الحقيقة الضائعة

الحقيقة الضائعة | مؤامرة الغولف الملكي لإسقاط النظام الملكي “الحلقة التاسعة”

عندما خطط الانقلابيون لإعدام أعضاء البرلمان

حتى لا ننسى.. الصخيرات المجزرة السياسية
 ((من المؤمنين رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه فمنهم من قضى نحبه ومنهم من ينتظر)) صدق الله العظيم.
يقول القيدوم الراحل أستاذنا مصطفى العلوي: ((وما كان لأحداث على مستوى خطورة هجوم الصخيرات أن تدرج في مسالك النسيان، دون أن نستخلص الدرس منها، وكان الملك الحسن الثاني رحمه الله، حريصا على إقبار أخبارها وأسرارها، تفاديا لاستمرار البحث عن دوافعها وأسبابها والمسؤولين عنها، بقدر ما يحرص كتاب “الصخيرات المجزرة السياسية” على استخلاص الدرس مما خطته دماء الضحايا، ودموع الثكالى على جبين التاريخ المغربي المعاصر.
فيما يلي، تقدم “الأسبوع” أقوى ما كتبه الراحل مصطفى العلوي عن محاولة انقلاب الصخيرات، عبر حلقات ضمن ركن “الحقيقة الضائعة”.
بقلم: مصطفى العلوي

  شاءت الظروف أن تخلق الصدف رأسين لمحاولة الانقلاب، بعد أن لم يكن لهذه المحاولة إلا رأس واحد، وأصبح عبابو يضع بنفسه الخطوط الجديدة لانقلابه، فهو الشخص الوحيد الذي بيده القوة الضاربة، هؤلاء الطلبة الشبان الذين شحنهم على مر الأيام بالروح الثورية، بعد أن أعطاهم تكوينا عسكريا صارما، وغذاهم بمعنوية كلها حقد على الأوضاع وعلى الحاكمين، وفي نفس الوقت، أخذ يتردد على الرباط بكثرة وسكن في بيته البحري بشاطئ الرمال الذهبية، وأطلق جواسيسه حول المذبوح، حرصا وتحفظا من كل خيانة محتملة قد تصدر عن هذا الجنرال.

وفي نفس الوقت، كان المذبوح يفكر جديا في طريقة أنجع لتحقيق هذا الانقلاب، ولكن في ظروف أكثر أمنا، وأن يحفه بحظوظ للنجاح أكثر ثباتا من أن تزعزعها حادثة بسيطة أو ملاحظة عابرة.

وفي بيت الشلواطي بحي السويسي بالرباط، تم الاجتماع الخطير الذي تقابل فيه عبابو مع المذبوح، وكان الحديث صريحا، واقتنع عبابو بالنية الصارمة للمذبوح في تنظيم الانقلاب.

وتعهد المذبوح بأن يتفرغ لتنظيم الانقلاب، وفعلا، طلب من الملك أن يعفيه من العمل الليلي حيث أن أطباءه نصحوه بأن ينام إثني عشرة ساعة في اليوم، أي من الثامنة مساء إلى الثامنة صباحا، وكان له ما أراد، وأخذ يغادر القصر مساء كل يوم ويصل إلى بيته، حيث يغير ثيابه ويخرج رفقة سائقه، ولا يعود إلا في الصباح، فقد كانت مكانته لدى الحسن الثاني تنزهه عن كل الشكوك وتبعده عن كل متابعة، وغضبت زوجته، ابنة الجنرال أمزيان، ورحلت إلى بيت أبيها، وطلبت الطلاق، ولم يأبه بها. لقد كان على موعد مع عمل خطير، وأشاع في جميع الأوساط أن الملك عرض عليه وزارة الداخلية، لكن الأطباء أكدوا أنه محكوم عليه بالموت بسبب مرض السرطان الذي يأكل أمعاءه.

والحقيقة، أن المذبوح كان أقوى من حصان، وأن مرضه كان مجرد خدعة ضحك بها على كل من يتعامل معهم.

وأصبح المذبوح يولي اهتماما بالغا للكولف الملكي بالسويسي، وضرب للملك وعدا بأنه سيفتتح هذا الغولف بمناسبة ذكرى عيد ميلاد الملك، وأنه سيستدعي كبار اللاعبين العالميين لهذا الغرض، وأنه سيقيم حفلة ساهرة يستدعي إليها شخصيات يختارها بنفسه، ويترأسها الملك وأفراد أسرته، وحدد لها موعدا يوم الأحد حادي عشر يوليوز، وطبعت بطائق الاستدعاء باسم الجنرال المذبوح، ووزعت على أغلب الشخصيات، وكان المذبوح يقضي يومه كاملا في الغولف يشرف على الترتيبات بنفسه.

لقد قرر المذبوح وعبابو أن يتصرفوا بأنفسهم، وأن يجعلوا الأحداث تحت تصرفهم، وأن يضمنوا لتلك الأحداث عوامل النجاح، وكان البرنامج كما يلي:

يقع الغولف الملكي الذي كلف أربعة ملايير فرنك، على بعد كيلومتر واحد من قصر السلام، في غابة مترامية الأطراف، على الطريق الرئيسية المؤدية من الرباط عبر طريق زعير إلى الرماني فبن سليمان.

وقد حضر هذا الغولف ليكون مسرح الانقلاب التاريخي الذي سيغير تاريخ المغرب، لذلك أحيط بجدار علوه ثلاثة أمتار على طول سبع كيلومترات وكأنه سور الصين، وشقت طريق من نوع الأوطوروت لتؤدي إلى هذا الغولف، ومن غريب الصدف، أن قصر الملكة الأم، يوجد في منطقة الغولف نفسها، ومن أغرب ما في هذه الصدف، أن السجن السري الذي يستعمل لتعذيب المعارضين، ويسمى “دار المقري”، والذي كان منذ عدة سنوات ملتقى المعذبين من أجل أفكارهم، يوجد هو أيضا في هذه المنطقة ولا يبعد عن الغولف الملكي إلا بمائتي متر، وقبل توزيع الاستدعاءات لسهرة الافتتاح، أصدر الجنرال المذبوح أوامره إلى مصلحة المخابرات البوليسية كي تفرغ السجن السري، “دار المقري”، من جميع المعتقلين، وأن تسلم له مفاتيح ذلك السجن، وفي ليلة واحدة، أفرغ سجن المعذبين من المعتقلين السريين وكان به معتقلون منذ سنة 1961 لم يكونوا يعرفون أين هم، ولا ما هو مصيرهم، ولكن إرادة المذبوح فوق الجميع، وسرعان ما سلمت المخابرات مفاتيح السجن السري للجنرال المذبوح دون أن تسأله لماذا.. وقام المذبوح بزيارة أطلال التعذيب بنفسه، ولكنه كتم السر في صدره والمفاتيح في جيبه.

وكان المخطط السري يقضي بأن يطلب عبابو السماح له بالقيام بمناورة عسكرية في بن سليمان، بأن تخرج فصائل الضباط الصغار من أهرمومو إلى فاس، ثم مكناس، فالرباط ثم بن سليمان عبر طريق زعير، أي حوالي أربعمائة كيلومتر، لتقوم بمناورات عسكرية بالذخيرة الحية، وصدرت الأوامر إلى إدارة المدارس العسكرية وإلى القيادة العليا للجيش، بوضع جميع الترخيصات رهن إشارة عبابو للقيام بمناورته، وطلب عبابو ثمانية أطنان من الرصاص، وأعطيت له دون أن يسأل أحد عن السبب أو يحاسب عبابو، فأوامر المذبوح لا تناقش، وعندما يتم الطلبة مناوراتهم عشية الأحد حادي عشر يوليوز، يعودون إلى أهرمومو عن طريق زعير، وهناك عند الغولف الملكي الذي يصلونه حوالي منتصف الليل وهم في طريقهم، يتوقفون لدخول الغولف وتطويقه واعتقال الملك وسجنه في دار أمه، واعتقال جميع الحكوميين وسجنهم في المعتقل السياسي “دار المقري”، وإعدام لائحة معينة من الضباط في نفس الليلة تحت أضواء وانفجارات الشهب الاصطناعية، وفي منتصف الليل، يسجل الملك خطاب التنازل في قصر أمه، ثم يؤخذ في طائرة خاصة هو وأفراد أسرته تحت جنح الظلام، وتؤمر الطائرة بالتوجه إلى عمان، حيث تتخذ الترتيبات لنفي الملك عند صديقه الملك حسين، وعند طلوع صباح يوم الإثنين ثاني عشر يوليوز، يفاجأ المغاربة والرأي العام العالمي، بأن عهد الملكية قد ولى مع ظلام الليل، وأن المغرب ابتداء من ذلك الصباح، أصبح تحت إدارة جديدة، وكانت مهنة الإدارة الجديدة هي أولا، القيام بالتخلص من جهاز الحكومة الذي كان مفروضا أن يكون معتقلا في “دار المقري”، وذلك بمحاكمات علنية وتنفيذات لأحكام الإعدام الجماعية بطريقة تجعل الشعب مقتنعا بأنه تخلص من أعدائه، وبالتالي، تجعله يصفق من الأعماق للثورة، وتقول التقارير السرية أن المخطط كان يقضي بإعدام خمسة آلاف متعامل مع الحكومة، وعلى رأسهم جميع النواب البرلمانيين، الذين كان مقررا أن يعدموا في الساحة العمومية، وكلهم أعضاء البرلمان الذي شكله الجنرال أوفقير من أصدقائه ورجاله حتى سمي ذلك البرلمان، “برلمان أوفقير”، سنة 1970.

وتم الاتفاق على هذا البرنامج، وحضرت لائحة المنفذين له، وكان على رأسها الجنرال المذبوح وعبابو وحمو والشلواطي، وكان بديهيا أن الضباط الآخرين سيبتعدون، بحكم طاعتهم للجيش وبحكم ما تبادلوه من أسرار، من الجنرال المذبوح.

وانطلق البرنامج الجهنمي بسرعة البرق، وشرع في تنفيذ التفاصيل، وتوالت في بيت الشلواطي وعبابو والمذبوح، وكان يوم حادي عشر يوليوز يقترب، وحرص المذبوح على أن تبقى المظاهر كما كانت، وتم استدعاء المئات من أصدقاء الملك والمعجبين به، واستدعاء المطربين والمطربات، وإعطاء صبغة الهيبة والجلال المعتادة حتى تتم تغطية العملية بكل دهاء وذكاء.

وكان عبابو يتتبع الخطوات التي يخطوها المذبوح بكل عناية، فيجدها ثابتة راسخة، وتأكد من أن المذبوح صادق في نيته، وأنه لا محالة سيصبح رئيسا للجمهورية صباح الإثنين ثاني عشر يوليوز 1971، وتم تعيين الكولونيل الشلواطي قائدا عاما للجيش، وهنا لاحت الثغرة الكبرى، وتبين لعبابو أنه ربما سيكون أحق من المذبوح بمنصب رئاسته الجمهورية، وفكر مليا في الموضوع، لكنه حرص على أن يبقى الموعد هو الموعد، سهرة الأحد في الغولف الملكي، وأخبر الضباط المشاركين في الانقلاب بأن عليهم أن ينتظروا الأوامر، وفي يوم تاسع يوليوز، أخبروا جميعا بأن ساعة الصفر هي الثانية عشر من ليلة الأحد.

وفي يوم ثامن يوليوز، شوهد الكولونيل عبابو في القيادة العليا للجيش يتنقل بين المكاتب ويفتش الأركان والأبواب، ويزور أصدقاءه في مكاتبهم ويبادلهم الحب والحنان، ولكنه في نفس الوقت، كان حريصا على أن يزور كل مكتب وكل الممرات وكل القاعات، ودخل عند الجنرال البشير وسلم عليه وبادله حديثا طويلا بصفته المفتش العام للجيش، ثم توجه إلى بيته بشاطئ البحر، حيث شرع في اتصالاته مع أصدقائه، لكنه قبل أن يغادر القيادة العليا، التقى ببعض الضباط وطلب منهم أن يشرفوه بتناول طعام الغذاء معه عند أخيه الكومندان عبابو في القنيطرة زوال يوم السبت عاشر يوليوز، وقبل أغلبهم الدعوة.

كلها تحركات واستعدادات علنية لا تثير فضول المخابرات المدنية ولا المخابرات العسكرية، رغم أن الديوان العسكري للملك كان يرفل بنماذج من القوة والدهاء والنفوذ.

 

يتبع

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق