الحقيقة الضائعة

الحقيقة الضائعة | عندما وصف أوفقير الانقلابيين بالحمير “الحلقة الثامنة”

الضباط الأغنياء والجنود الفقراء

حتى لا ننسى.. الصخيرات المجزرة السياسية
 ((من المؤمنين رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه فمنهم من قضى نحبه ومنهم من ينتظر)) صدق الله العظيم.
يقول القيدوم الراحل أستاذنا مصطفى العلوي: ((وما كان لأحداث على مستوى خطورة هجوم الصخيرات أن تدرج في مسالك النسيان، دون أن نستخلص الدرس منها، وكان الملك الحسن الثاني رحمه الله، حريصا على إقبار أخبارها وأسرارها، تفاديا لاستمرار البحث عن دوافعها وأسبابها والمسؤولين عنها، بقدر ما يحرص كتاب “الصخيرات المجزرة السياسية” على استخلاص الدرس مما خطته دماء الضحايا، ودموع الثكالى على جبين التاريخ المغربي المعاصر.
فيما يلي، تقدم “الأسبوع” أقوى ما كتبه الراحل مصطفى العلوي عن محاولة انقلاب الصخيرات، عبر حلقات ضمن ركن “الحقيقة الضائعة”.
بقلم: مصطفى العلوي

  في الندوة الصحافية التي عقدها الملك الحسن الثاني في اليوم الثالث لعاشر يوليوز 1971، قال للصحفيين: أن إعداد المؤامرة يرجع إلى سنتين، وأن نفسه أخذت تنبئه بأن المذبوح لم يبق كما كان، وأن نفسه بدأت تشمئز منه في الأيام الأخيرة.

والحقيقة، أن كل حادث أحاط بالجيش أو بضباط من ضباط الجيش، كان يهيئ للانقلاب ويمهد له، وكان كل تصرف سياسي أو اجتماعي يمهد أيضا للانقلاب ويعد له، وكانت تصرفات الحكم في السنوات الأخيرة مدعاة لأن يقوم كل ذي نفس شجاعة بأي محاولة، حتى ولو كانت انتحارية، كما تطور ذلك في النماذج الأخيرة لمنظمة “داعش” للخروج بالبلد، أي بلد، من الوضع المزري الذي وصلت إليه عن طريق الرشوة والفساد والانهيار الاقتصادي والانشغال بالملاهي والسهرات، فهل هذه هي التصرفات التي تبرر الانقلاب؟

ولكن من كان يتصور أن مجموعة من الضباط الأغنياء الذين لا رصيد شعبي لهم، ولا ارتباط مع العناصر السياسية، سيضمن لهم رمشة أمل في التأييد الشعبي.

تفسير واحد لهذه المحاولة اليائسة، هو أن هذه المجموعة الصغيرة من الضباط الذين قاموا بمحاولة عاشر يوليوز، إنما خافوا على مصالحهم من أن تذهب ضحية ثورة شعبية حقيقية، وخافوا على رؤوسهم من أن تقطعها أيد سياسية في ثورة حقيقية تحتمها الظروف التي يعتبر أولئك الضباط أدرى من غيرهم بحتميتها، فأسرعوا لسبق الأحداث والاستيلاء على الحكم بطريقة ذكية ومحكمة، لكن ينقصها الجوهر ويعوزها الإيمان، لذلك فشلت كمحاولة، وخيبت أمل الجيش في ضباطه الكبار الأذكياء، أو كما قال الجنرال أوفقير في حديثه لجريدة “باري ماتش” في رابع وعشرين يوليوز: ((لقد كانوا حميرا))، ورغم المعنى المزدوج للتصريح الموجز للجنرال محمد أوفقير، فإن كلا المعنيين لا يشكلان تناقضا على الإطلاق.

لم تهضم عصبية الكولونيل عبابو تلك الصفعة التي بقيت توجعه مدى الأيام، والتي نقل بعدها إلى القيادة العليا، ثم إلى مديرية مدرسة أهرمومو، وكانت عوامل جوار أهرمومو لتاهلة ولأكنول والحسيمة ووجدة، الملتقى العائلي والاجتماعي للكولونيل الشلواطي والجنرال المذبوح، وبعض السياسيين الذين لازالت لهم رغبة ملحة في الثأر لما حدث بالريف سنة 1957، كانت هذه العوامل الممهد الأول للتفاهم والاتفاق.

وأخذ المذبوح يعمل المستحيل لتعيين عبابو في البلاط الملكي العسكري، أو على قيادة الدبابات بدل الغرباوي، وكان يقدم عبابو دائما للدوائر العليا على أنه الضابط المثالي الخليق بأن يتحمل مسؤوليات عليا في الجيش.

وعندما حصل الاتفاق على ضرورة تغيير الأوضاع، كان المخطط جد ذكي، وجد متقن، ورغم أن السرية لم تكن تهم، لأن نوايا الضباط جميعا لم تكن تخفى على أحد، فإن عبقرية المذبوح ودهاءه وسمو مرتبته، جعلته يسطر بنفسه برنامجا اجتماعيا وسياسيا وعسكريا من الدهاء بما كان، بحيث لا يمكن لأي أحد آخر مزاولته غير المذبوح نفسه.

لقد أخذت الشائعات تطلق منذ سنتين حول محاولات الاعتداء على الملك، وحول غضبة الشعب، فكان الملك يزداد عزلة وبعدا عن الشعب وعن الاتصال به.

وأعد مخططا لبلورة النشاط الليلي في البلاط، والسهرات والحفلات.. وأصبح القصر الملكي ملتقى لكبار المغنيين الشرقيين والمغنيات والراقصين والراقصات، في وقت تتصرف فيه الأيدي الخفية لتوصل كل التفاصيل إلى أسماع الشعب.. الممنوع عن الكلام وعن التعليق، وأحيطت الحكومة بسياج من الوقار والهالة الطغيانية، ومنع الناس من الانتقاد، وأصبح الوزراء مقدسين كالآلهة وإن كانوا في تصرفاتهم أدنى من الشياطين، ولكن بعض الأجهزة السرية كانت تبلغ الشعب تفاصيل الفساد والرشوة وانحطاط المستوى الأخلاقي في الحكومة وما يجاور الحكومة.

وتبلورت لعبة الكولف.. وتولى المذبوح بنفسه القيام بهذه المهمة، فصرفت الملايير على الكولف، حتى أصبح عبادة قبل عبادة الله، ومهنة قبل المصالح الحكومية، ووسيلة للصعود إلى كراسي الحكم، حتى أصبح السباق إلى شراء أزياء الكولف وأدوات الكولف، الشغل الشاغل لمجموعة من الوزراء والمستوزرين.

وزورت الانتخابات، ومنعت الصحف، وزيد في ثمن السكر، وزيد في ثمن الزبدة، وزيد في ثمن الدقيق، وارتفعت المعيشة، بينما فتحت أنابيب الغنى على سعتها.. وأصبح المغاربة يتكلمون بالملايير، بينما آباؤهم كانوا يتكلمون بالسولدي(…) والسنتيم بعد الحسني، والقصور في سويسرا، والشركات في أمريكا، والشعب المسكين يموت من الجوع، وأحيط احتفال الذكرى الأربعينية للملك في تاسع يوليوز 1969 بسياح من العظمة، وصرفت فيها الأموال كالسواقي حتى فغر الشعب فمه من هول ما رأى، وكان ذلك كله داخلا في مخطط الكولونيل المذبوح، المتصرف في القصر الملكي.

وفي نفس الوقت، كان المخطط يسير في طريق آخر مغمورا بالتغاضي محفوفا بالروتين، فتم اختيار الكولونيل عبابو ليرأس الفرقة العسكرية التي شاركت في الجزائر في استعراض الجيش الشعبي لعيد الثورة الجزائرية، ورشح المذبوح نفسه في مهمة سياسية لدى الرئيس معمر القذافي، رئيس مجلس الثورة الليبية.

ثم اقترب موعد تنفيذ الانقلاب، وحكم المذبوح على الوضع بأنه لازال في حاجة إلى فساد أكثر وانهيار أكبر.. فاتجه إلى الولايات المتحدة في أواخر 1970، وصدفة اكتشف عملية استغلال للنفوذ من طرف بعض الوزراء المغاربة الذين كانوا يبعثون سمسارا لهم إلى الولايات المتحدة ليتدخل باسم الحكومة لدى الشركات الأمريكية، ويطلب عمولات بأسماء بعض الوزراء، وتارة باسم الملك نفسه.. وتسرب الخبر إلى الصحافة العالمية (صدفة)، ثم إلى المغرب، حيث تم توقيف الوزراء المتهمين، واعتقال السمسار عمر بنمسعود، ولكن من باب الصدفة أيضا، تم إطلاق سراح السمسار المعتقل دون محاكمة وأقبرت القضية في مهدها، وثبت في عقول المهتمين بالوضع أن الملك نفسه هو الذي أمر بإقبار الفضيحة، مراعاة لكون السمسار بنمسعود صديق لصديق الملك جديرة.

وعندما زادت الظروف استعدادا، أطلقت الشائعات في أعقاب رجوع المذبوح من الولايات المتحدة بأنه دخل عند الملك وطلب منه إصلاح الوضع، ((وأن الملك غضب عليه وطلب منه أن لا يتدخل في شؤونه الخاصة، ويدخل سوق راسو)) (نشر في أوانه).

وكان كل شيء يتسرب إلى الشعب.. بطريقة أو بأخرى، وازدادت الهوة اتساعا بين الشعب وحاكمه، ونضجت الفكرة وأصبح الوضع قاب قوسين أو أدنى من الانفجار، وهنا لاحت في الأفق مواقع الخطوات الأولى لهيكل الثورة، واجتمع المذبوح وعبابو والشلواطي وبعض المدنيين في نزل محمد الخامس بالحسيمة، وقرروا تحديد يوم الضربة، يوم عيد ثالث مارس، حين سيرأس الملك المناورات العسكرية بالحاجب، والتي سيشرف عبابو على تنظيم جانب منها، وكان المذبوح موقنا بأن كل شيء لا بد أن يتم على مرأى ومسمع من الجيش كله، خصوصا وأنه يعرف نفسية كل واحد من ضباطه، ويعرف أن أولئك الضباط الذين أشرف بنفسه على ترقيتهم إلى رتبة جنرالات، سوف يبقون مدينين له بهذا الفضل الكبير، وأن الضباط الآخرين، بحكم ظروفهم، سيتبعون الركب، وأن الجيش وحده هو القادر على حكم البلاد بعد الإطاحة بالنظام الملكي.

واتخذت الاستعدادات في الحاجب على بعد مائة وخمسين كيلومترا من أهرمومو، لتنظيم مناورة الجيش الملكي، وفوجئ المدعوون في ذلك الصباح البارد من ثالث مارس، بتنظيم غريب لمنصات المدعوين، فلأول مرة تم توزيع المدعوين كالأغنام في السوق، وكانت مواقف المدعوين تحوط بها الأقفاص الحديدية، فهذه أقفاص الدبلوماسيين، وهذه أقفاص الحكوميين، وهذه أقفاص المدعوين العاديين، كان كل شيء مهيئا على أن تستعمل البنادق المحشوة بالرصاص والمحضرة للمناورة في تطويق المدعوين، واعتقال الملك بدلا من أن تطلق رصاصها في المناورات، وقبل دقائق قليلة من بدء العملية، أقبل المذبوح على عبابو، منظم المناورة، وكلمه جانبا بأن في الأمر ما لا يمكن معه تنفيذ العملية، لقد قرر الملك في الأخير نتيجة لتكاثف الضباط، تغيير البرنامج وإلغاء الاستعراض، وعلى الجنود أن يتوجهوا رأسا إلى مواقع المناورة، وفوجئ عبابو بهذا الأمر، وكانت أول صدمة يتلقاها في عصبيته، وكانت أول نقطة استفهام يلف بها عنق الجنرال المذبوح، الذي لا شك من أن احتكاكه بالملك فيه بعض العطف الشخصي على هذا الرجل الذي أسدى له الخير الكثير.

وفعلا، تمت المناورات في ظروف غامضة يغمرها الضباب وتحفها، رغم كل شيء، مظاهر الطاعة العمياء والولاء التام، وعاد الملك في حفظ الله ورعايته إلى القصر الملكي بفاس، بينما عاد الكولونيل عبابو إلى بيته في مدرسة أهرمومو العسكرية تتقاذفه الظنون وتؤرقه الحسرة.

تعليق واحد

  1. غير متفق مع هذا. المقال،
    1–اعتقد ان المقال مصرب من نكهة مخزنية،
    2–بعيدا عن المؤسسة العسكرية، التي اعتبرها اقوى مؤسسة في الدولة واخطرها على الاطلاق في ما يتعلق المحاسبة، يعني لن يتجرأ اي مسؤول مدني كبير في النظر الى مسألة صغيرة تتعلق بالمؤسسة العسكرية ومتال على ذلك (البونات من البنزين، والمازوت، شراء قطع عسكرية من الخارج…).
    3–الاشخاص الذين يخدمون المخزن، يخرجون الى التقاعد براس مرفوع واجر زاهد اضافة الى امتيازات عن تلبية الخدمة كاملة، ولو نظرنا الى البرلمانيين المدنيين مثلا يخرجون الى التعاقد ومبلغ لايقل عن 30 الف درهم شهريا، و عليهم حملة شرسة هذه الايام لازالة هذا التعويض. لكن المخزن كذلك سيضرب او يتجه الى فئة البورجوازية مستقبلا.
    4–الضباط الاذكياء لا خوف عليهم يتناسبون في ما بينهم وكذلك اولادهم تحت قبة العائلة الواحدة لانهم بكل بساطة لا يتقون في المخزن ويسيرون بزنز تحت هذه القبة، نعم البزنيز وليس التكنات العسكرية.
    5–اما بالنسبة للضباط الاغنياء اعتقد ان غيرتهم على وطنهم جعلتهم ينقلبون على قائدهم، اما الاخرين ينغمسون في الفساد مع المخزن الذي اعطى لهم الضوء الاخضر وحدرهم من ممارسة السياسة.
    6–المستقبل من امر الله اما التخطيط الدنيوي من امر الشيطان، كما سئل علي رضي الله عن الدنيا فقال:الدنيا جيفة فمن ارادها فليصبر على معاشرة الكلاب.
    7–لا خوف على المخزن الذي اعتبره اخطر كيان على وجه الارض فقد تجاوز مخططات الفاشية الاوروبية سابقا.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق