تحليل إخباري

تحليل إخباري | هل يحضر الرئيس ماكرون لطرد المسلمين المغاربة من فرنسا؟

فرنسا ترجع للوراء

اختار الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، يوم الجمعة الماضية، ويوم الجمعة يوم مقدس عند المسلمين، ليقول أنه على فرنسا التصدي لما سماها “الانعزالية الإسلامية”، زاعما أنها تسعى إلى “إقامة نظام مواز” و”إنكار الجمهورية، أن الإسلام ديانة تعيش اليوم أزمة في كل مكان في العالم”.
وبلغة أكثر عملية، قال ماكرون: ((لا أود أن يكون هناك أي التباس أو خلط للأمور، لكن لا بد لنا من الإقرار بوجود نزعة إسلامية راديكالية تقود إلى إنكار الجمهورية))، مشيرا إلى ((التسرب المدرسي)) و((تطوير ممارسات رياضية وثقافية خاصة بالمسلمين))، و((التلقين العقائدي وإنكار مبادئنا على غرار المساواة بين الرجال والنساء)).

إعداد : سعيد الريحاني

    ورغم أن المسلمين ساهموا في بناء فرنسا، بل إن آلاف المسلمين المغاربة على سبيل المثال، حاربوا مع فرنسا عندما تم تجنيدهم للمشاركة في الحرب العالمية الأولى، حيث أن ((مشاركة الجنود المغاربة في الحرب العالمية الأولى إلى جانب القوات الفرنسية، تعد من أهم المحطات البارزة في التاريخ المشترك بين المغرب وفرنسا، والوثائق التاريخية الموجودة في الأرشيف الفرنسي، تشير إلى كثرة عدد هؤلاء الجنود المغاربة المشاركين في هذه الحرب المدمرة، وبلغ عددهم 45 ألف جندي، أظهروا قدرا كبيرا من الشجاعة في كل المعارك، خصوصا معركة “لامارن” في 5 سبتمبر 1914، وهجمات أرتوا وشامبان، ومعركة فردان، وغيرها من المعارك التي أسفرت عن تحرير التراب الفرنسي، وقد كلفت هذه التضحية خسارة كبيرة للجنود المغاربة الذين كان يرمى بهم في الصفوف الأمامية لتلقي الضربات الأولى، ما يربو عن 12 ألف شهيد)).

وربما نسي ماكرون مساهمة جنود المستعمرات، وهم مسلمون، في تحرير فرنسا، لذلك لم يجد أي حرج في فرض “التوقيع على ميثاق للعلمانية” على كل جمعية تطلب دعم الدولة، وقد يكون القادم أكثر إثارة للجدل، حيث قال ماكرون: ((إن فرنسا ستفرض إشرافا مشددا على المدارس الخاصة الدينية، وتحد بشكل صارم من التعليم الدراسي المنزلي)).

وأعلن ماكرون في كلمته عن تدابير عدة، مثل إرغام أي جمعية تطلب مساعدة من الدولة، التوقيع على ميثاق للعلمانية، وفرض إشراف مشدد على المدارس الخاصة الدينية والحد بشكل صارم من التعليم الدراسي المنزلي، واعتبر أن السلطات الفرنسية تتحمل قسما من المسؤولية، إذ سمحت بتطوير ظاهرة “تحول الأحياء إلى معازل”، وقال: ((قمنا بتجميع السكان بموجب أصولهم، لم نعمد إلى إحلال ما يكفي من الاختلاط، ولا ما يكفي من إمكانية الانتقال الاقتصادي والاجتماعي))، وأضاف: ((إن المسلمين بنوا مشروعهم على تراجعنا وتخاذلنا)).

يبقى أخطر ما في كلام ماكرون، هو عدم تمييزه بين “ظاهرة التطرف” الموجودة في كافة الأديان وخارج الأديان(..)، وبين الدين الإسلامي، الذي اختار أن يوجه لمعتنقيه عدة اتهامات مقابل عدم الحديث عن أي ديانة أخرى.

وقد لا يمر كلام ماكرون مرور الكرام، خاصة بعدما تم الشروع في قطع “الخيط الديني بين المغرب وجاليته”، فقد ((قررت الرئاسة الفرنسية منع السلطات المغربية، ابتداء من السنة المقبلة، من المساهمة في السهر على الأمن الروحي لأكثر من 1.3 مليون مغربي مقيمين في الديار الفرنسية، ومحاربة التطرف والجماعات المتشددة التي تحاول منذ بروز ظاهرة التنظيم الإرهابي “داعش” سنة 2014، استقطاب وتجنيد الشباب المغاربة في فرنسا خاصة، وأوروبا عامة))، ليس هذا فحسب، بل ((إن الحكومة الفرنسية ستشرع في التخلص تدريجيا من الأئمة والمرشدين الدينيين والمعلمين المكونين في المغرب تحت ذريعة “تقليص التأثير الأجنبي الديني فوق التراب الفرنسي”. هذا ما كشفه الرئيس الفرنسي، إيمانويل ماكرون، أثناء حديثه عن مجموعة من الإجراءات الجديدة لإعادة تأهيل الحقل الديني الإسلامي في فرنسا، بهدف محاربة ما سماه “الانفصال الإسلامي”، وهو مصطلح جديد (الانفصال) صكته الحكومة الفرنسية للإشارة إلى “الانعزالية” و”التشدد” و”التطرف” في فرنسا)) (المصدر: اليوم 24/ 21 فبراير 2020).

إلى هنا، يطرح سؤال: لماذا سكت المغاربة عما يمكن تسميته تطاول الرئاسة الفرنسية على الديانة الإسلامية؟ لتقول وسائل الإعلام إن ردود الفعل المغربية ظلت محتشمة، فـ((في المغرب، اختارت الجمعيات والحركات الإسلامية التزام الصمت حتى الآن))، وفي تصريح لموقع “يا بلادي”، قال عبد الرحيم الشيخي رئيس حركة “التوحيد والإصلاح” التي تعتبر الذراع الدعوي لحزب العدالة والتنمية: ((المكتب التنفيذي لم يجتمع بعد للنظر في هذه المسألة)).

وتابع موضحا: ((سنأخذ وقتنا الكافي للتعليق على خطاب الرئيس الفرنسي، لا يجب الرد على خطاب سياسي بخطاب من نفس النوع، لا شك أن هذا الموضوع سيكون على جدول أعمال اجتماعنا ليوم الثلاثاء، حيث سيتقرر في المقام الأول ما إذا كنا سنرد على هذا الخطاب أم لا)) (المصدر: موقع “يا بلادي”: 5 أكتوبر 2020).

هكذا سكت رئيس الحركة الدعوية الموازية لحزب العدالة والتنمية عن الكلام، والواضح، أن المنفعة الحكومية أبعدت الحزب وحركته عن الخوض في هذا الموضوع.

بالمقابل، تحركت عدة أطراف في العالم ممن يعرفون خطورة مثل هذه التصريحات في المستقبل، لإدانة كلام الرئيس الفرنسي، الذي يحاول حشد ناخبين جدد بالركوب على الإسلام، حيث قال الرئيس التركي أردوغان، )رغم الخلاف مع السياق المغربي): ((إن ماكرون يحاول التغطية على الأزمة التي تعيشها فرنسا، من خلال قوله إن الإسلام في أزمة))، وأضاف أن ((حديث ماكرون عن إعادة تشكيل الإسلام، قلة أدب، ويدل على عدم معرفته لحدوده))، مشيرا إلى أن الذين يتهربون من مواجهة العنصرية وكراهية الإسلام، يرتكبون أكبر إساءة لمجتمعاتهم.

وفي غياب رأي أي مؤسسة مغربية، صرح الأزهر، يوم السبت الماضي، على سبيل المثال، بأن ((تصريحات ماكرون عنصرية وتؤجج مشاعر ملياري مسلم))، وقد جاء ذلك في بيان لمجمع البحوث الإسلامية بالأزهر، بعد يومين من رفض شيخ الأزهر، أحمد الطيب، تصريحات مسؤول فرنسي تحدث عن مصطلح “الإرهاب الإسلامي”، وأوضح البيان أن ((ماكرون اتهم الإسلام باتهامات باطلة لا علاقة لها بصحيح هذا الدين))، واستنكر البيان إصرار البعض على إلصاق التهم الزائفة بالإسلام أو غيره من الأديان، كالانفصالية والانعزالية، مؤكدا أن هذا الإصرار ((خلط معيب بين حقيقة ما تدعو إليه الأديان من دعوة للتقارب بين البشر وعمارة الأرض، وبين استغلال البعض لنصوص هذه الأديان وتوظيفها لتحقيق أغراض هابطة)).

ويا لها من مصادفة، حيث لقنت الظروف الرئيس ماكرون درسا لن ينساه، فمباشرة بعد حديثه عما أسماه “أزمة الإسلام”، ذهب ليستقبل رهينة فرنسية عائدة من مالي، بعد مفاوضات عسيرة، ولكنه لم يكن يتوقع أن تعلن إسلامها أمامه، لتكتب وسائل الإعلام: ((أعلنت صوفي بترونين الرهينة الفرنسية المحررة من مالي مؤخرا، إسلامها، وتغيير اسمها إلى مريم، في تطور جاء بعد أيام من تصريحات مثيرة للجدل للرئيس إيمانويل ماكرون، قال فيها إن الإسلام يعيش أزمات عبر عدة مناطق في العالم))، ونقلت وسائل إعلام فرنسية، عن بترونين تصريحات مثيرة فور وصولها إلى بلادها، تقول فيها: ((من أجل مالي، أسال الله البركة والرحمة لأنني مسلمة.. تنادونني صوفي ولكن من أمامكم هي مريم)).. وكانت بترونين قد وصلت ليلة الخميس الجمعة إلى باماكو بعد الإفراج عنها بعد أربعة أعوام من اختطافها بإحدى المناطق شمال مالي حيث كانت تعمل في مجال الإغاثة، ليبقى هذا الدرس للتاريخ ودرسا شخصيا لماكرون في انتظار تطورات أخرى.

 

ماكرون يفاجأ بإسلام رهينة فرنسية تمت استعادتها من مالي

‫2 تعليقات

  1. الجالية المغربية المسلمة بأوروبا
    بين مطرقة التطرف الثقافي والديني (أصليين ودخلاء …/ مسيحيين ومسلمين …)
    وسندان الإندماج الإجتماعي لعيش كريم وتقدير مستحق

    علامات انتهاء مرحلة وبداية مرحلة جديدة في العلاقة بين الشرق والغرب وبين الشمال والجنوب
    علامات بداية تدافع وتجادب وتقاطع قوى متنافسة ومتضادة وحتى متناقضة في مصالحها !

    علامات نهج جديد لشرعنة السيطرة واعادة اخراج التحكم

  2. ماكرون ذكي فهو يتبع خطوات بوش بعد أحداث فاجعة سبتمبر بمعنى معي أو ضدي أي مع الإرهاب الإسلامي

    وعلى خطوات ترامب لإعادة عداد التاريخ الى نقطة صفر جديدة، فترامب اثر فاجعة مقتل الزنجي فلوييد ذو الاصول الافريقية والذين كبر حجمهم وحجم دعواتهم بأحقيتهم في المساوات مع البيض وبالرغم من الاحتجاجات والعنف الذي صاحبها فقد انتصر مرة اخرى للعرق الابيض المسيحي وابرزه السيد بدون منازع في الولايات المتحدة الاميركية

    اما ماكرون فهو ذاهب لفرض امر واقع جديد على المهاجرين (من اصول المستعمرات عموما والمسلمين خصوصا) الذين كبر حجمهم في فرنسا ونداءاتهم المشروعة بالمساوات ومحاربة الإقصاء في المجتمع الفرنسي ماكرون و وفق منهجية ترمي الى تطويقهم وتطويعهم بقوانين محاربة الارهاب الإسلامي يهدف ربما الى الحد من قوة المهاجرين على الدولة العلمانية الفرنسية وليس الأمة الفرنسية والتي هي أكبر من الجمهورية كما يريدها

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق