الحقيقة الضائعة

الحقيقة الضائعة | مؤامرة الضباط الكبار ضد صغار الجيش “الحلقة السابعة”

خلفيات هجوم الصخيرات..

حتى لا ننسى.. الصخيرات المجزرة السياسية
 ((من المؤمنين رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه فمنهم من قضى نحبه ومنهم من ينتظر)) صدق الله العظيم.
يقول القيدوم الراحل أستاذنا مصطفى العلوي: ((وما كان لأحداث على مستوى خطورة هجوم الصخيرات أن تدرج في مسالك النسيان، دون أن نستخلص الدرس منها، وكان الملك الحسن الثاني رحمه الله، حريصا على إقبار أخبارها وأسرارها، تفاديا لاستمرار البحث عن دوافعها وأسبابها والمسؤولين عنها، بقدر ما يحرص كتاب “الصخيرات المجزرة السياسية” على استخلاص الدرس مما خطته دماء الضحايا، ودموع الثكالى على جبين التاريخ المغربي المعاصر.
فيما يلي، تقدم “الأسبوع” أقوى ما كتبه الراحل مصطفى العلوي عن محاولة انقلاب الصخيرات، عبر حلقات ضمن ركن “الحقيقة الضائعة”.
بقلم: مصطفى العلوي

إذا كانت الانقلابات التي أصبحت موضة العصر في ذلك الزمان، وكان آخرها ذلك الانقلاب الذي دبره القذافي في ليبيا، وأطاح بالعرش السنوسي، حدثا لم يسقط في بؤرة النسيان بعد، فإن أمثلة الانقلابات المتوالية في القارة الإفريقية، كانت كلها كفيلة بأن تجعل الضباط الكبار والجنرالات المهيبين في الجيش المغربي، بعيدين عن كل لبس مجردين عن كل ريب.. وكان بديهيا أن تتوجه الأنظار إلى الضباط الصغار.. أولئك الذين لا يعرف أحد ماذا يدور بأذهانهم، ويعرفون هم بدون شك، ماذا يدور في أذهان رؤسائهم..

كان الوضع الاجتماعي عند الجيش المغربي يجعل هؤلاء الضباط الكبار في صفوف الحكم، إن لم يكونوا طرفا منه، وطبيعي أنهم لن يجدوا في غير الحكم نصيرا، وطبيعي أيضا أن يكون الحكم مطمئنا إليهم، فهو الذي انتقاهم من بؤرة الخيانة والرجعية والتنكر لوطنهم وعروبتهم، وحتى إسلامهم أيام الاستعمار، حين كانوا خداما لذلك الاستعمار، وسيوفا مسلطة على شعب المغرب، وجاء الحكم المغربي بعد الاستقلال ليجعلهم أسيادا لشعب كانوا يسوطونه أيام الاستعمار، تنفيذا لأوامر سادتهم المستعمرين، فأصبحوا يسوطونه تنفيذا لأوامر السادة الجدد.. وأبعد من ذلك، فإن الحكم رقاهم من رتبهم الحقيرة إلى أعلى مرتبات الجيش، أليس المارشال أمزيان هو الذي رفض أن يزال اسمه من قائمة ميزانيات الأجور في الجيش الإسباني وأن ينضم إلى الجيش المغربي، بشرط أن يبقى أجره محسوبا على الجيش الإسباني؟ وإذا كان هذا المثل وحده مجرد نموذج، لا أقل ولا أكثر، فإن النموذج كامل، حيث أن أمزيان هذا أصبح مارشالا للجيش المغربي، بل أصبح أول مارشال للجيش المغربي بعد أن كاد الإسبانيون أن يعينوه رئيسا عليهم، بجانب الجبار “فرانكو”، الذي أذاق الإسبانيين جحيم العذاب والتصفية في إطار الحرب المدنية الإسبانية.

وكان الضباط الذين انضموا إلى الجيش المغربي، لمجرد عدم التأخر عن الركب، لا يحلمون غداة الاستقلال بأن يكونوا أكثر مما كانوا عليه سنة 1953، فأخذهم الحكم المغربي ورقاهم وأغناهم وأغدق عليهم الهيبة والجلال، وجعلهم موضع ثقته ومحط آماله.. وكان بديهيا أن يموتوا دونه ويردوا له الجميل تضحية وحبا واستماتة.. وكانت هذه هي الفكرة المهيمنة التي جعلت كل الشبهات تحوم حول الضباط الصغار، وحول الضباط الذين التحقوا بالجيش بعد مشاركتهم في جيش التحرير.. ولم يكن الضباط الكبار يكتفون فقط بإحاطة الضباط الصغار وقدماء جيش التحرير بسياج من الرقابة والمتابعة، بل إنهم اتهموا عددا لا يستهان به من ضباط جيش التحرير وألصقوا بهم الوشايات الخطيرة وجعلوا السجون السحيقة مسكنا دائما لهم، ومنهم من قضى نحبه، ومنهم من لا أحد يعرف مصيره.

فليس سرا في محيط الجنرال أوفقير، بعد أن أصبح ديكتاتوريا في الخفاء، منفذا للأوامر الفرنسية بشأن تسيير المغرب بعد الاستقلال، بدءا بمعاقبة المسؤولين المغاربة عن طرد فرنسا وإسبانيا سياسيا في شخص أقطاب الحركة الوطنية، وعسكريا في شخص الذين حملوا السلاح في وجه الاستعمار، أولئك الذين أعلنوا الحرب في المناطق الحدودية في الصحراء المغربية التي استولت عليها الجيوش الفرنسية، وأصبح كل الذين أسهموا في تحرير المغرب من الاستعمار وحملوا السلاح ضد استمرار الاحتلال الإسباني والفرنسي، أعداء للنظام المغربي، عرف المغرب انطلاقا من سنة 1958 محاكماتهم وإعدام الكثيرين منهم ومتابعة الهاربين، مثل المهدي بنبركة، لإعدامه هو والكثير من أمثاله في أراضي المنفى.

وإذا كان أولئك الضباط الكبار القادمون من الجيش الفرنسي والذين أصبحوا حماة لنظام المغرب، يقفزون على مراتب الترقي كما يفعل البهلوانيون، فإن الضباط الصغار وضباط جيش التحرير كانوا محرومين من حق مزاولة هذا القفز البهلواني، بل منهم من كانت تنزع منه رتبه العسكرية ليتأخر إلى الوراء.

فبمراجعة القائمة الرسمية لإطارات القوات المسلحة الملكية سنة 1957 ومقارنتها بقائمتهم سنة 1970، تجد أن بعض الضباط من رتبة ليوتنان إلى حدود سنة 1961، أصبحوا في رتبة جنرالات سنة 1970، بينما عدد هائل من ذوي رتب اليوتنان سنة 1961 بقوا في نفس الرتبة إلى سنة 1970، وهناك مثال الكومندان الخصاصي، أحد قدماء جيش التحرير، اعتقل سنة 1963، حيث قضيت معه في المعتقل السري المسمى “دار المقري” حوالي ثلاثة شهور، بجانب الكومندان داعمر، وبعد ثلاث سنوات، أفرج عنهما وأعيدا إلى الجيش، لكن برتبة ليوتنان.

من هنا ينطلق الفكر الثاقب، ليهيم في عالم التباعد الموجود بين الضباط الذين أولاهم الحكم ثقته، وأغدق عليهم رضاه وقربهم واطمأن إليهم، وبين عالم الضباط الصغار الذين أبعدهم وراقبهم وأفقرهم، وبالتالي، تناساهم وتناسى كل خطر قد يصدر عنهم مطمئنا إلى أن الضباط الكبار هم سادة الموقف، وهم أدرى من غيرهم بالوسيلة الكفيلة بالقضاء على كل مفكر ثوري في صفوف الضباط الصغار.

وهنا تنبري فكرة الجشع الإنساني الأزلية القائلة بعدم الشبع وعدم الاكتفاء، لتأخذ مكانها في أدمغة الضباط الكبار الذين لم يكتفوا بما لهم من نفوذ، ورأوا ما رأوا من حقهم أن يكونوا أهلا له.. حتى إذا ضربوا ضربتهم يوم عاشر يوليوز، فوجئ الرأي العام المغربي والعالمي بما بهر العقول وبدد الشكوك..

وإذا كانت بعض العيون تتعمد الانغلاق عما يرتكب وما ارتكب في صفوف الجيش من أخطاء، وعما كان يقصده الناس أو بعض الناس عن ذلك التغاضي، فإن المهدي بنبركة، وقد كان متيقظا أكثر من عدد كبير من الناس، كتب سنة 1963 ما يلي: ((وهكذا.. توجد إمكانية أخرى تكمن في كون الركن الذي يظن الحكم أنه يعتمد عليه، وهو الجيش، لن يفلت زمامه فقط من بين يديه، بل إنه قد يصبح أكثر من ذلك، خطرا على وجود ذلك الحكم نفسه)) (انظر لوموند ديبلوماتيك، عدد 209. غشت 1971).

بنبركة قال هذا الاستنتاج الفلسفي قبل حوادث الصخيرات بست سنوات، ولكنه كان يحكم على الواقع السياسي الذي استعمل قدماء الجيش الفرنسي لحكم المغرب وتطويع المعارضة.

ورأينا طبقة من الضباط الكبار غارقة في الترف والغنى والفساد تقود معركة رهيبة ضد العرش، رغم أنه درأ عنها الشر وأطعمها من جوع وآمنها من خوف، وكان بديهيا أن يقف الجميع وقفة المتفرج، بما في ذلك ضباط الجيش الصغار، ولم تكن المعركة إذن أكثر من تصفية حساب بين طبقة معينة من المسؤولين من أجل التنازل عن السلطة والنفوذ، ولهذا لم تسجل المعلومات عشية عاشر يوليوز 1971 أية ظاهرة صادقة لتضامن الشعب مع مدبري الانقلاب، بل إن الشعب أخذ يحمد الله على أن لا يكون المنتصرون هم هؤلاء الضباط الذين خانوا وطنهم أولا قبل الاستقلال، وخانوا ملكهم بعد الاستقلال، ولا محالة سيخونون شعبهم لو قدر لهم النجاح.

