ملف الأسبوع

ملف الأسبوع | تحذير الدولة من الاستغلال السياسوي للأوراش الكبرى

"كورونا" تنهي خطاب المعارضة بقرار رسمي

أعلن وزير المالية بشكل واضح في الرد على البرلمان، في نقاشات نوابه لميزانية 2021، عن ضرورة تجنب ما سماه “الاستغلال السياسوي للأوراش الكبرى التي أطلقها الملك”، وأن على الأحزاب المشاركة دون انتقادات للظرفية الاستثنائية، كي تتجسد السياسة بكل معانيها النبيلة، حسب الوزير.

ويأتي هذا التقدير واضحا قبل أي انزلاق للأحزاب في انتقادات المشاريع المعتبرة “استراتيجية”، ليس حسب تقييم وزير تكنوقراطي محسوب على حزب الأحرار، بل “لأن الدولة لا يمكن أن تسير دون إجماع وطني حول أولويات المرحلة”.

وإجراء الانتخابات التشريعية تحت هذه الضغوط، يفيد القول أن الدولة تخاطب المعارضة على قدم المساواة مع الأغلبية، لتكون صفا واحدا في هذا الإجماع.

تتمة المقال بعد الإعلان

ولا يعرف إلى الآن كيف يمكن تمييز خطاب المعارضة عن الموالاة، وهناك دعوة واضحة إلى “الإجماع الوطني”، لتجاوز هذه المرحلة.

ولا يتحدث وزير المالية بخطاب تقني، بل سياسي، لطبيعة المرحلة ورغبة الدولة في عدم التصعيد، لأن الأوضاع صعبة والإصلاحات كبرى ومتأخرة.

 

أعد الملف : عبد الحميد العوني

تتمة المقال بعد الإعلان

 

+ لا نقاش حول الحكومات السابقة..

    “المهم، ألا نضيع الوقت في النقاش حول تراكمات الماضي بسلبياته وإيجابياته”، يقول الوزير في رسائله الأخيرة، وهو ما يفيد، من جهة ثانية، أن ما يجري هو خفض لمنسوب النقد الذاتي والانتقاد.

ورسم تدخل الوزير في البرلمان الخطوط الحمراء في الانتخابات القادمة كالتالي:

1) عدم نقاش حصيلة الحكومات السابقة.

2) عدم اعتماد القراءات التجزيئية.

3) التمويل في إطار إمكانياتنا المالية، ولا نتجاوزها، ولذلك، فإن القدرات الواقعية للدولة هي التي يجب على الدولة الاعتماد عليها في إطلاق برامجها الانتخابية.

إن وزير المالية يخاطب الأحزاب بطريقة تؤكد على عدة نقط، منها:

1) رفض القراءة الديماغوجية أو الحالمة التي لا تعتمد على القدرات الحقيقية للدولة.

2) رفض القراءة التجزيئية كما قلنا للأحزاب.

3) رفض القراءة الإيديولوجية.

4) رفض القراءة السياسوية.

وبالتالي، فإن الدولة لا ترى أمامها إلا أزمتها الاقتصادية، ولا ترغب في تطور الأوضاع إلى أزمة سياسية أو حزبية، وهذه الصورة تفيد بـ”أن الحزب لا يجب عليه سوى دعمه للسياسة الحالية فقط”.

والظرف لا يسمح بأي مناورة من واقع تغليب المصلحة الوطنية، خصوصا وأن  الحكومة اليوم ليس لديها سوى تنزيل القرارات المسطرة.

+ التسريع في تنزيل الإصلاحات يفرض على السلطة تعبئة المعارضة وجعلها مع الموالاة وباقي المؤسسات في صف واحد

    لم يعد أحد يناقش في المعارضة أو الأغلبية أجندة السلطة في عهد “كورونا”، لأنها أجندة الجميع، ولذلك، فـ”إجماع كورونا” يذكر بـ”إجماع المسيرة الخضراء”، وهذا الوضع يمكن أن يقوي مؤسسات النظام أكثر، خصوصا وأن الأمور الاقتصادية أصبحت سؤال المواطن.

وتبعا لهذا التفصيل، فإن وزير المالية يشير إلى أمرين:

1) توحيد الأجندة في المغرب والتي عليها إجماع، فلم تعد هناك “أجندة الأغلبية”، بل أجندة الوطن ومصالحه العليا، ولا يمكن في هذا الجو إطلاق برنامج بديل.

2) بلورة الآليات المجتمعية، فالتنمية لم تعد خيارا، بل ضرورة كي يبقى المغرب، وبالتالي، فالمسألة الفئوية في الاقتصاد فشلت، وكذلك الآن في السياسة.

هناك فشل في مواكبة الأحزاب للقرارات المتخذة، لأنها تعتبر نفسها جزء لا يتجزأ ولا يختلف عما توصلت إليه دوائر القرار، وبالتالي، فإن تحذيرات الدولة واضحة، لأنها لن تقبل المزايدة أو الاستقلال السياسوي، وللإشارة، فإن ما حدث في حراك الريف اعتبره بعض الرسميين استغلالا سياسويا من الشارع لرفض مشروع “الحسيمة منارة المتوسط”.

وكما دافعت الدولة عن مشروعها في الحسيمة ستدافع عن مشاريعها الأخرى، رغم ظروف “كورونا”، وقد تحولت تطورات السياسة الاجتماعية إلى إصلاحات جذرية على صعيد التغطية الاجتماعية والتقاعد لجميع المغاربة، والتعويضات العائلية لكل طفل مغربي.

وعليه، فإن الأجندة الاجتماعية للدولة تستلزم في نظر الرسميين:

1) التسريع من أجل عدم انزلاق الأوضاع الاجتماعية والأمن الاجتماعي نحو الأسوأ.

2) تعبئة 15 مليار درهم لإنعاش الاقتصاد الوطني في ظل قانون مالي معدل، هو الأول من نوعه منذ سنة 1990.

ولا يبقى الأمر عند التسريع والتعبئة، بل المواكبة السياسية التي تطلب من المعارضة الدعم والمساندة، لأن الظرف استثنائي، ولا يسمح بالاستقطاب ولا بـ”طرح بدائل” برؤية أخرى.

3) العمل المكثف مع الشركاء الماليين الدوليين، ويتقدم مؤسسات التمويل الدولي  صندوق النقد والبنك الدولي، وهو ما اعتبره بعض النواب المعارضين “كسلا”.

+ يقول وزير المالية في الرد على البرلمان الذي اتهمه بالكسل: “عن أي كسل يتحدث البعض.. إذا كان ما قامت به الحكومة من مجهودات يعد كسلا، فما هو الاجتهاد في نظركم؟”

    كان واضحا أن الإجراءات الحكومية المصاحبة لأزمة “كورونا”، هي تطبيق إجراءات صادقت عليها مؤسسات التمويل الدولي، وهي تشمل من جهة ثانية:

ـ تعبئة عادية للموارد، من القروض أساسا.

ـ نموذجا معمما على كل الدول.

وبالتالي، فإن المغرب لم يقم بتكييف هذه الإجراءات المعيارية في إنعاش الاقتصادات بعد أزمة “كورونا”، بل إن الوضع العام أخذ حجما جديدا، من واقع أن الأحزاب لن تتمكن من تجاوز استراتيجيات من يمول، ولن يختلف السياسيون في التعامل مع نفس الخطاطات، وهنا يطرح السؤال: هل المخطط المغربي من إنتاج الحكومة تبعا للظرفية التي يعيشها المغرب، أم هو وليد إجراءات دولية “نمطية” تحمل نفس التعبئة؟

وتأسيسا على ذلك، يظهر أن قدرة المغرب على إنتاج سياسة مالية للطوارئ، “ضعيفة”، ولذلك، علق النواب على هذه النمطية بـ”الكسل”، ومن اللافت أن يدعو وزير المالية، باسم الدولة، إلى التحاق المعارضة بهذه النمطية واعتبارها خطة دولة، وهي في نظره لا تقبل الجدل “السياسي” أو “الاستغلال السياسوي”، وهي رسالة للجميع.

+ رسالة وزير المالية لا علاقة لها بحزب الأحرار، بل بدوائر القرار

    أخذ وزير المالية موقع رئيس الحكومة وهو يرد على منتقدي مشروع مالية 2021، وبالتالي، أصبح مهما الإشارة إلى أن الانتخابات لن تكون في إطار قانون مالي يستجيب لنفس معايير القانون المالي المعدل تحت ظرف الطوارئ الصحية، وقد ينتقل الوضع من طوارئ صحية إلى طوارئ اقتصادية، بفعل إدارة حزمات الدعم.

ولم يرفع المغرب حالة الطوارئ الصحية، ولن تناسبها سوى طوارئ اقتصادية تجعل لكل القرارات المتخذة طبيعة خاصة وطابع استثنائي.

ولا يعتقد أحد أن الإشارات السياسية لوزير المالية، التكنوقراطي، رسالة سياسية لحزب الأحرار، بل هي متصلة بدوائر القرار.

من جهة، يؤكد وزير المالية، أن ما تعمل عليه المملكة، يستوجب بطريقة ما تذويب الخلاف بين الأغلبية والمعارضة، وما تقترحه الداخلية من تعديل طريقة عد الأصوات من الأصوات الصحيحة إلى كتلة المسجلين يتوافق:

1) مع حكومة وطنية تمثل أحزابا قوية منسجمة.

2) مع الانخراط لإعادة تعزيز لحمة المجتمع الحزبي والسياسي، وتجاوز الصراع الدفين بين الأحرار وحزب العدالة والتنمية.

3) مع النقاش المباشر في اللجن، لأن الصيغ التقليدية انتهت إلى بلاغات، فالحكومة ليست أكثر من منفذ لتعاليم القصر في هذه الظرفية، وقد قال الوزير باسم الحكومة: نحن ليست لدينا أي أسبقيات، ولذلك، تبقى سياسة القصر وأجندته الزمنية هي الحاسمة إلى الحد الذي كانت فيه كل التمويلات الرسمية وغير الرسمية من أجل إنقاذ:

ـ من خسر عمله من المواطنين، بـ 21 مليار درهم.

ـ من خسر جزء أو كل عمل مقاولته، بـ 46 مليار درهم، لذلك، فتدخل الدولة لإنقاذ المقاولة زاد عن التدخل الطارئ، أي مقابل كل مليار للمعيشة هناك ملياران للمقاولة.

+ مقابل كل مليار للمعيشة هناك ملياران للمقاولة

    سيكون الشأن الاقتصادي مهيمنا على الانتخابات التشريعية القادمة، وبإعدام السياسة، سيعمل الجميع على إنقاذ المقاولة، لأن توجيه قروض إلى ما يناهز 74 ألف مقاولة صغيرة أو متوسطة، سيكون مهما، لكنه يستتبع الحفاظ على مناصب الشغل، لكن المقاولة ستزيد ضمورا كلما بقي الانكماش الاقتصادي قائما.

وستكون التدابير المنظمة في مشروع قانون المالية لسنة 2021 استمرارا لروح البروتوكول الاقتصادي الذي تدار به هذه الفترة الحرجة.

ويعد وزير المالية بخطوة جذرية تتجاوز أجندات الأحزاب انطلاقا من:

1) إصلاح القطاع العام، وسيكون مردوده مهما، إذ سيترك هوامش مالية يمكن بموجبها للقطاعات الاجتماعية والاستثمارات المنتجة للشغل، الانتعاش، وبإقفال المدن لا يمكن القول بوجود معاملات تجارية تساوي مستوى الإنتاجية الذي يطمح إليه الرسميون.

2) إصلاح المرفق العام لتحسين أداء القطاع الخاص، وبالتالي، سيكون الوضع السياسي في المستقبل خارج القواعد الكلاسيكية للمخزن، والأمر حاليا لا يتعدى رغبات الممول الدولي، حيث يصعب حاليا ربح ما يسمى بـ”المخزن الاقتصادي” دون التزامات اجتماعية شاملة.

+ الحكومة ترفض اتهامات برلمانية بالاستهتار بأولويات المغاربة

 

    لقد كان رد الحكومة قاسيا على النواب في اتهامين: الكسل والاستهتار بأولويات المغاربة، وقد رأى وزير المالية، الذي أصبح يتحدث باسم الجهة التي عينته، وهي تعرف لماذا يجب الرد على بعض الاتهامات “السياسوية”، أن سقف اللعبة لا يحتمل.

ولذلك، فإن قول الوزير “نحن فخورون بأن تكون الأولويات هي تنزيل التوجهات الملكية” في الرد على اتهامات بـ”الاستهتار بأولويات المغاربة”، هو محاولة مباشرة لخلق أزمة لا يتحملها الوضع.

وما يجري حاليا، هو تصريف لخطاب الأزمة بشكل قد يؤثر على الأمن العام، والخطاب الذي يطرح سؤال من يقترح الأولويات، خطاب مأزوم له ما بعده.

و كما هو معلوم، فإن الدفاع عن منطلقات الحكومة والدولة بشكل عقلاني، يجب ألا يشخصن أو يختبئ وراء القرار السياسي، وما يحدث هو إشارة إلى صعوبات في الخطاب السياسي، على حد قول الملاحظين.

وتريد دوائر السلطة أن ينسجم القرار البرلماني مع القرار الحكومي كما ينسجم قرار المؤسسة الملكية والسلطة التنفيذية.

ومن جهته، يكشف وزير المالية أن “5 أيام فقط، هو الزمن الفاصل بين خطاب العرش وعرض مخطط عملي لتنزيله”، وهو ما يعني أن الأمور كانت منسقة إلى حد بعيد.

وفعلا، عرض على البرلمان مرسوم إحداث صندوق الاستثمار الاستراتيجي الذي أطلق عليه “صندوق محمد السادس للاستثمار”.

لا يناقش العثماني أمر الانتخابات مع وزير الداخلية بصفته الحزبية، ولذلك، فهو لا يعرف إلى الآن وليست لديه أي معلومة أو قرينة بخصوص موقف القصر.
وتدار المعركة من جهة ثانية، في مواجهة الفريق البرلماني لحزب العدالة والتنمية.

+ استمرار تمويل الأوراش الكبرى بـ”صندوق محمد السادس للاستثمار”

    إن ما يجري الآن، هو الأجرأة الفعلية والفورية لالتزامات الحكومة، وفي هذا الإطار، سنرى بوضوح أن رفض الاستغلال السياسوي للأوراش الكبرى، خط أحمر في انتخابات 2021، فلن يتمكن أي حزب من تقييم هذه الأوراش، وأيضا ما يرافقها بشأن “صندوق محمد السادس للاستثمار”.

وستكون البرامج الحزبية:

1) من دون بعد استراتيجي، لأن الأوراش الاستراتيجية الكبرى وأيضا صندوق الاستثمار الاستراتيجي، بعيدان عن أي نقد، كما في عمل الأحزاب تحت سقف جديد لا يمتلك فيه البرنامج الحزبي أي تأثير بعيد المدى، فهو مجرد أجرأة لتنفيذ ما جرى تقريره.

2) من دون بعد سياسي يحمل أفقا لتدبير “بديل”، لذلك، فإن ما يجري، يؤسس لتكون الأحزاب أدوات تنفيذية، وهي كذلك دائما.

وحصر البدائل في النقاش العمومي على الأجرأة، يفيد القول أن إنتاج برامج من طرف الأحزاب، وهي مراكز تنفيذية، ليس مطلوبا.

ولا تقترح الأحزاب اليوم “بدائل” أو استراتيجيات، وبإبعاد الأوراش الاستراتيجية عن التقويم الحزبي، تنهي الدولة أوضاعا فرضتها الطوارئ الصحية.

+ حالة الطوارئ الاقتصادية لن تنتهي قريبا

    تجاوز المغرب حالة الطوارئ الاقتصادية الشبيهة لما حدث في التسعينات، بالمزيد من الديمقراطية والشراكة التي عقدها الحسن الثاني مع المعارضة، أما دوائر القرار اليوم، فتنظر إلى الحل، بإبعاد الأوراش الكبرى وتمويلها، عن النقاش العمومي، وهو المطلوب لضمان عدم جرأة الشارع على إعادة طرح نجاعة هذه الأوراش كما طرأ مع مشروع “الحسيمة منارة المتوسط” وسبب في مواجهة معروفة إعلاميا بحراك الريف.

ولن تسمح الدولة بحراكات مماثلة ضد أوراشها، حيث يجب أن تكون الأوراش الكبرى فوق النقد وخارج النقاش الحزبي والعمومي، وأي حزب يرغب في دخول هذه المعركة، سيكون في مواجهة الدولة التي ضمنت في مقابل استمرار أوراشها، أوراشا اجتماعية شاملة تخص التغطية الصحية والتقاعد والتعويضات العائلية لكل المغاربة.

وتبعا لهذه النظرة الشمولية للقرار الاجتماعي للدولة، لاحظنا التكفل ببعض القطاعات إلى نهاية السنة، مثل التكفل بالنفقات المرتبطة بالتعويضات العائلية ونظام التغطية الصحية الإجبارية لفائدة الأجراء والمتدربين التابعين لمؤسسات الإيواء السياحي المصنفة (وليس الأمر متعلقا بغير المصنفة)، ووكالات الأسفار والنقل السياحي والمرشدين المؤمنين بالصندوق الوطني للضمان الاجتماعي.

وقد توصل 47 ألف أجير إلى حدود شهر شتنبر المنصرم، بهذه التعويضات، وهو ما يؤكد أن مقاربة النوع الاجتماعي المتضررة، جزء من مخطط تعمل عليه المقاربة الجديدة للميزانيات العامة في دول عديدة.

لذلك، فإن الإجراءات المتعلقة بالميزانية العامة، تضمن محاولة الخروج من الأزمة تحت ميزانيات للإقلاع، وقد وصلت في القطاع السياحي إلى 90 في المائة بشأن ضمانات الديون.

+ الآليات الكفيلة بتفعيل “صندوق محمد السادس للاستثمار” لا تناقشها الأحزاب، وليست وليدة النقاش العمومي، حيث سيكون الصندوق ذا شخصية معنوية، وهو ما يفيد أن التمويل المستقل عن الحكومة جزء من الاستراتيجية الجديدة للمشاريع الكبرى

    إن خلق آلية لتمويل المشاريع الكبرى بعيدة عن الحكومة، يضع الجميع أمام رؤية ينفصل بموجبها:

1) تمويل الأوراش الكبرى بعيدا عن التمويل العمومي، وبذلك تكون هذه الاستقلالية مدعاة لعمل “متوازن وفعال”، وهنا يطرح السؤال عن حدود مراقبة الحكومة لهذه المشاريع من جهة، ومن جهة ثانية، قد يكون للمجلس الأعلى للحسابات الدور الحاسم في مراقبة هذه المؤسسة.

2) تحديد الأوراش الكبرى التي لا تتدخل الأحزاب في اقتراحها أو توجيهها، ولديها حق تنفيذها إن أصبحت في الأغلبية.

ولذلك، فإن اقتصادا يترنح بين الإنعاش والاستثمار، قد يجعل المزيد من حكامة التدبير جزء لا يتجزأ من الرؤية العامة التي تعمل عليها الدولة.

وسيبقى إبعاد الأحزاب عن اقتراح أو تعديل السياسات الكبرى، تقليدا مغربيا منذ أن حسم الصراع لصالح القصر، وحاليا، تبقى الجهة المقترحة للمشاريع الكبرى واحدة، حيث أصبحت الدولة بعد حالة الطوارئ:

أ) مقترحة لكل المشاريع.

ب) مقرضة في حالات الاستثمار الاستراتيجي.

ت) ممولة، في حالات الاستثمار الاستراتيجي.

وهذه  السمات والمؤشرات تجعل مجال تدخل الدولة أقوى بكثير مما سبق، ولذلك، لم يعد هناك هامش للقوة الاقتراحية للأحزاب، وترغب الدولة في “أطر تنفيذية” من هذه المشاتل السياسية ومن خارجها عبر تكنوقراط الدولة، وقد استثمر الحكم في الاستفادة من السلطات المحفوظة له بشكل قياسي.

+ السلطات المالية للدولة تساوي اليوم قدرتها السياسية على القرار

    إن إطلاق صندوق باستثمارات تتجاوز 50 في المائة من كل القروض المضمونة من الدولة والموجهة إلى الشركات، يعني أن تمويل الدولة الاستثماري الذي يصل إلى 186 مليار درهم، بالإضافة إلى تمويلات صندوق الاستثمار، يجعل مجموع الاستثمارات العمومية يصل إلى 230 مليار درهم.

ويلاحظ الجميع أن هذه الأرقام توحي بأمرين:

1) أن الدولة هي الممول الوحيد تقريبا لحركة الرسملة.

2) أن الدولة هي المقترض الأول والجهة المقرضة الوحيدة لمجتمعها، وبالتالي، فإن هناك إعادة هيكلة مصدر القرار.

من واقع أن الدولة:

أ) تتمتع بالواقعية، فهي لا تعطي وعدا ولا تزرع أملا وهميا، يقول وزير المالية على لسان الدولة، و يرسل هذا الخطاب لأول مرة إشاراته إلى الفرقاء والأحزاب السياسية، وهو دور رئيس الحكومة، ولأن خطاب العثماني سيفسر أنه حزبي فقط، ويمكن تأويله، فإن القدرة الجديدة على البرمجة والتنفيذ لن تكون قاطعة أمرها إلا من خلال دوائر القرار التي تصوغ حاليا السياسات العمومية.

ب) تتمتع بالفعالية، خصوصا في حالة الطوارئ الصحية.

ت) تتمتع بمركزية القرار ولامركزية الإدارة، وربما هذه هي المعادلة التي يمكن إقرارها من طرف الجميع.

وضمن هذه الظرفية الصعبة، فإن الأحزاب لا يجب أن تكون جزء من الأزمة، بل مساعدا على تجاوزها بتخفيف انتقادها.

ولم يستطع النظام التفكير، منذ فترة، في بقاء الاتحاد الاشتراكي في دائرة المعارضة.

وحاليا، ليست هناك معارضة يمينية أو يسارية، لأن كل الحساسيات ممثلة في الحكومة، ولذلك، تجد المعارضة لدى حزب معين لسياسة رئيس الحكومة أو العكس.

وكل هذه التجليات السياسية يريد أن تدفعها مراكز القرار إلى أمرين:

ـ أن مظاهر الخلل في السياسات العمومية لم تعد تشخيصا للمعارضة، بل للنظام ودوائره قبل أي شيء آخر.

ـ رفض تحميل مسؤولية الاختلالات لأي حكومة أو حزب، أو تيار أو سياسة، فلا مسؤول عن الاختلالات، وليست هناك “شجاعة سياسية” عند أي طرف ليتحمل هذه المسؤولية.

+ حكومة 2021 ستواجه تحديين مكشوفين: حجم القطاع غير المهيكل وضعف شبكات الحماية الاجتماعية من جهة، وارتباط قطاع التصدير بالتقلبات الخارجية.

    إن كل التحديات قائمة على إيجاد حلول موجهة للفقراء والأغنياء على حد سواء، فالفقر هش بطبيعته، والغنى هش، لأنه مرتبط بسلاسل التوريد أو التصدير، وكلها متقلبة، ومرتبطة بالسوق الخارجي.

وكخلاصة، فإن الهشاشة مزدوجة في المغرب، وتمس كل القطاعات ومنتجي الشغل، ولذلك، يجب في نظر هؤلاء، الصفح عن الماضي وتراكماته بسلبياته وإيجابياته.

وهذه طريقة لعدم تحميل أي طرف المسؤولية عن الأزمة الحالية في المغرب.

+ دوائر القرار تعطي الضوء الأخضر لوزير المالية لإيصال رسالتها: طي صفحة “من المسؤول” عن الوضعية الحالية في المعركة الانتخابية لسنة 2021، وعدم طرح السؤال عن “سياسة المغرب بشأن كورونا”

    لا مجال اليوم لخطاب حزبي ناقد، لذلك، فالإجراءات التقشفية وصلت إلى تضريب الأجور التي تتجاوز عشرة آلاف درهم، وكذلك الشأن بهوامش البحث عن موارد مالية بديلة.

وللأسباب المذكورة، ارتأى وزير المالية أن يقدم توضيحات منها:

1) أن الأزمة الحالية استثنائية أثرت بشكل كبير على الموارد المالية الكبيرة، وفي لحظة الأزمة، تقرر تعميم التغطية الصحية لتشمل 22 مليون مغربي، منهم 10 ملايين يعيشون وضعية هشاشة من الحاملين لبطاقة “الراميد”.

هذا الورش الذي تأخر، ولم تعمل عليه الحكومات السابقة، رغم مرور المملكة بفترات رخاء، تقرر إنجازه ضمن مشروع مجتمعي في ظل الأزمة المالية لجائحة “كورونا”.

2) أن نظام الحماية الاجتماعية سيكون من خلال المساهمات الاجتماعية، وهي دورة مالية تراها الحكومة دورة مؤهلة كي تخوض رهانا مركزيا متمثلا في  استراتيجية الاعتماد على النفس.

ولذلك، تحدث وزير المالية برسائل لم يسبق لأحد أن تجرأ على إطلاقها، لينصح ويحدد هوامش اللعبة في انتخابات 2021، على أساس أنه على الأحزاب أن تترك تقييمها لكل المراحل السابقة، وأن تستجيب لحالة الطوارئ التي ترسم صورة المغرب “الواقعي”، فـ”كورونا” تدفن مخرجات حراك 20 فبراير بشأن سؤال السلطة في المغرب.

+ الدولة تخاطب الطبقة الوسطى عوض الناطقين باسمها

    خاطبت الدولة الطبقة الوسطى على أساس أنها حامية لها، وقد انتقدت الأحزاب إجراءات تمويل رفع منسوب الحماية الاجتماعية من رفع الضرائب التي تدفعها هذه الطبقة.

وقد أشار وزير المالية إلى المساهمات الاجتماعية للتضامن، لتمويل أنظمة الحماية الاجتماعية التي تدفعها الطبقة الوسطى، وستكون استثنائية وليست دائمة كما في حالات الدول الأخرى، ولذلك، فإن المساهمات الاجتماعية مرتبطة بـ”كورونا” ونتائجها على الأرض، والأحزاب والحراكات الشبابية التي تنطلق من هذه الطبقة وتمثلها، غير معنية بهذه الإجراءات، لأن 99 في المائة من الشركات تصرح بربح يقل عن 5 ملايين درهم أو بحصيلة سلبية، كما أن 92 في المائة من المأجورين غير معنيين بهذه المساهمات، لأنهم يتقاضون أجرا شهريا صافيا يقل عن 10 آلاف درهم.

لذلك، فدفاع الأحزاب عن طبقتها، ليس مبررا أمام المهمة الجديدة للأحزاب والمتمثلة في:

1) فصل الأحزاب عن الطبقة التي تنطلق منها.

2) فصل الحراك السياسي لـ 20 فبراير عن مخرجات واقع ما بعد “كورونا”.

3) عدم ربط السلطة التنفيذية بمن قادها من الأحزاب المسؤولة، ووزير المالية يتحدث عن عدم ربط المسؤولية بالمحاسبة ولو المسؤولية السياسية والترافعية.

إن إبعاد النقاش العمومي عن خطاب “تحميل المسؤولية السياسية” لأي حزب أو فاعل، هو بداية فترة أخرى متمثلة في عودة البرنامج الاجتماعي للدولة في مقابل خفض المطلب الاجتماعي والسياسي، خصوصا الحزبي منه في علاقته بالمجتمع، وفي هذا الإطار، سيكون الأمر متعلقا في نظر دوائر القرار:

1) بدعم خيار “عدم انتفاضة الفقر” في المغرب في ظروف “كورونا”.

2) انتخابات بدون برامج، لأن الأحزاب لن تقترح أوراشا محددة منطلقة من الأغلبية، ومن القواعد، فكل المشاريع منزلة تنزيلا رسميا.

ومجرد التدبير بهوامش استثمارية ضعيفة، فإن السلطة التنفيذية لا تجد شيئا جديا للعمل عليه.

ويتحدث المغرب اليوم عن تحدي ينخرط في مسار تقليص ميزانية عجز الميزانية، بهدف ضمان استقرار معدل المديونية، وأيضا توفير تمويل الأوراش الكبرى.

والملاحظ، أن اصطلاح الأوراش الكبرى انتقل من الأوراش التنموية الكبرى إلى الأوراش المهيكلة إلى الأوراش الإصلاحية الكبرى، بعد اقتراح تعميم التغطية الصحية، ولن يزيد اليساريون عن هذا التعميم إلى جانب تعميم التعليم، فيما تعميم التقاعد وغيرها من الإجراءات الاجتماعية، تفيد دور اليسار، بينما دور الإسلاميين انتهى، لأن الدولة مالت ميلة واحدة لبرنامج اجتماعي يبعد تأثير اليسار والإسلاميين في الشارع، وهذه الخطوة أثارت ليبراليين يرغبون في تقليص دور الدولة.

+ لم يعد وزير الداخلية هو حامل رسائل الدولة للأحزاب، إذ ما لا يقوله لفتيت يقوله بنشعبون في كلام واضح واستراتيجي، كي لا يكون لخطاب الدولة بعد أمني في التعامل مع بعض المكونات السياسية

    بعد أن تلقت وزارة الداخلية اقتراحات الأحزاب(1)، أوجدت الوزارة الوصية على الانتخابات اقتراحا لجعل التعددية متسلطة(2)، من إعادة إدارة البلقنة عبر نمط الاقتراع(3) بعد نهاية التقطيع وتثبيت النظام الجهوي، وفعلا، انعزل حزب رئيس الحكومة عن المشهد، رغم أن موقعه متقدم على صعيد السلطة التنفيذية.

وتبعا لتفاصيل اللقاء بين لفتيت والأحزاب(4)، كان من الضروري العمل لإرسال إشارات أخرى للدولة المحسوبة خطواتها من قناة أخرى.

وتقدم وزير المالية ليؤكد على التحديات وعدم تكرار حرب الداخلية والأحزاب، أو تحميله هذا الجهاز أو ذاك الأزمة التي تعيشها المملكة.

ويتخوف الجميع من تكرار السيناريوهات السابقة، أو الحرب الانتخابية في موعد 2021، لأن الوضع الاقتصادي لن يسمح بأي مناورة.

وبناء على ذلك، يمكن القول بوضوح، أن قدرة الدولة التي لا تسمح لشركات استنفذت أغراضها بالحياة تدعم أحزابا، استنفذت أغراضها وتحاول تأهيلها، فالطبيعي أن الأحزاب كالشركات يمكن أن تنتهي صلاحيتها، وأن الدفاع عن رؤية أخرى يبدأ من إصلاح اقتصادي أساسه إصلاح هيكلي تاريخي للمؤسسات والمقاولات العمومية.

 فالرفع من فعالية الحزب لخدمة المصلحة العامة، والمقاولة العمومية لخدمة الصالح العام، يعملان سويا لإنجاح الخروج من أزمة “كورونا” والبدء في إعادة تقييم جديد للوضع المؤسسي، ولذلك، جاء خطاب الدولة واضحا، بأن كل ما تهتم له هو الخروج من الأزمة الاقتصادية، ويجب على السياسيين أن يعملوا في هذا الاتجاه، من واقع أن الدولة المغربية تسعى لتخطي الأثار الاقتصادية لـ”كورونا” من دون أثار سياسية.

وبناء عليه، سيكون العمل على المصداقية “السياسية” جزئيا، هو القرار المطلوب في هذه المرحلة، وليس مهما الاعتماد على دبلوماسية اللقاءات، بين الداخلية والأحزاب، بغية تمرير المرحلة بأقل نقد سياسي أو إطلاق تقييمات سلبية.

إن الخوف كبير من النقد السياسي حول إدارة مرحلة “كورونا” كما حدث بين بايدن وترامب، وبالتالي، ستكون التوقعات في انتخابات 2021 غير خاضعة للمفاجأة.

ويمكن القول أن حزب العدالة والتنمية لا يزال متمسكا بمعاركه الصغيرة، فيما آلف مع بن كيران معارك كبيرة، وإن هي بنتائج جوفاء في أغلبها.

من جهة، لأن تحريم السياسوية في انتخابات 2021، رسالة لعدم عودة بن كيران أو نهج طريقه بالنسبة لرئيس الحكومة، وقد خرج معه إلياس العماري، ليتركا الساحة السياسية والحزبية أقل شعبوية وحيوية وأكثر جمودا.

وحرمان الأحزاب من نقد وتقييم السياسة العمومية في ظرفية “كورونا” هو عدم وضع عود الثقاب أمام برميل البارود.

قد يكون دور المعارضة أقل في الأفق القادم في 2021 وبعدها، وبالتالي، نرى أن مسألة الصراع على السلطة لم تعد عاملا جوهريا اليوم، وتخاف دوائر القرار من إثارة الجمر بين الرماد، وبالتالي، ليس واضحا إن كانت رسائل السلطة قد وصلت إلى الأحزاب، لكن لا أحد منها يسعى إلى الهيمنة، لأن الهيمنة معامل فريد للإدارة الترابية.

 

هوامش :

  • Elections: les propositions des partis remises à l’interieur. aujourd’hui.ma.17/7/2020.
  • Le multipartisme marocain entre les contraintes d’un pluralisme contrôle et les dilemmes d’un pluralisme autoritaire, open édition journals remm, 2020.
  • Mode de scrution, m, le 360.ma, 19/7/2020.
  • Les détails de la réunion entre le ministre de l’interieur et les partis politiques, le matin, 8/7/2020.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق