الـــــــــــرأي

الرأي | التعليم “الافتراضي”.. بداية لا محيد عنها

دروس ما بعد "كورونا"

بقلم: ياسين الطالبي *

    اليوم، سمع الجميع عن التعليم عن بعد، بعدما كان، قبل شهور قليلة خلت، شكلا من أشكال الخيال العلمي، أو في أحسن الأحوال، كان ترفا لا حاجة إليه في ظل توفر كل الظروف الممكنة للتعليم الحضوري، والذي لم يكن يسمى حضوريا لسبب بديهي، وهو أنه لم يكن يوجد مصطلح “تعليم عن بعد”، فبالأضداد تعرف المصطلحات.

نحن اليوم أمام واقع لا مناص منه، وهو أن التعليم المستقبلي إما أن يكون “افتراضيا” أو لا يكون، وكلمة “الافتراضي” هنا تأخذ معناها من قلب مصطلح “التعليم عن بعد”، لكن تحت جلباب هذه المصطلحات توجد الكثير من التفاصيل، حيث يختبئ الشيطان عادة.

من أبرز التحديات التي تعترض التعليم الرقمي، هو ديمقراطية الوسيلة، فلا يمكن أن ندخل هذا التحدي بينما نسبة كبيرة من المتمدرسين يفتقرون إلى الوسائل اللازمة للتدريس عن بعد، وهذا بدا جليا خلال المراحل الأولى التي تلت قرار التعليم عن بعد حين دخل العالم، ومعه المغرب، مرحلة الحجر الصحي، وأغلقت المدارس والمعاهد، وصار التعليم الحضوري مستحيلا، وعلى الرغم من كل المثالب التي طبعت هذه البداية المتعثرة، فإنه يمكن اعتبارها تأسيسا فعليا لمستقبل يمكن فيه تحقيق هذا الحلم البيداغوجي.

وبما أننا نتكلم عن طريقة مستقبلية للتعليم، قد تكون قدرية ولا مفر منها، فإنه أيضا لا مفر من توفر الكثير من الأسس التي يجب أن تجعل هذا المستقبل آمنا بما فيه الكفاية بالنسبة للجميع، ومن أبرز هذه الشروط، أن يكون الملقن والمتلقي على قدر كبير من الوعي بأهمية هذه الطريقة، ونحن هنا لا نتحدث عن حتمية أن يكون الملقن مدرسا بالطريقة التقليدية، بل من الممكن أن يكون غير ذلك، ولن نقول بالضرورة حاسوبا أو إنسانا آليا.

التعليم عن بعد، والذي لن يصبح مستقبلا استثناء، يجب أن يخضع لآلية حقيقية من الانضباط والتفاعل الإيجابي بين الملقن والمتلقي بشكل يجعل التعليم الحضوري، الذي يمكن أن يصبح من الماضي، وسيلة لتسريع زمن التعليم في مختلف مراحله، بل وتكثيف كم المعلومات وراهنيتها، من دون تمييعها بالوفرة الزائدة، وأيضا تنمية جرعة الحماس لدى الطرفين، وهو ما سيمكن من اختصار الزمن التعليمي وربح رهانات كانت إلى وقت قريب من سابع المستحيلات.

التعليم عن بعد سيكون إلكترونيا مائة بالمائة، وهو ما يعني أنه سيكون مرتبطا بما حوله من مجال حيوي اقتصادي واجتماعي، وهذا الارتباط سيكون عضويا لعدة أسباب، أهمها أن العالم سيخرج منهكا جدا من الجائحة، وهذا الإنهاك الاقتصادي سيجعل من الحتمي ربط التعليم بأسواق الشغل مباشرة، وهذا ما يجعلنا أمام تحد حقيقي على المستويين التعليمي والاقتصادي، بحيث يجب أن نفتح القنوات مباشرة بين عالمين لم ينفصلا يوما، لكنهما سيكونان أكثر ارتباطا فيما سيأتي من سنوات وعقود.

إننا هنا لسنا بصدد الحديث عن تفاصيل ومزايا التعليم عن بعد، بدءا من الابتدائي وحتى الجامعة، وستأتي مناسبة التطرق إلى هذه التفاصيل، لكن ما يهمنا أكثر، هو تبيان المزايا الاستراتيجية لنمط تعليمي، خصوصا التعليم الجامعي، يُفرض علينا فرضا حاليا ومستقبلا، فمن أبرز النعم التي سكنت نقمة “الكوفيد”، هي أننا صرنا نفكر جديا في هذا الأمر في وقت لا نرى من الفيروس الكبير سوى وجهه الحالك، لكن سيمر بعض الوقت لكي ندرك الكثير من أوجهه الإيجابية.

إن ما يقودنا إليه الفيروس الحالي، أو الفيروسات المقبلة، هو أنها ستكون بمثابة الداء والدواء، وسنتذكر معها ما قاله الشاعر “وداوني بالتي كانت هي الداء”، فهذه الجوائح تضعنا مباشرة أمام مرآة المستقبل، وسنضطر إلى معاينة أنفسنا عراة من الألبسة المنمقة والمساحيق التي داومنا عليها طويلا، والمستقبل سيعرينا تماما أمام واقع قاس.

إن ربط التعليم بأسواق الشغل سيزداد إلحاحا مع قسوة الظروف التي سيعرفها العالم، ونحن جزء لا يتجزأ من محيطنا، لذا، يلزمنا أن نستبق زمنا قادما لا محالة، لكي نكون في الموعد، وأن نتوقف عن رعاية تعليم أغلب همه هو توفير مناصب الشغل للمدرسين وجيش من الموظفين، ومقابل ذلك يخرج هذا التعليم جيشا من العاطلين كل عام، وكل ما نفعله مع هذا الواقع المؤلم، هو الاقتداء بالنعامة، فنواصل إغراق رؤوسنا في الرمال، لكن المستقبل لن يوفر لنا المزيد من هذه الرمال، لذلك، يلزم أن نبحث عن حل أفضل، خصوصا وأن تأثيرات الفيروس ستكون أشد وطأة على البلدان النامية منها على البلدان المتطورة، والوقت الذي يلزمنا للتعافي، هو أضعاف الوقت الذي يلزم البلدان الصناعية، وبالتالي، صار من الملح إنجاز قفزة تاريخية في مجال التعليم ستوفر علينا الكثير من الوقت والجهد مستقبلا.

قد يكون الحديث عن التعليم المستقبلي فضفاضا في الكثير من أوجهه، لكننا حين نتحدث عن التعليم الرقمي، فإننا بالضرورة نتحدث عن ربط هذا التعليم بأسواق الشغل، والقصد هنا أساسا هو التعليم العالي، وهو التعليم الذي تعتبره مختلف البلدان البوابة التي تقود مباشرة إلى العالم الواقعي، وهذا المعطى هو الذي يفرض اعتماد مناهج وبرامج تعليمية تقرب أكثر من أسواق الشغل.

ربما ينبغي أن نكرر أسفنا على وضعية جامعاتنا، التي لا تستطيع أيا منها وضع نفسها من بين المائة جامعة الأفضل في العالم، ولا حتى بين أكثر من ذلك، لكننا بالتأكيد نجد الوقت الكافي لكي نفخر بأعداد الخريجين وأعداد الأساتذة والطواقم الإدارية، وغير ذلك من أرقام لا تضعنا إلا في ورطة بعد ورطة، لأننا نستمر في الدوران ضمن الحلقة المفرغة التي لا تقود إلا إلى الفراغ نفسه، الفراغ الذي يجعل الطلبة شبه منفصلين عن محيطهم الاقتصادي والاجتماعي، الفراغ الذي يجعل طالبا، بعد تخرجه، يشبه بدويا في باريس، ينظر إلى ما حوله بكثير من الدهشة المقرونة بالإحباط.

* مختص في التواصل وشؤون التربية والتعليم

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى

إشترك في نشرتنا الإخبارية للتوصل كل مساء بأهم مقالات اليوم