ولكن، من الخطإ القول بأن حوادث الصخيرات غيرت من أهمية الحسابات التي كانت موضوعة في أذهان أولئك، وهؤلاء.. بل من الخطإ الفادح اعتبار الأمر منتهيا، أو اعتقاد أن الأمر لم يكن مجرد مناورة تجريبية بالنسبة لبعض الراغبين في الاستيلاء على الحكم، ومجرد درس أولي بالنسبة للمفكرين في الاستيلاء على هذا الحكم، ومجرد تجربة لم تكلفهم الشيء الكثير.

وهذه النظرة الموجزة عن المعنوية المهيمنة على الجيش قبل حوادث الصخيرات، وأثناءها وبعدها، لا تمحي من التاريخ حقيقة ما جرى في الصخيرات، ليمكن تفادي إعادتها مرة أخرى على أساس ما استقاه الحاكمون من معلومات، لأن هناك عوامل أخرى اجتمعت لتجعل من محاولة انقلاب الصخيرات سابقة تاريخية ذات أهمية بالغة بالنسبة لتاريخ المغرب، القديم والحديث.

فمحاولة انقلاب الصخيرات كانت أكثر من خيانة عسكرية صادرة عن طبقة من الضباط المنزهين، لأنه لو كان الأمر كذلك، لما كلف الجنرال المذبوح نفسه عناء الاستعانة بغيره، لقد كان بإمكانه أن يستدعي الملك لبيته كما هو المعهود، ليصفي معه الحساب.

حاضرون كانوا محظوظين بالبقاء على قيد الحياة، حكوا كيف كان عدد من الضباط، وقد قال الحسن الثاني شخصيا أنهم كانوا تحت تأثير المخدرات، يطلقون النار على موائد المأكولات المغطاة بالأكباش المشوية والصحون المحشوة وكأنهم ينتقمون منها، وما هم ينتقمون في الواقع إلا لظروفهم المعيشية في المدرسة العسكرية، والتي بحكم ظروف الميزانية العصيبة، كانوا لا يطعمون التلاميذ اللحم إلا مرة في الأسبوع: ((شخصيا، وقفت مشدوها أمام المأدبة الغنية، ولزمني شخص يشرح لي الفرق بين الكافيار والسومون واللانغوست، والشبان المهاجمون من أوساط قروية ومدن الصفيح لديهم حقد دفين ومتوارث ضد البورجوازيين)) (مذكرات الرايس).

وكانت محاولة الصخيرات أكثر من مجرد عملية انتقامية سبق لها تلاميذ المدرسة العسكرية الصغار، ليشفوا غليلهم في الطبقة الأخرى من المحظوظين لفائدة جزء من تلك الطبقة نفسها.

وكانت محاولة انقلاب الصخيرات أكثر من مناورة تدريبية مجانية ودرس عملي مفيد، لفائدة طبقة من الراغبين في الحكم، يجهلها الحكم نفسه، ويجهلها الضباط الذين دبروا الانقلاب ويجهلها أولئك التلاميذ الذين كلفوا بإلقاء ذلك الدرس للنظام.

 

يتبع

تعليق واحد

  1. السلام عليكم فوجات وانا اقرا المقال اعلاه، بأن تلاميد ضباط الصف وليس بضباط الدين قاموا بالعملية الإجرامية في قصر الصخيرات انهم كانوا يأكلون اللحم مرة في الأسبوع، اما معلومة مغلوطة أو اعبابو كان يجوعهم من أجل دعايته ضض التضامن، اقول لكم شهادة والتحمل مسؤوليتها كنت بدوري تلميد ضابط الصف في مدرسة اهرمومو العسكرية من شهر 9 سنة 1962 إلى شهر مارس 1964 عند وصولنا إلى المدرسة وبدأت التداريب كان مدير المدرسة يأتي الى المطعم ويجول بين الطاولات ويسالنا بهاده العبارة ( واش كتشبعو) كان جوابنا في الأيام الأولى بلا انداك ينادي طابط االصف الزكراوي مباشرة ويامره بالزيادة ، كان دلك عند الفطور عند الغداء وكدلك العشاء وهاكدا كل يوم الى ان كان جوابنا بالإجماع ( براكا من كابيطان دبا كانشبعوا مزيان ) هادا من جهة .اما في ما يتعلق بالتداريب كان حريصا كل الحرص على أن تكون معاملة الأطر لنا على احسن ما يرام ، كانت له مقولة سمعناها بادننا ( الناس صافطلنا أولادهم باش نعلموهم مشي نعدبوهم) ادا كان قد توفي نسأل الله لك الرحمة والمغفرة الكولونيل محمد الدمناتي اد كان ما زال حيا نسأل الله له الصحة والعافية الضابط المثالي كان الرئيس والأب والاخ لتلاميده

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق