الحقيقة الضائعة

الحقيقة الضائعة | عندما أسس عبابو مجلسا للثورة من بوقنادل إلى الرباط “الحلقة السادسة”

حتى لا ننسى.. الصخيرات المجزرة السياسية
 ((من المؤمنين رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه فمنهم من قضى نحبه ومنهم من ينتظر)) صدق الله العظيم.
يقول القيدوم الراحل أستاذنا مصطفى العلوي: ((وما كان لأحداث على مستوى خطورة هجوم الصخيرات أن تدرج في مسالك النسيان، دون أن نستخلص الدرس منها، وكان الملك الحسن الثاني رحمه الله، حريصا على إقبار أخبارها وأسرارها، تفاديا لاستمرار البحث عن دوافعها وأسبابها والمسؤولين عنها، بقدر ما يحرص كتاب “الصخيرات المجزرة السياسية” على استخلاص الدرس مما خطته دماء الضحايا، ودموع الثكالى على جبين التاريخ المغربي المعاصر.
فيما يلي، تقدم “الأسبوع” أقوى ما كتبه الراحل مصطفى العلوي عن محاولة انقلاب الصخيرات، عبر حلقات ضمن ركن “الحقيقة الضائعة”.
بقلم: مصطفى العلوي

  كان يوم الأحد صباح عاشر يوليوز 1971 مشرقا لا تشوبه شائبة، وشوارع الرباط فارغة إلا من تلك الأفواج من الشاحنات المحملة بالعساكر المسلحين، خرجت سيارات “الجيب” التي يركبها الضباط من مقهى “لا سافوايارد” التي كانت ما بين طريق القنيطرة والرباط، في موقع بوقنادل، ذات الغابة المشهورة، حين دخلت الشاحنات إلى الغابة، ووقف الضباط في بار المقهى المجاورة، “لا سافوايارد”، لأول مرة يكون الكلام واضحا عن الهجوم على قصر الصخيرات، حوالي خمسة وأربعين كيلومترا من هنا، ليتحول الكولونيل امحمد عبابو بغتة إلى مطلق للأوامر، الشيء الذي أثار نرفزة الكومندان عبد الله القادري، الذي أبدى مفاجأته واختفى دون أن يعطيه الكولونيل عبابو، قائد المخطط، أي اهتمام.

عبابو، الذي كان بالأمس قد اجتمع بالأعضاء المنفذين كما كتب أسماءهم بيديه بمحضر أخيه الذي كشف عن هذه الجزئية أمام المحكمة، وهي طبعا جزئية هامة، لأنه اعتبر المذكورين فيها هم أعضاء مجلس الثورة، وإن كان انسحاب الكومندان عبد الله القادري يكشف أن المذكورين في اللائحة ليسوا كلهم متفقين، وهذه هي لائحة عبابو، وبما أن القادري كان غائبا أثناء النطق بها، فمن الممكن أن يكون آخرون فيها غائبون:

الكولونيل محمد عبابو

الكولونيل عبد الله القادري

الكومندان المالطي

الكومندان المنور

الكومندان البريكي

الكومندان الرياني

الكومندان الحرشي

الكومندان ميلس

وكان عبابو قد قال لأخيه سرا، وهو أن الهجوم سيكون وقت الغذاء. منع إطلاق النار قبل دخول القصر، اعتقال جميع المدعوين، تحضير اللوائح بالحاضرين، مؤكدا أنه هو الذي سيعطي أوامر الانطلاق من بوقنادل، إلا أنه قبل إعطاء الأوامر، لاحظ وهو ينادي على من يركب معه، أنه لم يجد بجانبه إلا الضابط مزيرك والاشهب وأحمد عبابو، ليسأل عن الحرشي والرياني، الذين لم يعثر عليهم(…)، وكان قد شاهد انسحاب عبد الله القادري، ليأخذ الدرس الأول، ويظهر من ردة فعله أنه عوض الغائبين بالمزيد من عصبيته، فوقف وبجانبه المزيرك ليوجه الكلام إلى الطلبة قبل ركوب الشاحنات، قائلا ما بين الدارجة والعربية: لقد وقع الاختيار عليكم، والقيادة العليا تكلفكم بمهمة كبرى، وأنتم تعلمون الوضعية الاقتصادية والاجتماعية والسياسية للوطن، بينما يجب إنقاذ الوطن، وقد حان الوقت اليوم، وهناك فيالق أخرى تقوم بواجبها في جهات أخرى.

بينما أخوه محمد كشف للمحكمة أنه في ذلك الصباح، في الساعة السادسة صباحا، كان متواجدا في بيت أخيه الكولونيل امحمد، ليعطيه اقتراح عدم المشاركة، وفكر الكولونيل عبابو في تلك اللحظة، في صديقه بامعروف، لتحصل المفاجأة، ويلتقي به في المطار، فقد رافق عبابو زوجته للمطار لتغادر(…) وكان بامعروف هناك أيضا يودع أحد أصدقائه.

وعندما كانت شاحنات الجيش المتجهة قادمة من بوقنادل، عابرة مدينة سلا وقنطرة الحسن الثاني، ثم الاتجاه صوب حي الأوداية، للانطلاق من الطريق الشاطئي، كان رجال البوليس يقفون لتقديم التحية.. فهم لا يعرفون شيئا، قبل أن يبذلوا جهودا في إيقاف السيارات العادية، وفتح الطريق لشاحنات الجيش، كجزئية تعطي الإحساس بأن الانقلاب أتى من القنيطرة، قادما من أهرمومو، لكن أين أقطاب المخطط، مادام عبابو وأخوه ومن معهم تكلفوا بإحضار طلبة المدرسة العسكرية؟ لكن أين الأقطاب الحقيقيون للمخطط، أين الجنرال المذبوح، وأين الشلواطي، وأين الجنرالات: حمو، وحبيبي، وبوكرين، هل كانوا فقط مجرد مدعوين، بينما الكولونيل عبابو كان يعرف أن الجنرال المذبوح أصدر أوامره لأعوانه(…) في قصر الصخيرات، بتعرية القصر الملكي من حمايته العادية بالرشاشات التي كانت منصوبة وأزيلت، وحصل غلط تنفيذي واحد، وهو أن المدفع الرشاش الذي كان منصوبا في الجهة الجنوبية من حدائق القصر، نسيه أعوان المذبوح، لكن الرشاشات كلها أزيلت لتكون الأبواب مفتوحة أمام حشود الطلبة المهاجمين في حالة ما إذا أصدر الملك أمره بمنعهم من الدخول.

واقتلاع الأسلحة المضادة من قصر الصخيرات، يعادل في أهميته ضخامة الاتفاق السري الذي كان يتعدى الأخوين عبابو.

فقد تسربت في أعقاب الهجوم أخبار الاجتماعات التي يعقدها في القيادة العليا وسط الرباط، وقبالة القصر الملكي، الكولونيل الشلواطي وهو يضع النقط الأخيرة، ويحدد الجهات العسكرية، حيث تسرب حديث عن تواجد المارشال أمزيان، في القيادة العليا، وقد فوجئ بانشغال الكولونيل الشلواطي فسأله أمزيان: هل أخبرت الملك، وهو يظن طبعا أن الأمر يتعلق باحتفال؟

مثلما تسرب حديث سياسي عن مقابلة بين الجنرال المذبوح وعبابو ليلة الهجوم، وحكى عبابو لأخيه أنه قال: لقد اتفقت مع المذبوح الذي كان يرى إقامة دولة يحكمها الجيش، وجمع كل القوات تحت قيادة شخص واحد، يحكم الجيش والقوات الاحتياطية والدرك، والأمن، ووزارة الدفاع، ومتى قالت مجموعة من الضباط لأخ عبابو محمد: قل لأخيك امحمد أنه أخطأ عندما قرر تسليم الأمور كلها للجنرالات، لأن الحكم يجب أن يرجع إلينا.

بوادر هذه الرغبة في توجيه الانقلاب أو استغلاله في حالة نجاحه، تكشف نوايا أغلبية الضباط الصغار الذين فوجئوا بهذا الانقلاب، وكانوا يبحثون عن الفرصة المناسبة.

إن تضامن الجيوش في جميع أنحاء المعمور وتحالف العسكريين فيما بينهم، لم يكن يوما ما أقل من تحالف أبناء القبيلة الواحدة، خصوصا في بلد كالمغرب، متكون أصلا، وحتى قبل دخول الإسلام، من قبائل متباعدة التكوين، مختلفة اللغات، وأشراف واكبوا الفتح الإسلامي، حضروا مع الفاتح المولى إدريس من سلالة الرسول محمد عليه السلام، وامتزجوا وأصبحوا أمة واحدة، إلى أن جاء الاستعمار الفرنسي سنة 1912، ليجد بقاءه مرتبطا بخلق صراعات داخلية في إطار فرق تسد.

ولهذا اضطرت مصالح الدولة تكليف رجال الشرطة وأغلبهم منحدرون من المدن، وبعض ضباط الجيش والدرك الموثوق فيهم(…) وفي ارتباطهم بالعرش، ليتولوا البحث في ظروف الانقلاب والإعداد للانقلاب..

ورغم كل الاحتياطات التي اتخذت، فإن البحث لم يدر كما كان يجب أن يدور، وكانت بين الباحثين والمبحوث عنهم جدران عالية من الموانع أساسها الخوف من الغد، والخوف من الأمس، وعدم الثقة المطلقة في اليوم.

 

يتبع

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق