أزمة من الأزمات، أمر غير متوقع إلا من خلال استعادة النظام العام لتوازنات كل مصالح المتدخلين، ويبدأ هذا الوضع بفصل الرأسمال عن السلطة، وتمكين السلطة التنفيذية من القيام بتدخلها “الإنقاذي” الذي ظهر فيه القصر أكثر لجما للوبيات الاقتصادية، كما لا يرغب في هذه المرحلة في اللوبيات الشعبوية، ولذلك، فالخيار القادم ليس حزب العدالة والتنمية، ولا حزب الأحرار.

+ حزب العدالة والتنمية يدافع عن “التركيزات السياسية”

    سيكون الوضع أصعب مما هو عليه الآن كلما ذهبت الدولة نحو تحويل الأحزاب إلى لوبيات مصلحية تمثل مصالح الرأسمال في الحكومة.

ومن نافلة القول تجريب قدرة الدولة في طوارئ اقتصادية ناتجة عن طوارئ صحية، لأن أثر “كوفيد” والجفاف معطلان حقيقيان للتنمية البشرية التي تفرض أسبقيتها على أي تنمية أخرى.

إن التدخلات المتكررة التي ستكون واسعة، ولقطاعات حساسة، ستعمل على تأجيل الأزمة إلى 2021، ولكنها لن تحسم الانتخابات القادمة، لذلك، فربح الأمن العام هو الأهم في هذه الظرفية الصعبة.

وباختيار الدولة أن تفرض أجندتها في مقابل اللوبيات الاقتصادية والسياسية على حد سواء، سيرى الجميع أن النظام السياسي يقدم سبب وجوده على تشكيلاته.

لذلك، فإن إبعاد الوزراء المتورطين في تركيزات اقتصادية، هو ضرورة لحياة النظام السياسي والدولة، وكذلك الشأن مع باقي الترتيبات التي يمكن القول معها:

1) أن الأزمة قد تدفع الخواص إلى المساهمة في الرأسمال الممثل في الحكومة، لأن التركيز الاقتصادي يصل إلى 44 حالة في مقابل حالة واحدة في إنتاج المقاولة أو اقتناء الأصول، أو إحداث مقاولات مشتركة، وهكذا قد تذهب رساميل نافذين لمجرد أنهم في الحكومة، وهكذا تتوسع ثرواتهم تحت حماية الدولة في ظرف قاس، والمخيف، هو أن يستغل الرأسمال الممثل في الحكومة أزمة “كوفيد 19” في تأمين وتجميع الأموال، وإن بطرق مشروعة، لمجرد طلب الأمان.

وسيكون مهما التدخل لوقف هذا الاختلال، من واقع وصول اثنتين من المنشآت إلى ما يعادل 250 مليون درهم، ويعتقد بعض المحللين، أن تحريك هذه المسطرة ممكن في حال فصل توزير أصحاب الشركات الكبرى عن الحكومة ليس قرارا ضد طرف معين، وإنما للحفاظ على استقرار المملكة في اقتصاد ما بعد “كورونا”.

2) أن الرأسمال الممثل في الحكومة، ممثل في مجلس المستشارين، ولا يمكن في كل الأحوال “تحزيب الشركات”، ولأنها ستكون بمثابة طاعون، فيمكن للرأسمال أن يختار من يمثله، ولكن لا يمكن من جهة ثانية، أن يطوع خدمة الدولة لهذا الرأسمال.

نعرف جيدا أن تحريك تضارب المصالح قاعدة قد تخرج المغرب من أزمته لما بعد “كورونا”، وقد يرى الوزيران، أخنوش والعلمي، أنهما مقصودين، لكنهما يؤطران قرار الدولة حاليا لإعادة:

1) القدرة الشرائية إلى مستوى يسمح لها بالأرباح.

2) القدرة الاستثمارية لباقي الرساميل، من أجل عمل غير تقليدي لعودة الدورة الاقتصادية إلى الإنتاج، وسيكون الوضع دقيقا كلما بقي الوضع على ما هو عليه، أساسا بالنسبة:

أ) للقدرة السياسية لرجال الأعمال والرأسمال في الحكومة، فإنها ستدفع الأمور إلى توازن مطلوب أو خسارة مؤكدة.

ب) للقدرة الحزبية التي بلغت مداها بتعيين وزير سابق (مزوار) على رأس الباطرونا قبل أن يقدم استقالته، لأن وزير الخارجية السابق لم يفرق بين عمل الوزارة وعمل الشركات وتنظيمها (الاتحاد العام لمقاولات المغرب).

+ منع تمثيل التركيزات الاقتصادية في حكومة ما بعد “كورونا”، قرار استراتيجي لأمن الدولة المغربية

    يعرف الجميع أن كل الدورات الانتخابية السابقة كانت تحت تأثير المال، وأقصى المغرب تمثيل دورة المخدرات والمال القذر ودخول البرلمان، دون أن يسمح له بالدخول إلى الحكومة، لكن دورة الاقتصاد المهيكل هيمنت على القرار الحكومي، من الفوسفاط والصيد البحري وقطاعات كثيرة، قبل أن تنتهي الحكومة الحالية إلى قطاع الطاقة البترولي والتأمين.

وتجد المرحلة النموذج في عثمان بنجلون وليس أخنوش، انطلاقا من مساهمة الأول في كل المشاريع الاستراتيجية للدولة دون أي تأثير على القرار الحكومي إلا بما ترتضيه المشاورات، وليس المشاركة في بلورة القرارات الحكومية.

عثمان بنجلون النموذج المرغوب فيه

+ عثمان بنجلون هو النموذج الذي ترغب فيه المملكة في مرحلة ما بعد “كوفيد”، إذ يشارك في الأوراش الكبرى دون التأثير السياسي على الأحزاب أو “تحزيب الأبناك” وقطاع التأمينات

    إن محاولة الوصول إلى تسوية جديدة مع رجال الأعمال ومراجعة تأثيرهم السياسي في مرحلة ما بعد “كورونا”، يعني ببساطة أن القدرة على خدمة التوجهات الكبرى هي التي تعمل عليها أطراف اللعبة، وأن التأثير السياسي للتركيزات الاقتصادية يجب أن يأخذ بعدا أقل من السابق، لخدمة التوازنات الجديدة.

وحاليا، ليس هناك بحث عن نمو اقتصادي، بل عن عدم الانزلاق إلى القاع، واستراتيجية الخروج من الانكماش الاقتصادي، لها ما بعدها، وبالتالي، فإن الأهمية البالغة لمراقبة حجم رؤوس الأموال ومبلغ المعاملات المتعلقة بعمليات التركيزات الاقتصادية، هما العاملان الرئيسيان اليوم، لكن الجانب الثالث، يتعلق بمراقبة المعاملات المتعلقة بعمليات التأثيرات السياسية لهذه التركيزات.

ومجرد الدخول في هذه العملية، يلغي دور أخنوش والعلمي، رغم أن حضور الكفاءة، وقد يجعل خسارة رجال إدارة شركات ناجحة مؤثرا بدوره، لكن مع كل ذلك، يصعب من الآن التفكير في بديل ناجع بالنسبة لدولة آلفت العمل مع أرباب الشركات الكبرى وقادة الأحزاب الكبرى.

وتبقى دائرة الاهتمام مؤسسة على “إخضاع عمليات التركيز الرأسمالي للفحص”، وهو الاصطلاح الأقل قوة، وربما يراه البعض ضمن التركيزات الاقطاعية للمال والثروة، لأنها غير مبنية على عقيدة الإنتاج الصناعي، بل على التوريد التجاري والاحتكار والتركيز، وهي آليات مستخدمة تؤسس أمرين:

ـ إعادة تقدير الأثر السياسي للمال في الانتخابات والرأسمال في الأحزاب.

ـ إعادة ضبط تمويل الأحزاب وصرامة المساطر بهذا الخصوص.

وسيشكل فوز أخنوش برئاسة الحكومة القادمة فارقا، وربما يمكن اختيار الرجل الثاني: العلمي، كجزء من مخطط يذهب بعيدا في “رسملة الاقتراع والصوت الانتخابي”.

+ قيادة رجال الأعمال لمرحلة ما بعد “كوفيد” تعتبر خسارة في حد ذاتها

    لا يمكن أن يكون التركيز السياسي الذي تحاربه الداخلية، مجرد تكريس للتركيز الاقتصادي، فإما أن تحارب الدولة التركيزات الاقتصادية والحزبية على حد سواء، أو تذهب الأمور في الاتجاه القديم، لذلك فقدرة الوضع العام على تحمل تركيزات مالية واقتصادية في عهد ما بعد “كورونا”، ضعيفة إلى حد بعيد.

وأي دراسة معمقة ستجعل هذه النتيجة واضحة، فلا يمكن للمغرب أن يبقى أقل عمقا، وينكشف كما حدث مع “كورونا”، فالكل حاليا يعترف بصعوبة “قبول ما عليه الوضع الحالي”، لذلك، فالبحث عن “النجاعة السياسية” بعد النجاعة الاقتصادية، قضية طليعية غير قابلة للتشكيك.

ولم يعد الأمر مقتصرا على نموذج دخل في هامش التشكيك، وبشكل رسمي، بل

إن مخارج الحراك الاجتماعي ظهرت في الحسيمة وجرادة، وبرزت بعد ذلك أكثر وضوحا، وبالتالي، فإن القدرة على الدخول في نموذج تنموي جديد، لن يكون:

1) بفصل التنمية السياسية عن الاقتصادية.

2) بفصل الانتخابات عن المال والرأسمال.

وبدون هذين الشرطين، سيدخل المغرب في سياسة للتقويم الهيكلي اضطرارا، فإما أن تكون الإصلاحات “إرادية “، وهناك فرصة لذلك، أو يتأهل الرأسمال لحكومة ستقود هذه الإصلاحات، وإلا سيتوقف تمويل الميزانية.

وسينجو المغرب بكل تأكيد، من هذه التعقيدات، إن تقرر إبعاد خياري “رجال الأعمال”، و”ولاية ثالثة لحزب العدالة والتنمية”.

ويصعب إنتاج حكومة وسط بعيدا عن الخيارين، لأن الظروف لا تسمح بشكل واسع بهذا الخيار، لكن رفع وعي الناخب وإكراهات المرحلة، هما ضرورة لإنتاج حكومة تواجه التحدي وتدعمها كل الأحزاب، لتجاوز المأزق الحالي، فإرث الحكومات معقد، لذلك، جاءت رسالة بنشعبون باسم دوائر القرار بخطوط حمراء، منها عدم نبش ماضي كل الحكومات أو تحميلها أي مسؤولية.

الأزمة في المغرب بدون أب شرعي، والإجراءات التي تفشل في المستقبل، هي ناجحة بدعاية اليوم، إذ لديها أكثر من أب حاليا، ولذلك، فإن حكومة 2021 لن تكون عادية، وإن جرى الاختيار على أساس مواصلة تحالف رجال الأعمال والحساسية السياسية الأولى القادمة من صناديق الاقتراع.

ولفترتين، فشلت تحالفات المحافظين الاجتماعيين والدينيين، بخروج حزب الاستقلال من حكومة بن كيران، وفشل تحالف رجال الأعمال والحزب الأول في ولاية بن كيران الثانية، وحرم رجال الأعمال بن كيران من مواصلة مهامه رئيسا للحكومة، وحاليا، لن يكون اتفاق آخر للتحالف إلا بعد الانتخابات، لأن هذه الفئة ودوائر القرار تخاف التركيزات السياسية، لكنها من جهة أخرى، لا تتقدم عن غيرها إلا بـ”التركيزات الرأسمالية” أو الاقتصادية.

وسيكون الأمر صعبا على دوائر القرار التي تريد الخروج من المأزق الحالي الذي تسببت فيه “كورونا” دون الوصول إلى محاسبة شعبية عن السياسات التي جرت، خصوصا وأنها داعمة للتركيزات الاقتصادية، و50 في المائة مما يعرض على مجلس المنافسة يتعلق بالتركيزات في حدود 100 جلسة عام 2019.

ومعروف أن قضايا فيها أطراف نافذة لا تعرض، لأن تحريكها له ثمن، خصوصا ما اتصل منها بمال المخدرات ومافيات العقارات، وتجارة الرقيق الأبيض.

وما يفيد ضرورة تحرير الانتخابات من هذه اللوبيات، أن قدرة المملكة لن تتحرك إلى الأمام دونا عن اتخاذ قرارات صارمة.

+ لا بد من إنذار الشركات التي حولت أحزابا إلى لوبيات

    إن مراقبة الشركات التي تتدخل في الانتخابات أو التي حولت أحزابا إلى لوبيات، ضرورة الحكامة، وفي الحالتين، فإن الأحزاب التي تحولت إلى شركات تطمح للفوز برئاسة الحكومة، يطرح نفس السؤال.

كل شيء اليوم يتجاوز ما هو مطروح، ويستقبل بديلا سيكون بنموذج تنموي جديد هو “أجندة الحكومة القادمة”، ولا تكمن أي مبالغة في جعل الحكومة لرجال الأعمال تطبق “الأجندة الاجتماعية”، يعد انتصارا لدوائر القرار.

ولم يعد من الممكن الأخذ بناصية العمل الحزبي خارج الأطر المعهودة لأحزاب بدأت قبل الاستقلال، وناضلت وشاركت في حكم المغرب بنصيب قليل أو كثير، لكنها أسست للعبة الحالية، واختيار فئة رجال الأعمال لعزل، أو على الأقل، تخفيف الهاجس السياسي، هي وجهة نظر.

وبناء على كل المستويات والآراء، هناك ميل للاعتقاد بصعوبة إدارة رجال الأعمال أو التكنوقراط للحكومة القادمة.

وتريد أحزاب أن تعطي الشرعية والتأييد لبعض الأسماء ـ المفاتيح في حكومة 2021، من خلال اختيار استراتيجي لها لإنتاج وضع جديد.

ويعرف المتابعون، أن قدرة الأحزاب على إعطاء بدائل لن يكون حقيقيا، وقد وجدت الدولة في أوراق الأحزاب حول النموذج التنموي ما يكفي لقياس أفكارها واستراتيجياتها ونظرتها العامة لحل المشاكل، فيما كان الواجب في هذا الاستقصاء، التوصل إلى أمرين:

ـ القدرة على بناء منظومة جديدة للحكامة، كي يتجاوز المغرب “مسألة الحكومة” بعد “مسألة الحكم” التي تطاحن لأجلها 40 سنة دون تسوية حقيقية.

ـ تجاوز الفراغ السياسي الحالي.

وتبعا لذلك، فإن دوائر القرار أصبحت مضطرة لتجاوز “الانكماش الاقتصادي” والعمل بطريقة مختلفة.

وتفصيلا، فإن هناك إعادة توجيه يتجاوز الأحزاب ويذهب باتجاه المجتمع المدني الذي دمرته أزمة “كورونا”، والمجتمع السياسي، انتهى بعد جعل الأجندة الاجتماعية، أجندة دولة.

ولا يمكن لخصوم المقاربة الاجتماعية، إدارة هذا التحول، ويرغب الليبراليون المتطرفون في “عرقلة الأجندة”، لأن تجاوز الانكماش الاقتصادي يبدأ بتعزيز الواردات، وخفض الدرهم مقارنة مع الدولار، وهذا ليس واردا عند المغاربة، الذين حصنوا عامل الدولة، بفعل صراع محموم مع اليسار جعل الرغبة قوية في قيادة القصر، إذ لن تسمح هذه الإجراءات بتركيز القرار السياسي عند طرف محدد، قد تجعل قراره في الخارج، وتابعا لدوائر عالمية.

إن انفتاح المملكة، كما يظهر، محسوب، وحاليا، تحاول المملكة رفض التركيز الاقتصادي، وعدم تسييس هذا التركيز، وكذلك الشأن مع باقي المتدخلين على أساس تعزيز الدولة:

1) لضمان الالتقائية والتكامل بين أنظمة الأحزاب من مواجهة السياسة والشركات، وفي الجانب الاقتصادي، كي لا تكون إمكانية الوصول إلى توازن بين الشركات السياسية التي تحولت إلى أحزاب، والأحزاب الوطنية تحولت إلى “شركات سياسية” فتحول الجميع إلى لوبيات جعلت النظرة واحدة.

2) لتحسين الأداء والموقع السياسي للأحزاب، من واقع أن الأحزاب الكبيرة رفضت تغيير مؤشر القوة، ولذلك، فالحرب بدأت على عبد اللطيف وهبي في حزب الأصالة والمعاصرة، ويعد العثماني آخر رئيس حكومة لحزب العدالة والتنمية، حسب تقارير حساسة أجنبية.

تدبير الأحزاب كشركات خاصة، مسألة واضحة، وقد ساهم فيها القانون المنظم للأحزاب، لذلك، فالحزب يفكر تحت سقف الوزارة الوصية، وغير مؤهل أن يديرها أحد الأعضاء، وتبقى هذه الإمكانية مجرد خيال يتوهمه البعض.

+ الدولة تحارب التركز وترفضه حزبيا واقتصاديا الآن، بما يمنع إعادة إنتاج المشهد الحالي بعد 2021

    لقد قررت الدولة، على الأقل كنوايا وأهداف، أن تحارب التركيزات الاقتصادية(1) تماما كالتركيزات السياسية والحزبية عبر القرارات الأخيرة لوزارة الداخلية.

وقد لا يبقى المشهد خاصا بتنافس الأحزاب، بل أيضا بإبعاد “تكلس القيادات”، ففي بعض الأحيان، تبدو الأمور أعقد مع رجال أعمال يقودون، لأنهم يرغبون في الربح دائما.

ويجب أن تدار الأمور بهامش مناورة واسع، كي لا تصنع الإمبراطوريات والشركات الكبرى أحزابا ناطقة باسمها، ففي هذه الحالة، سيصبح الأمر خطيرا على الأمن السياسي للدولة المغربية.

وقد باشرت المملكة تعاطيها مع ملفات “مجمدة” بعد تعيين إدريس الكراوي على رأس مجلس المنافسة(2)، لوقف الجشع الاقتصادي والاحتكار، لذلك، لم يعد ممكنا الوثوق بالسماح لـ”الفلاح الكبير” بالاحتكار بطرق مختلفة(3)، كذلك الشأن مع امتلاك وزيرين ورجلي أعمال، العلمي وأخنوش، لوسائل إعلام(4)، ويكون من الطبيعي أن يعمل هذا التوجه الذي لا يختلف فيه أخنوش والعلمي، لأنهما “رجال أعمال” في النهج الواحد، فمستقبلهما واحد، وليس من الغريب أن يحدث “تحالفهما”، وبالتالي، فهما يشكلان تركيزا سياسيا مفرطا في الأحرار، ولحزب الأحرار على باقي الأحزاب.

+ التركيز السياسي الذي يمارسه أخنوش والعلمي على حزب الأحرار، ويمارسه حزب الأحرار بدوره على باقي الأحزاب، يدفع الجميع للتساؤل عن قدرة هذه الخطوات الرسمية للشروع في رحلة جديدة

    إن أي سيطرة للإمبراطوريات المالية في المغرب على الانتخابات، سيكون تحولا سلبيا، لأن رجال الأعمال لديهم سلطة المال، والفساد الانتخابي وشراء الأصوات، وهو جزء من اللعبة المغربية لفترة ليست بالهينة.

قد تعود الأمور إلى سابق عهدها، خصوصا وأن تحالف المال والسلطة ظل تاريخيا تحت داخلية البصري، وقد احتوى النخبة، ولا ترغب داخلية لفتيت في أكثر من ذلك، لأن هذه النخبة تلجأ إلى أحزاب نخبوية، ولا بد من تمثيل هذه الشريحة، بعد انسداد قنوات التواصل مع فئات مؤثرة.

الأزمة في “كوفيد 19” تجعل بيع الأصوات شيئا عاديا، لكن رجال الأعمال الكبار، وليس أصحاب الثروات الوسطى، هم القادرون، نظرا لظروف مقاولاتهم، على التأثير ودفع العاملين في شركاتهم إلى صناديق الاقتراع.

+ عدم تفكيك تأثير الإمبراطوريات المالية على الانتخابات سيؤثر أكثر على المشهد، لأن التخوف قائم من استشراء ظاهرة شراء الأصوات في الوضع الاقتصادي الهش الذي سببته “كورونا”

    تدبير العملية الانتخابية على أساس السماح للداخلية بكامل إدارتها، وهي المشرفة على ميزانية التنمية البشرية، قد يخلق اتفاقا جرب المغاربة عدم نجاعته.

وحاليا، أي تحالف بين رجال الداخلية ورجال الأعمال لإدارة انتخابات 2021، يرفض استقرار الوضع القائم، أو استغلال أي طرف للهشاشة الاقتصادية من أجل التأثير السياسي على الأصوات، ومثل هذه العملية موجودة، وقد تتفاقم الوضعية إن لم تكن هناك إجراءات وتحالفات تسمح بالوصول إلى استقرار اللعبة في مرحلة ما بعد “كورونا”.

 

هوامش :

  • Les décisions de concentrations économiques au titre de l’année 2019, conseil de concuraance.ma.
  • Maroc: les dossiers qui attendait Driss guerraoui, jeune afrique ) sur net).
  • Compagne agricole 2018 – 2019, les eco.ma, 9/10/2018.
  • Media owership monitor maroc.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق