الحقيقة الضائعة

الحقيقة الضائعة | الحفلة الملكية التي سبقت مجزرة الصخيرات “الحلقة العاشرة”

مؤامرة الغولف الملكي لإسقاط النظام الملكي

حتى لا ننسى.. الصخيرات المجزرة السياسية
 ((من المؤمنين رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه فمنهم من قضى نحبه ومنهم من ينتظر)) صدق الله العظيم.
يقول القيدوم الراحل أستاذنا مصطفى العلوي: ((وما كان لأحداث على مستوى خطورة هجوم الصخيرات أن تدرج في مسالك النسيان، دون أن نستخلص الدرس منها، وكان الملك الحسن الثاني رحمه الله، حريصا على إقبار أخبارها وأسرارها، تفاديا لاستمرار البحث عن دوافعها وأسبابها والمسؤولين عنها، بقدر ما يحرص كتاب “الصخيرات المجزرة السياسية” على استخلاص الدرس مما خطته دماء الضحايا، ودموع الثكالى على جبين التاريخ المغربي المعاصر.
فيما يلي، تقدم “الأسبوع” أقوى ما كتبه الراحل مصطفى العلوي عن محاولة انقلاب الصخيرات، عبر حلقات ضمن ركن “الحقيقة الضائعة”.
بقلم: مصطفى العلوي

بعد ظهر الجمعة تاسع يوليوز، غادر عبابو بيته البحري رفقة زوجته وتوجه إلى مطار النواصر، حيث أركبها الطائرة المتوجهة إلى باريس، وهناك في المطار، التقى بصديقه الكولونيل بامعروف، الذي جاء ليودع بنت صديقه الكولونيل بن ناوي، وهناك طلب منه عبابو أن يشرفه أيضا بتناول طعام الغذاء معه غدا السبت، فاعتذر بامعروف، لأنه سيكون في الصخيرات بين المدعوين، فقال له: “تعال اشرب معنا كأسا في المقهى الذي سنلتقي فيه”، وهو مقهى “لاسافوايارد” بين الرباط والقنيطرة، ووعده بامعروف بأن يحضر إن لم يكن هناك عائق.

وليلة الجمعة تاسع يوليوز، كان الملك يلقي خطابه في التلفزيون ويقسم للشعب برأس أولاده أنه مخلص لهذا الشعب وأنه في خدمته، وكان الجميع ينصت له باهتمام، وكان بين المنصتين، جماعة تنتظر ليلة الأحد لتنفيذ برنامجها الجهنمي.

وصباح السبت عاشر يوليوز، كان جميع المدعوين يتوجهون إلى الصخيرات بزي السباحة، وكان بينهم كثير ممن كانوا ينتظرون حفلة المساء المخصصة للنساء قبل أن يرافقوا زوجاتهم إلى المطار صباح الأحد لمغادرة البلاد، قبل أن تغرب شمس الأحد.

وهكذا حرص جميع الضباط الكبار على أن يكونوا أول الحاضرين لحفلة الصخيرات، ومن بينهم الجنرال مصطفى أمحراش، مدير المدارس العسكرية، والذي أحضر معه ولده، وهو شاب صغير، ليحضر معه الحفلة، بينما أصر الكولونيل الفنيري على أن يأخذ معه أخاه إلى هذه الحفلة.. إن أي أحد لم يكن يتوقع شيئا في الصخيرات حتى الضباط المشاركين في الانقلاب أنفسهم كانوا على موعد مع الأحد ليلا في ملعب الغولف دار السلام.

كانت السيارات تنهب الأرض نهبا في الطريق المؤدية من الرباط إلى الدار البيضاء، عبر شاطئ الصخيرات في الساعات المتأخرة من ليلة تاسع يوليوز، وكان يخيل للمارين أن ذلك القصر العظيم الممتد على طول كيلومترين اثنين بالصخيرات، سيحترق من لهيب الأضواء البيضاء التي تسطع في كل جانب من جوانبه وكأنه مطار نيويورك الدولي، لكن فضول الناس لم يكن يتعدى نظرة خاطفة محشوة بشتى الأفكار..

وعند مدخل الغابة المؤدية إلى القصر، وقف رهط من رجال الدرك والجنود بخوذاتهم الفوسفورية الساطعة في الظلام، وكان موكب ضخم من السيارات قد توقف في الطريق المؤدية من باب القصر إلى البوابة الداخلية حتى ليخيل للناظر أن حفلة صباح الغد قد ابتدأت في هذه الليلة، وأن المدعوين كلهم هنا، وكان ذلك أقرب إلى الواقع منه إلى الخيال. إنها ليست أول حفلة ولا عاشر حفلة ولا الحفلة المائة من بعد العشرة التي عرفها ذلك القصر، وفي تلك الليلة بالذات، كان جو البهجة يحتضن الملك ومدعويه الخواص.. كانت المجاهر الكهربائية موجهة إلى منصة طويلة مزينة بالورود اصطف عليها خليط من الفنانين المغاربة والمصريين واللبنانيين، وكانت الأضواء مسلطة على الموسيقيين بشكل يغشي أبصارهم، حتى لا يستطيعوا النظر إلى الملك وأعضاء أسرته والمقربين إليه، وهنا وهناك، كان المقربون جميعا هائمين في جو من النشوة والانشراح، في عالم من الطمأنينة والنشوة واللامبالاة، عالم لا حدود له وكأن مفاتيح الحيطة قد أوصدت أقفال الخطر، كان هناك الوزراء والضباط المقربون وقد سرحت عقولهم في أوتار عود الفنان المصري محمد عبد الوهاب، بينما أغمض الآخرون أجفانهم سرحانين مع ترنيمات صوت وديع الصافي، واهتزت أعماق الجميع رقصا مع بليغ حمدي وهو يعزف لعبد الحليم حافظ أغنية “عالمغربية يا حسن..”، وكان الليل قد انتصف أو يكاد، وكان هناك متغيب واحد، هو الجنرال المذبوح، المريض الذي نصحه أطباؤه بأن يتجنب السهر وينام بعد الغروب.

وقبل أن ينصرف الساهرون ليتركوا جنود الليل ينظفون القصر ويرتبونه لاستقبال المدعوين في الصباح، كان الموسيقي الكبير محمد عبد الوهاب يقرب من نظارتيه الغليظتين المليئتين بالأصفار، ورقة تتضمن شعرا جديدا يقرؤه بنهم بالغ ((وقد وضع يديه على كتفي عبد الحليم قائلا: هذه القصيدة جادت بها قريحة جلالة الملك وعلي أن ألحنها هذه الليلة، وعليك أن تتمرن عليها مع الجوق غدا، لتغنيها في سهرة الغد، وهكذا لن نحضر حفلة الغد، عليك أن تنام الآن، وأسهر أنا، وغدا أنام أنا وتشتغل أنت))، جزئية حكاها عبد الحليم حافظ للكاتب مصطفى العلوي.

وانطلقت السيارات نحو أوطيل “هيلتون”، بينما كان الملك يعطي تعليماته الأخيرة للخدم والحشم بشأن حفلة الغد، ثم توجه إلى جناحه الخاص لينام.

كانت الساعة تشير إلى الثامنة صباحا، حينما وصلت إلى مصطاف الصخيرات سيارة المرسيديس الخاصة السوداء اللون، حيث كان الجنرال المذبوح يقتعد المجلس الخلفي، فلا يكاد يظهر منه إلا قمة صلعته التي تسطع فوق رأسه الصغيرة، وكانت سيارة رونو 16 سوداء مرقمة بشارة الحرس الملكي تتبع سيارة سيد البلاط الملكي ورئيس الحرس الملكي.

وبمجرد نزول المذبوح من سيارته عند المنعرج اليميني ناحية ملعب الغولف، قام بجولة خاطفة على الترتيبات المعدة لاستقبال الزوار المدعوين الذين كان مقررا أن يبدأ دخولهم في الساعة العاشرة.

في تلك الأثناء، لم يكن الجنرال المذبوح وحده، بل كان أعوان القصر، مدنيون وعسكريون، وبينهم ضابط مكلف بالحرس الملكي يسمى ستيتو، لاحظ أن الجنرال المذبوح بدأ يطوف في ذلك الصباح على أطراف قصر الصخيرات ويأمر بإزالة وسائل الدفاع التي كانت مركبة وراء الأشجار وهو يقول: “لن نفزع ضيوف سيدنا بهذه الأسلحة”، وهو في الواقع يدبر لخلع كل وسائل الدفاع عن القصر لضرب المهاجمين.

لكن الجنرال المذبوح، وهو واقف قرب ساحة الغولف، لم يكن بإمكانه أن يأمر بخلع المدافع المنصوبة بعيدا عن الإقامة الملكية في شمال قصر الصخيرات، وعلى شاطئ البحر، حيث كانت هناك قاذفات صواريخ ومدافع مركونة بين الصخور، هي التي كانت سبب متاعب المهاجمين الثوار الذين دخلوا القصر دون أي مقاومة، ولكن بمجرد ما بدؤوا في إطلاق النار على الضيوف، بدأت المدافع التي لم يرها المذبوح، تصليهم بنارها.

لم يكن المذبوح عصبيا ولا مضطربا، بل كان كعادته هادئا، لا تعرف الابتسامة طريقها إلى شفتيه، وقد توجه إلى مكتبه المؤقت وأخذ يجري بعض الاتصالات الهاتفية التي يحكي سامعوها أن لا علاقة لها مطلقا بالانقلاب، بل إن أغلب المكالمات كانت مع ملعب الغولف الملكي بالسويسي بشأن ترتيبات حفلة الغد.

ورويدا رويدا، أخذ بعض المدعوين الأجانب يتواجدون قبل الموعد، وكان أغلبهم من لاعبي الغولف العالميين الذين قدموا من الولايات المتحدة وفرنسا وسويسرا، وحتى من إيران والباكستان، وبالطبع كانوا من أصدقاء المذبوح ورفاقه في هذه اللعبة العالمية، فكان يحادثهم وهم جميعا يتخذون الاستعدادات لبداية اللعب، ولأول مرة، شوهدت خيام مفروشة وقد أحاطت بملعب الغولف، ولأول مرة كان المدعوون يجدون في تلك الخيام ما لذ وطاب من الحلويات والمشروبات، وحتى الشمبانيا، وقد كان المذبوح يحدث الجميع عن حفلة الغد وما تخبئه لهم من مفاجئات(…).

وخرج الملك مبكرا، على غير عادته، مرتديا لباسا رياضيا قصير السروال، وعلى رأسه كاسك من الثوب الموشي بألوان حديثة، وقد أخذ يبادل رفاقه في الغولف الابتسامات والكلام العذب، وقد اجتمع بالمذبوح بضعة دقائق، شوهد المذبوح أثناءها وقد وضع يديه خلف ظهره وأحنى رأسه طاعة واستسلاما.. ثم بدأ اللعب، وبدأ تبادل النكت، وكانت الدورة الأولى بين فريق المذبوح وفريق آخر، وقد خسر المذبوح فردد بأسلوب ساخر قائلا: غدا.. سنرى لمن تكون الغلبة، ولم يأبه أحد لما يعنيه المذبوح، ولم يكن المذبوح يقصد شيئا آخر غير وليمة مساء الغد: الأحد حادي عشر يوليوز.

وقد حضر الأمير مولاي عبد الله، ثم أخذ الوزراء في الحضور، وكذا الضباط والمرافقون، ورويدا رويدا، أخذ القصر يمتلئ بالمدعوين في جو من البهجة والانشراح.

 

يتبع

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق