ملف الأسبوع

ملف الأسبوع | هندسة “البلقنة” لتحرير الحكومة من حزب العدالة والتنمية

مصطفى الرميد في خلاف كبير مع العثماني

ربح المغرب خفض منسوب “الحرارة السياسية” من صراع سابق بين بن كيران ومستشاري الملك إلى معركة بين رئيس الحكومة ووزير داخليته، ولا أحد يشير، تحت قيادة العثماني، إلى “دعم مستشار ملكي” لهذا الخيار أو ذاك.

وجاء تدخل وهبي عن حزب الأصالة والمعاصرة، لتحميل مسؤولية ما يجري لرئيس الحكومة، كي لا يرسل العثماني بها خارج مربعه، لأن الهروب الحزبي أو الشرود، قد يكرر التجربة السابقة التي أقصت معها أي دور لمصطفى الرميد، الذي أصبح يبرر ما حدث للمغرب في المجلس الأممي لحقوق الإنسان.

واقترح بن كيران، في تسوية ما بعد إقالته وتعيين سعد الدين العثماني، أن يكون مصطفى الرميد وزيرا للدولة كي يواجه بموقعه، ويتقدم عن وزير الداخلية، لكن الأمور ذهبت في اتجاه المزيد من إضعاف موقعه بعد القول مرات أنه في حكم “المستقبل”.

تتمة المقال بعد الإعلان

لقد أصبح الرجل الفولاذي لحزب العدالة والتنمية في حكم وزير “تصريف الأعمال”، وهو ما زاد من الضغط على العثماني، الذي يناور دائما خارج مصالح حزبه تحت عنوان “المرونة والبراغماتية” وهو يدرك أن الوضع انتهى إلى خريف عربي فرض توازنات جديدة غيرت الشرق الأوسط، وستغير المعادلات التقليدية للمغرب العربي انطلاقا من المغرب.

 

أعد الملف : عبد الحميد العوني

 

تتمة المقال بعد الإعلان

+ إقفال قوس الإسلاميين في العالم العربي والمغرب

    خرج الإسلام السياسي من الساحة، ولا يزال المغرب ينتظر شهورا لإقفال قوس هذه التجربة كليا بالمغرب، فالقائد السابق لحزب العدالة والتنمية لم يستطع أن يشكل حكومته، وشكلت الدولة حكومة من غيره (العثماني) كي لا تلجأ لانتخابات مبكرة، ولذلك عاد التحكيم الملكي سلطة سياسية قوية عبر أمرين:

1) إدارة الاستقطاب السياسي بما يفيد تدخل الملك لتثمين دور القصر في التحكيم.

2) إنهاء الاستقطاب الذي بقي “متواصلا” بعد الانتخابات وأنهى دور بن كيران، وأبعد المغرب عن انتخابات مبكرة.

لقد كان ما حدث عند البعض “اسقطابا مصطنعا”، بما يفيد أن المعركة كانت مفتعلة للوصول للأهداف المرسومة، إذ تؤكد جهات معروفة أن “بن كيران جزء من لعبة انتهت بخروجه منها”.

ويعرف الاتحاديون قبل غيرهم، أنهم اقترحوا على بن كيران إعلان حكومته علنا، ومن أحزاب الكتلة الوطنية، لكن رئيس الحكومة السابق رفض، فتحالف لشكر مع أخنوش، ليخرج بن كيران من الباب الضيق.

لم يكشف بن كيران عن دوافعه في هذا التراجع وسكت عن تفاصيل عديدة، وكلها تؤكد أن حزبه معه عكس اليوسفي، الذي ووجه بانشطار حزبه لإضعاف سرعته في الإصلاح.

لم يستطع بن كيران مواصلة معركة أرادها أن تكون لبقاء حزبه أولا وهو رئيس حكومة، لكن أي رئيس حكومة من العدالة والتنمية لم يشكل حكومته، بدءا من بن كيران بمشاركة الاستقلال، ثم بانسحاب هذا الحزب ودخول حزب التجمع الوطني للأحرار، ومع نفس الحزب مع شباط لم يتمكن بن كيران من تشكيل حكومة ثانية، إلى حين إبعاده.

وحاليا، لا يرغب رئيس الحكومة في مواجهة الداخلية، وليس معه فريق قوي، لأن بن كيران والرميد معزولين.

+ لفتيت بنى إدارته على حصار حزب العدالة والتنمية لاجتياح حزب الأصالة والمعاصرة، على الأقل عند المعارضين، لذلك أخذت الداخلية على عاتقها عدم تركيز القرار الحزبي ومن ثم الحكومي

    إن حرب الداخلية على “التمركز والتركز” تشمل الأحزاب أيضا، وفي ظروف إقليمية مساعدة، ستكون آخر حكومة للإسلام السياسي هي حكومة العثماني، رغم دعم تواصلها مع الخارج، وانغلاقها الذي فرضه بن كيران على حزب العدالة والتنمية، إذ جعل الدبلوماسية حقلا محرما على رئيس الحكومة، ومن ثم جعلها حكرا على القصر.

وفي اندفاع قوي للحزب، أضعف بن كيران الإشعاع الإقليمي لحزبه، ووافق على إقالة العثماني من وزارة الخارجية، وانتهى الأمر إلى إضعاف للحزب خارجيا، لينتقل حصاره إلى الداخل، وإن تجاوز الحزبيون المنظمون الانقسام السياسي، إلا أنهم أثروا على حركية وديناميكية الحزب.

وإلى الآن، لا تزال الداخلية متخوفة من “النواة الصلبة” لحزب العدالة والتنمية، عكس باقي الدوائر الغربية التي ترى أن السياق الداخلي من خلال استهلاك السلطة للإسلاميين، والسياق الخارجي، عاملان متظافران للنهاية السياسية للعدالة والتنمية، وبقيت النهاية “العددية” فقط، ولذلك لجأت إدارة لفتيت إلى فتح قواعد اللعبة على “البلقنة” لتحرير رئاسة الحكومة من حزب العدالة والتنمية.

وتبعا لهذا الترتيب، فإن حزب العدالة والتنمية سيفقد في الحسابات الجديدة لعد الأصوات، حوالي الـ 30 مقعدا، وسيكون المعدل المؤكد في نجاحه هو 89 مقعدا فقط.

وتأكيدا على هذه الخلاصة، فإن اعتماد النظام اللائحي كلف خسارة 30 مقعدا، وباحتساب الأصوات على أساس لوائح المسجلين وليس الأصوات الصحيحة، تكون الخسارة مضاعفة، فيما بعض الأحزاب اختارت أن يكون العد على مجمل الأصوات، أي باحتساب الملغاة والصحيحة معا.

وتذهب الأمور إلى مسار أكثر تعقيدا من زاويتين:

1) أن حزب العدالة والتنمية وهو يتراجع، لن يترك الأمور تزيد سوء.

2) أن تنازلات الحزب أصبحت ممنهجة وتضرب في مصالحه الحيوية.

وقد يتوحد الحزب في هذه المعركة ضد الداخلية ليدخل الانتخابات أكثر وحدة، فاليوم يتراجع موقعا العثماني والرميد في داخل الحزب، ولا يريد بن كيران المغامرة، لأن الحرب مع الداخلية خبرها من قبل ولا يريد الدخول فيها، ولكنه يحركها بشكل لا يخدم العثماني والقيادة الحالية.

وبناء عليه، سيكون مهما أن تسير الأمور بدون تصعيد، فالداخلية أعطت “ميدان حرب كاملة” لحزب العدالة والتنمية.

ويعرف الجميع أن الأزمي، عمدة فاس، أقرب إلى بن كيران، لكنه عوض أن يذهب إلى انتقاد الداخلية انتقد القاعدة الشعبية للأحزاب، فالذين لا يصوتون ليسوا داخل اللعبة، ومن جهة ثانية، لا يوجد لاعب يعوض بن كيران، ولو من داخل تياره الحزبي، وهي خلاصة صعبة على قواعد الحزب الذي آلف قيادة أكثر صراحة في التعاطي مع المعطيات، وهو ما يفتقده مع العثماني وباقي طاقمه.

لا شيء حاليا يؤكد التسوية بين الداخلية وحزب رئيس الحكومة، لأن الأمور تذهب باتجاه تحميل المسؤولية للعثماني، وصراحة بن كيران أنقذته بتحميل المسؤولية لأصحابها.

ويعرف الجميع أن العثماني يرغب في تسوية، حيث تقول المصادر الفرنسية: “إن حزب العدالة والتنمية يحاول أن يحافظ على 30 مقعدا بعد ذهاب 30 مقعدا لتراجع شعبيته، وعدم وجود استقطاب في 2021”.

ولن يسير المعارضون إلى أبعد من الخلاف مع وزير، وقد أبعدت الدولة كل الأصوات والأقلام التي صنعت استقطاب البارحة على الجانبين: حزب الأصالة والمعاصرة وحزب العدالة والتنمية على حد سواء.

كانت يد الدولة ثقيلة، فما حماه بن كيران وإلياس العماري انتهى إلى قادة لا يرغبون في أي مواجهة مع أي طرف، فلم يعد إلا انتقاد الشعب والاتجاه إلى انتقاد القواعد، وهذه أزمة تؤكد على تحرير رئاسة الحكومة من حزب العدالة والتنمية.

ماكرون لن يقبل رئاسة إسلامي للحكومة، خصوصا وأنه لا يميز بين “الإسلام المعتدل” و”الإسلام المتطرف”

+ هجمة ماكرون على الإسلام لا تسمح للإسلاميين برئاسة الحكومة القادمة

    لن يعود ممكنا السكوت على إدارة الإسلاميين للحكومات في غرب إفريقيا، وفي المغرب، لأن مجرد بقاء هذه الأوضاع مستقرة أو جامدة لا يفيد باريس.

وقد تحملت حكومة حزب العدالة والتنمية مسؤولية اعتقال صحافيين والمس بحرية التعبير، على حد ما يراه المعارضون، وحاليا، يمكن توحيد المعركة لنصرة حرية التعبير في المغرب وفرنسا، استنادا إلى تحميل المسؤولية في الرباط لحكومة “الإسلامييين”.

لقد استغلت السلطة العثماني، لتمرير أجندتها من دون مسؤولية مباشرة لدوائر القرار، وبالتالي، فإن ماكرون سيكون أكبر عامل في إبعاد العثماني وحزب العدالة والتنمية من رئاسة الحكومة المقبلة، وعدم توزير رجال الأعمال في هذا الظرف الاقتصادي الصعب.

وتجري مشاورات واضحة لمنع:

1) عودة العثماني وحزبه إلى ولاية ثالثة في رئاسة الحكومة.

2) أخنوش وباقي رجال الأعمال من الحكومة القادمة، لإخراج المغرب من الانكماش.

وكانت بعض الأوساط قد اقترحت لحل الأزمة، العمل على إجرائين:

ـ حكومة تكنوقراط يرأسها سياسي، لكن هذه القضية ليست محببة عند كثير من المراقبين.

ـ حكومة تكنوقراط من كل الأحزاب، ولم يكن هذا الحل ناجحا بعد التعديل الحكومي الأخير الذي حول الوزارات إلى أقطاب، وبقيت الأحزاب بدون تمثيل واسع ونافذ.

وخلص حزب العدالة والتنمية إلى:

1) عدم وجود معركة تحافظ على شعبيته.

2) أن قادته انخرطوا في الهجوم على بن كيران دون أن يتمكنوا من ملء فراغه.

3) أن قواعد الحزب أكثر براغماتية مما سبق.

4) أن الفعالية التنظيمية انتهت.

5) أن التفريط في العمل الدعوي انتهى.

وحاليا، ستزيد الإجراءات الفرنسية التي يقودها ماكرون من:

ـ عدم توسيع نشاط الأحزاب “الإسلامية” وضمنها الجماعات الدعوية ذات الصلة، وسيتضرر حزب العدالة والتنمية، لأنه غير قادر على حماية نفسه من الإجراءات الأمنية الجديدة.

ـ عدم السماح بنشاطات حزبية إسلامية.

+ إجراءات وزارة الداخلية في مواجهة العدالة والتنمية والإجراءات الخارجية لماكرون، تعرقلان رئاسة إسلامي للحكومة القادمة

    لم يعد هناك عند ماكرون تمييز بين إسلامي معتدل وباقي الإسلاميين “المتطرفين”، فالإجراءات تشمل دينا يعيش في أزمة، ولا يجب بأية حال، أن ينقلها إلى دولة اسمها فرنسا.

ومن المهم في كل ما يجري، فصل الدين عن السياسة لإعلان هيكلة أخرى للمشهد الحزبي في بلدين: تونس والمغرب، لإمكانية تحقيق نتائج ضد حزبي النهضة في تونس، والعدالة والتنمية المغربي.

وقد أصدرت المخابرات الخارجية الفرنسية تقييم حالة يبعد:

ـ حركة النهضة من وزارة الداخلية.

ـ حزب العدالة والتنمية من رئاسة الحكومة.

وهذا الأمر استراتيجي جرت بشأنه مشاورات مكثفة بين المخابرات الخارجية الفرنسية ووزارة الداخلية في نفس البلد، لتعمل المنطقة على حسابات واضحة.

لقد سهر الفرنسيون على تأمين مشاركة حزبي النهضة والعدالة والتنمية في الحكم طبقا لتوصيات تعزل المتطرفين عن المعتدلين، لكن المعتدلين أصبحوا متطرفين والعكس صحيح.

لكن ما هو مهم من كل ذلك، هو أن أقصى ما يمكن أن يصل إليه إسلاميو العثماني في 2021، هو منصب رئيس البرلمان، وهو الإجراء الذي يستدعي إعادة إدماجهم، بالحفاظ على تمثيلهم الاجتماعي وليس السياسي، لأن ما يهم هو “الاحتواء” بعيدا عن تسليم مناصب تنفيذية سيادية أو دبلوماسية لهذا التيار.

وحمى المغرب إسلامه، حسب الخبراء الفرنسيين، كي يكون محليا وليس بالضرورة صوفيا، بل إن معارضته جاءت من طرف جماعة دينية تدين بالولاء لشيخ مغربي (عبد السلام ياسين).

+ المغرب لن يهتم مستقبلا بالتطبيع مع جماعة “العدل والإحسان”

    إن التطور الذي تؤكد عليه فرنسا ودوائر البحث، يتمثل في أمرين:

1) أن الاهتمام بإدماج جماعة “العدل والإحسان” في المؤسسات المنتخبة، ليس “أولوية”، ولا يجب أن يكون، لأن الإسلاميين ليسوا سوى “مكون” تأسس لأجل السلطة، وحرمانه منها يعني تحلله.

ولذلك، فإن قضية إدماج تيار محدد في المؤسسات، ليس ضرورة، كما في كلاسيكيات العلوم السياسية، وقد نجحت نظم ثانية في إدارة الإقصاء وليس الإدماج، لضمان موقعها مع معارضيها، وربما تستعير باريس نفس المشهد لهذا الغرض.

2) أن حزب العدالة والتنمية ليس رقما اجتماعيا ووجوده في المؤسسات هو ما جعله مؤثرا، لذلك، فإن إبعاده عن السلطة التفيذية، هو الطريق لإضعافه.

وسيكون مهما أن يتأكد أن:

ـ لعبة الاندماج يجب أن تكون مجرد احتواء.

ـ قدرة الإسلاميين على احترام المؤسسات السيادية قائمة، وبالتالي، فإن هؤلاء المحافظين يشكلون الأنصار الطبيعيين لإمارة المؤمنين، وهذه هي النقطة الثانية في منظومتهم، من واقع قدرة الإسلاميين على الاستفادة من شريحة المحافظين بشكل واسع وعميق، وهو ما يؤثر على الخارطة السياسية إلى العام 2050.

+ الداخلية تريد أن تجعل من “البلقنة الحزبية” خيارا مستقبليا واستراتيجيا

    في المغرب، لا يرفض النظام السياسي الحزب الواحد فقط، بل يرفض الحزب الكبير أيضا، لأنه يؤثر على تنزيل السياسة المقررة، فليس الأمر متعلقا في المملكة بـ”إنتاج الأحزاب للسياسات، بل بتنفيذها”، ولذلك، فإن الأحزاب الصغيرة أقدر على التنفيذ وتمرير الطوارئ وجعل التمثيل الحزبي جزء من استيعاب “النخبة”، العصية عن الاندماج في اللعبة.

ويمكن القول بوضوح أن “فشل الرسميين في احتواء النخبة المغربية أمر جلي”، وقد تركت تكتيك البصري الذي اعتمد على فرز الأفراد ومخاطبتهم واحدا واحدا.

وفعلا، تمكن هذا الأسلوب من استيعاب نخبة محافظة في مقابل نخبة منظمة “إلى الأمام” والمتطرفين الماركسيين، قبل أن تعمل آلية الإدماج على “البراغماتيين الماركسيين” في هذه التنظيمات.

إن القلق الفكري لجيل السبعينات، الذي رأى أمامه الاتحاد السوفياتي ينهار في نهاية الثمانينات، استوعبه البصري في أحزاب صغيرة، من منظمة أيت إيدر وإلى انشقاقات داخلها، وبقيت الفكرة اليسارية المغربية المبنية على الانقسام الذي استوعبه النظام، إذ يدعم كل تيار براغماتي أو شخصية براغماتية في أي تيار معارض، وهو ما أضعف العامل السياسي بشكل كبير لا يقبل الجدل.

ولم يتمكن النظام السياسي من إنجاح خيار “البلقنة” في مواجهة حزب العدالة والتنمية، إذ قد يضعف الحزب ولا ينقسم، لأن قادته يجمدون صراعاتهم عند نقطة معينة، ويتركون للنظام المبادرة، ولذلك، اتجهت الداخلية إلى انتهاج “البلقنة”، من خلال احتساب جديد للمقاعد يسمح بخسارة حزب العدالة والتنمية لمقعد من كل أربعة.

التنافس الذي تسهل إدارته من داخل دوائر القرار

+ خسارة حزب العدالة والتنمية لمقعد من كل أربعة مقاعد هو خيار الداخلية

    إن تمسكت الدولة بخيارها منذ سنة 2002، بعد تزوير الانتخابات، فإن إضعاف الأحزاب لن يكون إلا بـ”البلقنة”، وهذه “البلقنة” المسطرية ملجأ تكتيكي من أجل تحويل حزب العدالة والتنمية إلى حزب متوسط، فإن أضفنا إليه تراجع 25 من قواعده المحافظة، وقد وازتها من الأصوات المصلحية لتسيير حزب العثماني أغلب الجماعات، فإن الحل لن يكون إلا بانقلاب مسطري يدار اليوم.

وتأسيسا على ما سبق، فإن الداخلية التي تهندس الخرائط والمساطر، تعمل حاليا على الإضعاف المسطري الذي تترتب عنه 4 ملاحظات:

1) خسارة العدالة والتنمية لمقعد واحد من كل أربعة مقاعد.

2) خسارة العدالة والتنمية لشعبوية بن كيران الذي أسس 70 في المائة من الأصوات الداعمة له خارج قاعدة الحزب.

3) خسارة العدالة والتنمية لـ 3 من كل تسعة مقاعد بعد مرحلة بن كيران.

4) أن متوالية الخسائر، في حال نجاح الإجراءات التي تستهدف حزب العدالة والتنمية، تؤكد على خسارة واحد من أربعة مقاعد.

وحسب التقارير الخارجية، فإن حزب العدالة والتنمية قد يفقد التمثيل الحالي، لكن هناك من يعارض هذه النتيجة ويقول بأن الحزب الذي يسيطر على الجماعات، سيكون بمثابة خزان يضمن تجاوز الخسارة من خلال استثمار بنيات أخرى.

وهذا التحول من الديني (الأخلاقي) إلى البراغماتي، سيعزز قوة الحزب، وسيضعف الحزب الثاني (الأصالة والمعاصرة) الذي عاش على الأعيان وعلى “التقاطب” أو “الثنائية المصطنعة”، ولذلك، فإن الذين ينعتون الوضع بـ”المصطنع”، يكشفون أن نتائج حزب الأصالة والمعاصرة مصطنعة، ولا تبين قوة الحزب، بل قوة الاستقطاب بالانقسام الاجتماعي والإيديولوجي الذي حدث بين من يدعي الحداثة ومن يدعي المحافظة.

وجزء من نتائج حزب العدالة والتنمية مصطنعة، استغلت بدورها النزال الشعبوي، وقد تقرر ذهاب بطلي هذه العملية من الحزبين: بن كيران وإلياس العماري، وسكت هذان القائدان عن آخر التطورات وإن بتحفظات كبيرة عما يجري.

وحاليا، يصل حزب العدالة والتنمية إلى المرحلة الرابعة من الحصار على نتائجه، بدءا من ذهاب بن كيران ونهاية بـ”بلقنة” احتساب الأصوات.

ومن اللافت أن “المرونة السياسية المتطرفة” في بعض وجوهها لسعد الدين العثمان لم تجد نفعا، ولم تكن هي الثمن المطلوب، لذلك، فإن الحزب تلقى ضربات مبرمجة كانت قيادته مشاركة فيها.

ولم تتحرك قواعد العدالة والتنمية إلا بعد مساس المصالح الحيوية للحزب، ويعتقد ملاحظون دوليون، أن “حزب العدالة والتنمية سيضمن بقبوله الإجراءات الجديدة لعد الأصوات، بقاء الحزب في الحكومة، ومن ثم بقاء أطول للحزب في البرلمان لولايات أخرى”.

وسيصل تقويض الحزب إلى مراتب ودرجات أخرى، لأن الحرب ضد حزب العدالة والتنمية، في نظر أنصاره، “متواصلة”.

ونتيجة لعدم قوة وشعبوية سعد الدين العثماني، فإن الحزب خسر جزء مقصودا من قوته، التي ارتبطت بظرف وشخص، وبناء صراع انتهى إلى إبعاده من حسابات الدولة.

وانطلاقا من التقديرات الجارية على الأرض، فإن رؤية الوضع الحزبي في المغرب على أساس الضعف، هو الذي شرعن “البلقنة” مسطريا، فالأحزاب تعيد نسج تقسيم المقاعد الذي حدث في عهد البصري.

ويساهم الجميع حاليا في إعادة إنتاج مرحلة البصري، خصوصا في علاقتها بالأحزاب الصغيرة، إذ جاء تفكيك اليسار الجديد انطلاقا من تحزيب فصائله، ولم يسمح للإسلاميين بهذا الأمر، خوفا من تحويل هذه الأحزاب الصغيرة إلى جماعات قد تعمل، في حال حظرها، في الظل، وقد تنتهي إلى خلايا إرهابية.

ومنذ تجربة البديل الحضاري، طرأ ترتيب آخر يذهب باتجاه عدم “بلقنة” الإسلاميين، و”بلقنة” المشهد بما يكفي للقول أن قدرة هذا التيار على التكيف أو التكييف على وجه صحيح، محدودة، وقد لا يكون قادرا على تبني رؤية من داخل الحزب أو من المتعاطفين.

إن خسارة نسبة عالية من المعاطفين، سيشكل، ولاشك، منعطفا، ولن تؤسس عليه وزارة الداخلية شيئا، لأن قدرة الدولة واضحة منذ احتواء اليسار بإقصاء “اليسار الراديكالي”، واحتواء الإسلاميين بإقصاء متطرفيهم في معركة الإرهاب، إذ لم تعد هناك مناورة تسمح بهامش متجدد.

اللعبة السياسية متجددة، وتدور معركة اللائحة الوطنية للشباب التي أتت بفعل حراك 20 فبراير، لتسائل الوضع: هل انتهت كل مخرجات حراك 20 فبراير؟

يظهر بوضوح، أن الدولة قسمت أي حراك أو تيار أو حزب، إلى معتدل أو جعلته على الهامش، وتعاطت دائما بشدة مع كل العوامل، لذلك، فالحراكات الجهوية بعد حراك 20 فبراير، خصوصا في الريف، نقلت المطالب إلى الأجندة الاجتماعية، وقد رأينا بوضوح، مرة أخرى، أن إدارة ما بعد “كورونا” نقلت الثقل مرة ثانية إلى وزارة الداخلية، في جو لا يمنح الانتخابات فرصة أن تكون العامل المحوري في تغيير معيش الساكنة.

+ حزب العدالة والتنمية ليس معتدلا دينيا فقط، وإنما “معتدلا ومرنا سياسيا”

    وضع حزب العدالة والتنمية نفسه بعيدا عن “الإخوان المسلمين”، فأصبح إلى جانب جماعة “العدل والإحسان” مجرد حزب “محلي”.

ولم يعد ممكنا الحديث عن ترتيبات جديدة مع الإسلام السياسي، ففرنسا ترفض أمرين:

1) رئاسة إسلامي لتونس، وفي معركة فرنسا المتواصلة، ترغب باريس في إسقاط الغنوشي من المنصب السيادي الذي يشغله كـ”رئيس برلمان تونس”.

2) رئاسة إسلامي لحكومة ائتلافية موسعة تشمل الليبراليين والاشتراكيين كخصوم إيديولوجيين، من أجل الحد من التطرف السياسي المحتمل، بل فرض  الحليف الفرنسي ميثاقا(1) جديدا يربط غرب إفريقيا بالإسلام الفرنسي، الذي لم ينجح فقهاء الحداثة في توضيحه أو صناعته.

والتمييز السلبي تجاه حزب العدالة والتنمية، هو جزء من النظرة العامة ولاشك، ومن المهم عزل الفعل العنصري عن الديني في الدرس الفرنسي(2) قبل إملائه على الآخرين، فالمهم هو مناهضة الراديكالية(3) بـ”أدوات غير عنصرية”، وربما بأدوات إسلامية معتدلة يمكن النجاح في الحرب على الراديكالية، إذ أن حرب الأفكار والسياسات تفرض ذلك، فالمسألة قد تذهب أبعد في المصادمة كلما كانت الحرب مفتوحة.

ولذلك، فإن فرنسا أخذت تحارب ماليا حكومات ليست منسجمة مع رؤيتها في مناهضة الإسلام “المتطرف”، من واقع أن الجنود الفرنسيين يقاتلون في إطار “بارخان” بدول الساحل، ولا يمكن أن يكون لهؤلاء امتداد داخل الحكومات والأجهزة، وكذلك الأمر باستغلال مكافحة الإرهاب للتسلق من أجل إدارة الدولة.

وفي هذا الترتيب، سيكون منطقيا للغاية التفكير في ميكانيزم: “عدم السماح لإسلاميين بمواقع سيادية أو حساسة أو أمنية”، وفي المغرب، يجب أيضا إدارة الوضع بطريقة تبعد أي حزب ديني أو شبه ديني، حسب استراتيجية ماكرون، ولذلك، فإجراءات الاستخبارات الخارجية الفرنسية، تذهب أبعد في إقصاء من لهم خلفية تنظيمية سابقة في أي جماعة إسلامية.

ولن يسمح مستقبلا للحزب بأن يكون أداة لعمل جماعة بن كيران أو جماعة موروثة عن عبد السلام ياسين، كما لن تكون الدولة عاملا مساعدا في أسلمة المجتمع السياسي في غرب إفريقيا، ولذلك، فإن التجربتين التونسية والمغربية في رئاسة البرلمان والحكومة، لا تساعدان على إنجاح استراتيجية ماكرون في المنطقة لتفكيك كل شبكات الإسلام السياسي.

+ على وزارات الداخلية في دول غرب إفريقيا ألا تفكك شبكات الإسلام “المتطرف” فقط، بل أيضا باقي “شبكات الإسلام السياسي المنظم”، وهو ما يجعل أجندة فرنسا في المغرب، مع ماكرون، أبعد عن بقاء حزب العدالة والتنمية في رئاسة الحكومة

    إن حرب الرئيس الفرنسي معلنة على الإسلام، إذ يعتبر الدين كله في أزمة فكيف بالأحزاب “المأزومة” القادمة منه، وهذه النظرة المتشددة فرضت:

1) الرغبة في عدم الترخيص لأحزاب إسلامية في الديمقراطيات جنوب الصحراء.

2) عدم السماح للأحزاب المغاربية، يتقدمها حزبا النهضة التونسية والعدالة والتنمية المغربي، بالتأثير الإقليمي، خصوصا في الحالة الموريتانية أو الليبية.

وفي هذا الإطار، لا بد من القول أن حزب العدالة والتنمية لا يجب أن يكون قويا، فكان مهما محاصرة شعبيته، والتأثير في ماكينة قراره، والتصدع بين قادته، وبالتالي، التقليل من جبهته الداخلية وتحقيقها للهدف، قبل أن يجري تعطيل جزئي للآلة الانتخابية من خارج الحزب.

وسيكون مهما للغاية، أن تترك السلطة حزب العدالة والتنمية، الذي يعرف جيدا أنه يمكن أن يكون حل الحزب ضمن الخيارات المتوسطة الأمد.

وحياة حزب العدالة والتنمية محددة بمشاركته في الحكومتين القادمتين، وإلا فإن “التطبيع الذي حدث مع الدولة، لا يزال تحت سقف التوتر”.

وحسب مصادر متطابقة، فإن حزب سعد الدين العثماني:

ـ لم يعد مؤطرا على إمكانية العودة إلى الحزب الديني.

ـ أن ماضيه سلبي، تعرقلت فيه “إدارته السلسة لتحالف حكومي”، ولذلك،

 فخطيئة النشأة والخلفية، جزء من الحكم على الأحزاب في المملكة، ورغم رئاسة الحزب لحكومتين، فإن الحرب متواصلة على الأحزاب في المملكة، ورغم رئاسته لولايتين تشريعيتين، فإن الحزب مهدد بالحل، وهو مقترح بدأ مع انفجارات الدارالبيضاء، ولا يزال هذا التوجه قائما داخل الدولة.

وتبعا لتقديرات الخارطة الانتخابية الجديدة، فالاستشارة الشعبية بخصوص الأنماط الانتخابية، لن تعطي رئاسة الحكومة للإسلاميين، إذ اعتماد النمط الحالي دون أي تعديل ستكون نتائجه في حدود 88 – 92 مقعدا، وستكون الحصيلة أقل بتعديل القانون الانتخابي، لتستقر في 78 مقعدا، ولا يزال هناك محافظون يدعمون حزب العدالة والتنمية في مقابل الفرنكفونية السياسية، وقد شكلت العروبة والفرنكفونية صراعا مريرا، قبل أن يخفض سعد الدين العثماني هذه الموجة، وقد أتت هذه الشخصية لتبريد خلافات الحزب مع محيطه، ونجحت جزئيا في ذلك.

ولا شك في أن التسوية التي حدثت مع حزب العدالة والتنمية فور إعفاء بن كيران من مهمة تشكيل الحكومة، سببت في ترتيبات لا يجب على الداخلية تجاوزها، إذ تقرر آنذاك وقف المعركة البيئية بين الأحزاب، وأيضا بين الداخلية والأحزاب.

وفي هذا السياق، سيكون من المنطقي إعادة توجيه البوصلة الحزبية إلى توافق، لأن مجرد فتح تعديل القانون الانتخابي في كل انتخابات، هو “دليل جدي” على عدم الاستقرار السياسي، واللعب باستقرار اللعبة السياسية يفيد عدة أمور، منها:

1) أن حزب العدالة والتنمية جزء من الاستقرار بعد حراك فبراير، وقد ذكر بن كيران هذا المعطى مرارا قبل الإعفاء وبعده.

والنظر اليوم في القانون المنظم و”إعادة التعريف السياسي والانتخابي في كل انتخابات تشريعية على حدة، لا يخدم بالضرورة المتوالية المنطقية والحس العام والفعل ورد الفعل السياسي”، لذلك، فاستقرار اللعبة التي تطلب المخابرات الفرنسية إبعاد الإسلاميين للوصول إليه، سيكون من الطبيعي معه “جعل أي حكومة في المغرب حكومة ائتلافية”.

2) أن حزب العدالة والتنمية هو الوحيد في عهد الملك الحالي، الذي قاد حكومتين، وهذا عنوان على استقرار العمل الدستوري والقانوني، وتعديل قانون الانتخابات سيكون، ولا شك، مساعدا على إبعاد الإسلاميين من دوائر القرار.

ومن البديهي أن تجد الحزب قبل توظيفا لأعضائه في المناصب، خوفا من “أخونة” الدولة التي رفعت في دول الشرق الأوسط.

ولا يمكن تبعا لظروف خارجية ضاغطة، تسليم رئاسة الحكومة لمرة ثالثة للحزب، وهذا ما يرفضه تحديدا ماكرون وحلفاؤه في المملكة، وسيكون لذلك تأثير مدروس لتجاوز الأزمة المرافقة للانتخابات.

 

هوامش :

  • Le pacte faustien de macron avec l’islam de France, valeurs actuelles, 22/10/2020.
  • Les conseils de macron d’une figure de la lutte contre l’islamisme radical, courrier international, 22/10/2020.
  • Contre l’islam radical, emmanuel macron emploie la stratégie de la tension permanente, le parisien, 22/10/2020.

تعليق واحد

  1. بلقنة المشهد الحزبي ليست في صالح أحد وفي مقدمتها الدولة المغربية، الا لأصحاب الحسابات الضيقة، الدين لا تهم مصلحة الوطن، بل همهم إبعاد حزب ما أو على الأقل إضعافه وهدا لا يخدم التنمية لأن الحكومة المنبثقة عنه ستكون مبلقنة وبالتالي ضعيفة وغير متجانسة ولا متفاهمة، وهدا مصدر الخطر لأنه سينعكس سلبا على وتيرة التنمية وإنعاش الإقتصاد وخلق فرص الشغل وإصلاح الإدارة والتعليم والصحة ، وهدا ما يهم المواطن، وبالتالي سيقوم كل طرف في الحكومة إلى إلقاء اللوم على الآخر والتهرب من المسؤولية، ومادا سيجني الوطن والمواطن من هده البلقنة بحكومة ضعيفة، لا حول ولا قوة الا بالله، ان الداخلية يجب ان تكون حساباتها ليس التضييق على بعض الأحزاب، بل خلق مناخ سليم للعمل والتحفيز وخلق ميثاق لعمل الحكومة يراعي كل الأخلاقيات المهنية والعملية بموضوعية وشفافية مع المحاسبة، ودون النظر الى خلفية هدا أو داك ما دامت تخدم المصلحة الوطنية ولا تخالف القانون.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى

إشترك في نشرتنا الإخبارية للتوصل كل مساء بأهم مقالات اليوم