ملف الأسبوع

ملف الأسبوع | خرق المعايير الدولية لإحصاءات المالية العمومية

صدمة المجلس الأعلى للحسابات

وفقا لبيانات 2019 التي نشرها المجلس الأعلى للحسابات، فإن ناتج الميزانية لعام 2019 سجل رقما سلبيا، هو ناقص 41 مليون درهم، فيما الرصيد العادي في حدود 26 مليون درهم فقط، وهو ما يعني أن ما يساوي أكثر من نصف ميزانية الاستثمار هو في اتجاه سلبي، لذلك فـ”اقتصاد المملكة دخل هشا لمواجهة كورونا”.

وسجلت المملكة هذا الأداء السلبي لناتج الميزانية مع احتساب موارد الخوصصة مع معدل عجز صافي بـ 3.6 في المائة وديون للخزينة بلغت 65.4 في المائة من الناتج الداخلي الخام.

وحاول المغاربة تحميل “كورونا” قصة الأزمة البنيوية للاقتصاد الوطني وقد ارتفعت في سنة 2019 نفقات الموظفين والسلع والخدمات على التوالي بما قدره 5.294 ملايين درهم و7.089 مليون درهم.

تتمة المقال بعد الإعلان

وقررت الحكومة، في هذه الظروف، حجب مساعدات موجهة للأسر الفقيرة في حدود 1.6 مليون درهم، ولم يكن هناك بعد اجتماعي حقيقي للميزانية العامة، إذ اهتمت دوائر القرار بالتحكم في مستوى عجز الميزانية، عبر تسجيل عمليات تمويل بمبلغ 7 ملايير درهم من المداخيل غير الجبائية، لجعل “المونتاج” المالي في خدمة الأرقام، وليس التأثير في البنيات وصدق المؤشرات.

وخرجت المملكة بهذه الخطوة عن المعايير الدولية لإحصاية المالية العمومية، وفي حال اعتماد المعيار الدولي، فإن عجز الميزانية سيرتفع بـ 48.678 مليون درهم، أي بتفاقم يبلغ 7.014 ملايين درهم وبزيادة 16.8 في المائة عن سنة 2018.

أعد الملف : عبد الحميد العوني

 

تتمة المقال بعد الإعلان

+ عجز الميزانية هو 4.2 في المائة، وقد نزل، بخرق المعايير الدولية، إلى 3.6 في المائة

    إن خرق الحكومة للمعايير الدولية في إعداد الميزانية ومؤشراتها واضح ولا غبار عليه، لأن المهم هو نقص عجز الميزانية الذي بلغ 3.5 في المائة مقارنة بالسنة التي قبلها، منها 53 في المائة من الدين الخارجي، وبذلك، يكون دين الخزينة قد تضاعف في عشر سنوات، لينتقل 345.177 مليار درهم إلى 747.996 مليار درهم، أي أنه أصبح واضحا أننا أمام معدل 8 في المائة كل سنة، وهو رقم صعب الهضم حاليا، ويكشف أن المالية العمومية أقل من المتوقع.

وانتهت السياسة العمومية في مجال الديون إلى الفشل، بتسجيل فارق 5.4 في المائة مقارنة مع الهدف المسطر، لتعمل “كورونا” على رفع معدل الاستدانة بدون سقوف.

إن العودة إلى ديون في حدود 60 في المائة من الناتج الداخلي الخام، أصبحت حلما، فيما ارتفع الدين الداخلي في سنة 2019 بـ 2.1 في المائة عن سنة 2018، أي ما يزيد عن نصف مليار درهم مقابل زيادة للدين الخارجي بحوالي العشرة في المائة، وهو ما يفيد أن المؤشرات السلبية تتضاعف بشكل قياسي بين سنة وأخرى، ولم يتوقف الانحدار نحو القاع بطريقة دراماتيكية.

وارتفعت الإصدارات في سنة واحدة بـ 19 مليار درهم لتبلغ 25 مليار درهم مقابل 6.2 في المائة فقط سنة 2018، أي بارتفاع قياسي وصل 400 في المائة؟

وبناء عليه، زادت نفقات أصل الدين ونفقات وفوائد الدين بـ 9.2 في المائة و9.8 في المائة على التوالي، وغطت ضمانة الدولة 160.2 مليار درهم من إجمالي الديون الموجهة للمؤسسات والمقاولات العمومية وهي ستة بالأساس.

+ 6 مؤسسات ومقاولات عمومية اقترضت 160 مليار درهم بمعدل 10 ملايير درهم لكل واحدة

    اقترض المكتب الوطني للكهرباء والماء الصالح للشرب 42.786 مليون درهم، والسكك الحديدية 23.965 مليون درهم، كما اقترضت شركة الطرق السيارة 18.955 مليون درهم، ومثل هذا المبلغ اقترضته الوكالة المغربية للطاقات المستدامة، أما المداخيل، فهي مرتكزة على الجبايات الصافية وقد بلغت 211.9 مليار درهم، وغير الجبائية 34.2 مليار درهم، و3.8 مليار درهم من مداخيل الخوصصة بنسبة 1.3 في المائة، لكن مع ذلك، وجدنا انخفاضا في نسبة مساهمتها في مداخيل الدولة العادية، وتكشف هذه الإحصائيات عن:

1) تراجع بنسبة 4.6 في المائة عن السنة التي قبلها، كذلك الشأن مع مستوى الاستقرار الضريبي المباشر وغير المباشر على حد سواء، وقد صفعت “كورونا” الجميع، بحيث تحول الأداء إلى إنتاج قيمة مضافة للعمل والإنتاج.

ومن غير الممكن التمويل عبر الزيادة في الضرائب، بل بالزيادة في الإنتاج الذي يوفر بعدا اقتصاديا آخر.

2) تراجع المؤشرات الاجتماعية يتقدمها مؤشر المقاصة، إلى الحد الذي يمكن معه القول أن العمليات الإنتاجية تميز نفسها عن القدرة الجبائية للدولة.

وفي سنة 2018، رفعت الدولة من جبائيتها إلى 3.6 ملايير درهم، فيما تسعى حاليا إلى استقرار هذا الأداء الضريبي.

ويبقى المخيف بعد “كورونا”، ألا تتمكن الدولة من استخلاص ضرائبها بنفس النجاعة، وبالتالي، فإن مسألة جبائية 3.6 ملايير درهم في زيادة واحدة عن باقي السنوات، يعد أداء استثنائيا وستعالجه الحكومة بمزيد من الاقتراض.

وبهذه الأرقام، تعيش المالية العمومية صعوبات مؤكدة تجعل “المزيد من الديون والضرائب” هو الحل لتمويل عمليات الدولة.

وسجلت سنة 2019 زيادة في المداخيل غير الجبائية رغم احتساب نصف المبلغ ضمن هذه الخانة، ومعلوم أنها مداخيل جبائية؟ أي أن نموها زاد فقط بـ 30 في المائة وليس 61.6 في المائة، وقد سجلت هذه المداخيل زيادة بنسبة 4.6 في المائة، أي 13.7 مقابل 9.1 في المائة.

وتعزى هذه المداخيل، حسب المجلس الأعلى للحسابات، إلى عمليات تمويل “مبتكرة” أبرمتها الدولة مع صندوق الإيداع والتدبير والصندوق المغربي للتقاعد والوكالة الوطنية للموانئ بمحفظة مالية تبلغ 9.23 ملايير درهم.

واتخذت الدولة هذه الخطوة، بعد تراجع الهبات والمساعدات الخارجية.

+ هبات الخليجيين نزلت بمليار و100 مليون درهم دفعة واحدة

    لم يعد هناك هامش مالي للمناورة المالية، بعد استنزاف إدارة ترامب للاحتياطات السيادية الخليجية ودخول السعودية في حرب اليمن، وانسحاب المغرب منها، جعل الأمور مختلفة للغاية على صعيد مؤشر الاستثمارات الخليجية في المملكة، وأيضا على مستوى المساعدات وانخفاض الهبات الخليجية بمليار و100 مليون درهم، وهو ما يكشف أن مواجهة الجفاف و”كورونا” وتراجع الهبات الخليجية، عقد وضعية المالية العمومية التي لم تجد بدا سوى المزيد من الاقتراضات.

من جهة، هناك خيار وحيد هو المزيد من الجبايات التي تقف أمامها “كورونا”، ولم يعد ممكنا سوى المزيد من الحوكمة، وبالتالي، سيكون من الطبيعي زيادة المداخيل غير الجبائية المرتبطة بعمليات التمويل.

وقد رأى مهندسو المالية العمومية أن تكون عمليات تمويل واسعة من المداخيل الجبائية، حيث أبرمت الخزينة خلال هذه السنة، ثلاث عمليات إيجار مع مستثمرين مؤسساتيين، ويتمثل هذا النوع في الخوصصة، والمفاجأة، هي عدم عد الخوصصة من المداخيل الجبائية؟ عكس ما عليه العرف الدولي، وتبعا لذلك، هناك عمليات أخرى تخص نقل ملكية منشآت عامة إلى المستثمرين الذين يوافقون على تركها للدولة لاستخدامها، مقابل دفع الإيجار إلى السنة المتفق عليها، وفي نهاية هذه المدة، تستعيد الدولة ملكية هذه المنشآت.

وجرى الأمر مع الصندوق المغربي للتقاعد حول مراكز استشفائية جامعية مقابل 4.6 ملايير درهم لمدة 40 سنة، في حين تتعلق العملية الثانية ببعض المباني الإدارية مقابل 670 مليون درهم على مدى 40 سنة، وأبرمت العملية الثالثة مع صندوق الإيداع والتدبير مقابل 1.7 مليار درهم لـ 30 سنة.

وحسب معايير إحصائيات المالية العمومية، فإن هذه العمليات من التمويل تدخل في إطار “الكراء مع أفضلية الشراء” وهي ديون.

والذي حدث، أن ما تعتبره الأبناك والعقود ديونا، خصوصا عند المحاسبين العموميين، وطبقا للمعيار الدولي في إحصاء المال العمومي، غيرت الحكومة صيغته كليا، وقررت تفعيلها في الباب “غير الجبائي”، وهو ما يؤثر على نفقات جبائية أخرى، إذ ستكون محدودة.

وفعلا، تركز النفقات الجبائية حاليا على عدد محدود من القطاعات، إذ بلغت النفقات الممنوحة من طرف الدولة قبل “كورونا” 27.7 مليار درهم، أي 13.1 في المائة من المداخيل الجبائية، وهو رقم هام للغاية، من واقع أمرين:

1) أن 57 إجراء من أصل 293 هي ضمن النفقات الجبائية.

2) أن قدرة الدولة على فصل الجبائي عن غير الجبائي، لم تعد مسطرة شفافة من حيث الإجراءات، وأصبحت القدرة على خلق توازنات مالية تسبق المعايير المالية نفسها، وهو ما شكل صعوبة شديدة في تقييم المؤسسات الدولية مستقبلا، فاليوم هناك “مونتاج” أو توضيب مالي لخفض عجز الميزانية إلى ما تحت أربعة في المائة، ولو بتعديل المعايير.

وانتهت هذه الإجراءات غير المعيارية مع “كورونا”، حيث نجد أن الأمور ذهبت باتجاه آخر، فليس من المهم التغطية على الهشاشة، بل مواجهتها، كما وجدت الدولة نفسها أمام ضرورة العمل على التدخل لتعميم التغطية الصحية والتقاعد، وغيرها من الإجراءات الكفيلة بتحسين الحياة.

كانت السياسة المالية ليست أكثر من تجويد الأرقام دون البحث عن اتصالها الحقيقي واليومي للساكنة، وتقديرا لهذه الحسابات الموروثة عن عهد غير متميز بالشفافية، فإن “المونتاج” المالي ينتهي بإعادة تفسير كل شيء وبناء مفاهيم أخرى.

وحاليا، تركز نفقات الدولة على العقار والكهرباء والغاز والماء والاحتياط الاجتماعي، بنسب متفاوتة تجعل نصف النفقات موجهة لهذه البنود المالية، وبالتالي، فإن النفقات الموجهة لها تصل إلى 14.3 مليار درهم من أصل 27.7 مليار درهم، يقول المجلس الأعلى للحسابات، فإن أضفنا إليها النفقات الممنوحة للصادرات وقطاع الفلاحة والصيد البحري، يرتفع مستوى التركز إلى 70.9 في المائة بحوالي 20 مليار درهم.

وبالتالي، هناك تقديرين:

1) أن اللاتركز القطاعي للنفقات أساسي لتوسيع الاستفادة، ومن جهة ثانية، يتطلع الجميع إلى قدرة الدولة على التوزيع العادل للنفقات، وهو جزء رئيسي من التوزيع العادل للثروة، وليس أكثر من المال العمومي، ومن المهم الانتباه إلى هذه النقطة تحديدا، لأن 70 في المائة منه موجه لقطاعات محددة و30 في المائة لباقي القطاعات، وهذا التفضيل صعب.

2) أن اللاتركز المالي لن ينجح دون عدالة جبائية، وعدالة في توزيع الجبايات، وهما بندان مختلفان يصعب القول باتحادهما، وإن ذهب البعض إلى هذا القول، فإن العدالة في توزيع النفقات على القطاعات جزء من الإدارة المحوكمة التي تأخذ بعين الاعتبار “الإطار العام” وليس “المونتاج المالي”.

وتعد الضريبة على القيمة المضافة، الدعامة المفضلة للدولة لإنجاح “الإنفاق الجبائي”، وكما هو معلوم، فإن هذه الضريبة تمثل نصف النفقات بمقدار 14.2 مليار درهم، في حين تم استخدام الضريبة على الشركات كوسيلة لنقل النفقات الجبائية من خلال 57 إجراء.

وتتشكل النفقات عموما من 73.9 في المائة لصالح الموظفين، و23.5 في المائة من نفقات الاستثمار، و24 في المائة من نفقات السلع والحسابات، لكن ما تجب الإشارة إليه هو:

1) أن نفقات المقاصة لا تتجاوز نصف المبالغ الموجهة لخدمة فوائد الدين العمومي.

2) أن نسبة نفقات المقاصة التي تستفيد منها القدرة الشرائية العامة، ضعيفة، وحاليا، يمكن تعزيز حقوق المواطن من خلال حقه في الصحة العامة والتقاعد.

قد يكون القول بهذه الإجراءات مؤسسا على الوضع الداخلي بعد الحجر الصحي، أو أن السياسة تغيرت، لأن الكل نظر إلى انكشاف بنيات الدولة خلال أزمة “كورونا” بشكل سريع وواضح.

وبناء على ذلك، فإن مناعة الحرب أو مقاومة الحصار، جزء لا يتجزأ من سياسة أي دولة، وحاليا، فالأمور ليست إيجابية، لعدم التمسك بالمعايير الدولية في إعداد الميزانية العمومية، وأيضا بالأهداف المتعلقة بالمواطنة المالية من توزيع عادل للنفقات الجبائية، لأن هذا الميكانيزم هو الأهم بالنسبة لتحقيق العدالة.

لا ريب أن حماية قدرة الدولة على التدخل، واجب اجتماعي للحفاظ على الوحدة والاستقرار، ولكن الأمور مختلفة، بين العدالة الجبائية التي تجعل المواطن يدفع ضريبته ويطلب العدالة في كل النفقات العمومية.

وفي المحصلة، يجب على المغرب أن يعود في كل التفاصيل إلى المعيار الدولي، أما التكييف وإعادة التكييف الذي حدث، فقد ينتهي بالفشل، لأن المؤشرات والمعايير يجب أن تكون متزامنة.

 

المجلس الأعلى للحسابات

+ من أصل النفقات التي تصل إلى 293 ألف مليون درهم، تزيد نفقات المداخيل بـ 43 ألف مليون درهم

    إن نفقات الموظفين تزيد من الاستثمار بـ 14.4 في المائة، وتتجاوز أيضا نفقات السلع والخدمات عن الاستثمار، وسجلت سنة 2019 ناقص 4 آلاف مليون درهم على صعيد هذه النفقات (السلع والخدمات)، فتأثرت نسبة الإنجاز بـ 3.9 في المائة، كذلك الشأن مع نفقات المقاصة التي سجلت ناقص مليارين و298 مليون درهم، أما الموظفين، فقد سجلت نفقاتهم ناقص 633 مليون درهم.

لقد استهدفت السياسة الرسمية الدعم العمومي بشكل واسع قبل “كورونا”، لنجد المسألة الحسابية أكثر تعقيدا، بعدما تأكد أن كل البنود المالية لم تمس وبقيت على حالها، إلا نفقات المقاصة، لتصبح هشاشة القدرة الشرائية واضحة، حسب استقراءات القانون المالي المعدل، وما من استنتاجات بشأن تنفيذه.

إن القطاع غير المهيكل يحمل على كتفه الأداء الاجتماعي، ومن ثم المالي  لتطبيقات ميزانية الدولة، وفي هذه التقييمات، فإن الاستثمار لم يرتفع في ميزانية الدولة، ولم ينخفض أي بند مالي إلا بند المقاصة.

وتظهر أيضا التقييمات الجديدة لميزانية الدولة قبل “كورونا” بأسابيع، أن الاستثمار لم يرتفع إلا في حدود 2.5 في المائة، أي بمعدل التزام قدره 90 في المائة ومعدل إصدار قدره 86 في المائة، وبفارق كبير، نرى فارق نسبة الإنجاز عن نسبة الإصدار، إذ هي بين 8 و12 في المائة.

وطبقا لتحليلات الرقابة المالية، فإن 5 في المائة، هي نسبة الزيادة على صعيد نفقات الموظفين لتصل نسبة 37.9 في المائة، بسبب الزيادات التي قررها الحوار الاجتماعي لـ 25 أبريل 2019.

ومن الثابت أن هذه الزيادة غير مؤثرة إن تطور التدبير العمومي، ومن ثم الإنتاج ليغطي 10 في المائة الموكولة له.

وسجلت زيادة الاعتمادات المفتوحة بـ 1.234 مليون درهم أنظمة المعاشات و97 مليون درهم بالنسبة للمساهمات في الاحتياط الاجتماعي.

وباحتساب المساهمات، فإن فارق السنتين الماليتين يتجاوز 6 ملايير درهم ليمثل 11.4 من الناتج الداخلي الخام.

+ الأجور في حدود 12.9 في المائة من الناتج الداخلي الخام

    تتجاوز كتلة الأجور التي تتحملها الدولة فعليا، مبلغ 149.270 مليار درهم، ومن اللافت أن لغة المليار درهم لا تستخدم إلا في أجورالموظفين، وما دونها تستعمل بـ”ملايين الدراهم”؟

وهذه نكتة بلاغية في لغة الأرقام، لأن القول بالمليار ليس كالقول بالمليون،  وحاليا، فإن الحسابات وإنجاز أغلب نفقات المعدات، تتم عبر التحويلات.

+ مالية الدولة تعتمد على التحويلات

    لم يرتفع إنجاز نفقات المعدات والنفقات إلا بـ 0.2 في المائة بين سنتي 1918 و2019، ولا يزال العجز في حدود 3.5 في المائة قائما، وكانت هذه النفقات قد ارتفعت في سنة 2019 بمبلغ 4.177 ملايير درهم، بحوالي 10 في المائة، أي 16.7 في المائة من مجموع النفقات، بما مجموعه 27 ألف مليون درهم ممثلة لثلثي الاعتمادات المفتوحة.

وفي هذا السياق، جرى تخصيص 79.5 في المائة من المنح والتحويلات للمؤسسات العمومية ذات الطابع الإداري، و7.6 في المائة للجمعيات والمؤسسات غير الربحية، و5.5 في المائة للحسابات الخصوصية للخزينة.

وتدور المشكلة الحالية حول تدابير الترشيد المنصوص عليها في دورية رئيس الحكومة المتعلقة بالبرمجة الميزانياتية من سنة 2019 إلى 2021، التي تأكد معها صرف ما مجموعه 3.516 ملايين درهم ممثلة 7.8 في المائة من مجموع اعتمادات المعدات والنفقات المختلفة مقارنة بسنة 2018، وقد ارتفعت بـ 6.5 في المائة مقابل 19.5 في المائة المسجلة بين سنتي 2017 و2018، وبعدم احتساب المنح والتحويلات.

حسب ملخص تقرير للمجلس الأعلى للحسابات، فإن هذه النفقات تمثل 20 في المائة من الاعتمادات المفتوحة في سنة 2019 مقابل 20 في المائة من الميزانية العمومية فقط، بما يمثل صعوبة في دفع الميزانية العمومية نحو المزيد من الشفافية.

يرغب المغرب بعد “كورونا” في وضع الميزانية العمومية تحت معايير الترشيد، لأن الإدارة العمومية لم تستجب لكل معايير الترشيد، وقد يزيد بنسبة ومعدل سنوي لا يتجاوز 6 في المائة، ليصل لخمس الميزانية العمومية، أي إلى الحد الذي يمكن فيه القول:

1) أن قدرة الدولة على المزيد من الترشيد، ضرورة استراتيجية.

2) أن الدولة أمام خيار تجويد الإدارة والخدمة العمومية، أو بناء صعوبات أخرى، لدورها في المستقبل.

3) أن تطوير الأداء بما يمثل النفقات الموجهة لمكاتب الدراسات واستئجار المعدات، هي التي علقها القانون المالي المعدل بموجب تأثير “كورونا”.

وبالتالي، فإن ما يشكل تحديا كبيرا، هو غياب معايير الإنفاق المتعلقة بالوزارات.

+ نفقات الاستثمار ليست سوى تحويلات لفائدة الحسابات الخصوصية للخزينة

    إن ما يقارب 57.9 في المائة من نفقات الاستثمار، تنفذ بشكل رئيسي من خلال التحويلات نحو الحسابات الخصوصية، وبالتالي، فإن القدرة على تجاوز اقتصاد “الحسابات الخصوصية”، وكون الاستثمار تحويلات لصالح هذه الحسابات، وجهان لعملة واحدة تؤكد على عدم دمج هذه الحسابات، وأيضا ارتفاعها في الاعتمادات النهائية إلى أكثر من ثلثي الاعتمادات النهائية للتحويلات.

وبناء عليه، سيكون أمام الدولة رهان صعب يفيد في بلوغ الاعتمادات النهائية للتحويلات لفائدة الحسابات الخصوصية للخزينة، إلى 32 مليار درهم (44.9 في المائة)، فيما بلغت الاعتمادات النهائية للتحويلات لصالح المؤسسات والمقاولات العمومية، 14 مليارا و133 مليون درهم.

هذه التقديرات الرسمية تكشف أن كل التحويلات تدور مع الحسابات الخصوصية للخزينة، ويدور معها الاستثمار العمومي بعيدا عن الآلة العمومية.

إن ميزانية في حدود 19.3 في المائة لهذه الحسابات، ستشكل تأثيرا مرتقبا على المالية العمومية، إن كانت في إطار ميزانيات أو حسابات خاصة.

وقد عملت الحكومة على توسيع دور الحسابات الخاصة، خصوصا على صعيد علاقتها بالاستثمار العمومي، حيث يدور معها، وهذا النظام يشهد أمرين:

1) أن قدرة الدولة على الاستثمار العمومي لا تكون إلا عن طريق ميكانيزم التحويلات، وأيضا على قدرة أخرى متمثلة في حجب نفقات الترشيد عن هذه الحسابات، وبالتالي عن الاستثمارات الجارية، وهو ما يمثل انعطافا تضامنيا حاول المغرب مراجعته في ظل أزمة “كورونا”، حيث ذهب تأطير الاستثمار العمومي إلى دعم الإنتاج المحلي، وعبر ميكانيزم تضامني يجعل التعامل مع الوباء عن طريق حساب خصوصي.

إن هذه الفكرة المغربية الكلاسيكية لا تزال ثابتا، رغم وجود قانون للمالية وقوانين مرعية ذات صلة.

2) الاستثمار العمومي بدأ في الانخفاض قبل “كورونا”، لذلك، فأزمته صارت أعقد، إذ لا بد من فصل التكاليف التي لا يمكن إدراجها من فصول الاستثمار، وبالتالي، فإن معدل الشفافية المطلوب لن يتحقق دون العمل على التعاطي الواسع مع الفصل المدرج من ملاحظة قديمة ومقررة للمجلس الأعلى للحسابات.

وقد لوحظ انخفاض الاستثمارات، وأيضا تطبيق قاعدة تسقيف الاعتمادات المرحلية في حدود 30 في المائة من اعتمادات الأداء الجديدة انطلاقا من منشور وزير المالية رقم 475 لسنة 2019.

وبناء على ذلك، سمح الوزير المكلف بإدراج نفقات الاستثمار، بعد بلوغ الحد الأقصى، لـ 30 في المائة في الاعتمادات المفتوحة لسنة 2019، وهذا يعني أن هناك إعادة تبويب للبنود المالية بما يناسب مواصلة الإدراج، ولذلك، فإن مشكلة التدبير سارية المفعول، وقد عملت الحكومة على ترتيبين:

ـ التقديرات المالية للحكومة لم تكن استثمارية، ولذلك، جاءت مدعومة بتكاليف تحت نفس البند.

ـ التمويل الاستثماري عبر التحويلات من الميزانية العامة، وقد استفادت الحسابات المرصودة لأمور خصوصية من تحويلات الميزانية العامة بنسبة 1.8 في المائة في 2019 مقارنة بالسنة التي قبلها.

وعرفت مرحلة ما قبل “كورونا” انخفاضا مهما بـ 11.3 في المائة في تحويلات الميزانية العامة، التي تمثل 29 في المائة من مداخيل الحسابات المرصودة لأمور خصوصية.

ووصلت تحويلات الميزانية العامة لفائدة الحسابات المرصودة لأمور خصوصية، 21.8 مليار درهم مقابل 24.6 مليار درهم في سنة 2018، وتأتي هذه التحويلات من ميزانيات الاستثمار للوزارات بنسبة 55 في المائة، ومن فصول التكاليف المشتركة (التسيير والاستثمار) بنسبة 30 في المائة، لذلك، فإن اعتماد تكاليف مشتركة (بين التسيير والاستثمار)، هو سلوك مالي يجب أن ينتهي، وحاليا، جاء فصل الاستثمار عن التسيير بطريقة مباشرة في القانون المالي المعدل بسبب “كورونا”.

إن الفصل الذي حدث في سنة 2020، سيكون له معناه إن جاء الفصل بين تكاليف الاستثمار وتكاليف التسيير.

وسيكون من الطبيعي أن “إعادة النظر في التحويلات”، وأيضا “الدخول في طور التحكم من خلال ترحيل اعتمادات” قد يذهبان معا باتجاه واحد، هو العمل على استمرار ثوابت الإدارة المالية الحالية.

ومن اللافت أن تكون الإجراءات الجديدة، في حكم القادرة على إعادة إنتاج النمط المالي المتسم بالاعوجاج، لكن الذي سيكون ما بعد القانون المالي المعدل، سيختلف ولاشك بعض الشيء، لأن المغرب كشف نقط ضعفه، ولأن أغلب الشعب يعيش على القطاع غير المهيكل.

+ منذ سنة 2018، وفي سنة “كورونا”.. جاء أداء الحسابات الخصوصية للخزينة في منحى تصاعدي، إذ وصل إلى 700 في المائة: من 1.5 في المائة إلى 7.4 في المائة، ويرتفع أكثر في أداء القانون المالي المعدل

    حدث انخفاض في رصيد الحسابات الخصوصية للخزينة في سنة 2018، وذلك بسبب دفع 24 مليار درهم من الحساب الخاص بهبات دول مجلس التعاون الخليجي لفائدة الميزانية العامة.

إن أخذ 24 مليار درهم من صندوق معين، لم يكن رقما هينا، إذ جرى تمويل 2.4 مليار دولار دفعة واحدة من واقع أن دورة الديون السنوية من الخارج ما قبل “كورونا” كانت في حدود مليار دولار، وأخذ ضعفي الخط التمويلي لمؤشر دورة الدين الخارجي أو ثلثي الخط الائتماني للبنك الدولي دفعة واحدة، شكل فارقا ماليا أثر على أداء الحسابات الخصوصية قبل أن تعود مجددا إلى سلوكها السابق.

وقد جاءت توصيات مرفوعة للملك بخصوص التعاطي مع الميزانية العامة، من خلال الحذر بشأن ارتفاع دين الخزينة، وقد قررت الحكومة المزيد من الديون لتجاوز أزمة “كورونا”، كذلك الشأن مع مطالبة المجلس الأعلى للحسابات بتوسيع الوعاء الضريبي، رغم الأزمة الشديدة لـ”كورونا” على الأهالي وعلى قطاعات اقتصادية بشكل شبه كامل.

وبدت التوصيات الأخرى مؤكدة على:

1) تطوير المداخيل غير الضريبية.

2) قصر الاستثمار على النفقات التي لا يمكن تحميلها على ميزانيات الوزارات.

3) ضبط وتدقيق بند التحويلات الأخرى الدارجة في التقارير المالية لأغلب المؤسسات.

4) التحكم في الاعتمادات المرحلة دون سقف 30 في المائة.

5) التمييز بين نفقات الاستثمار والتسيير من أجل التمكن من الاستثمار الإجمالي للدولة، وهي التوصية التي أقرتها المملكة لما بعد “كورونا”.

6) حذف النفقات التي يمكن تحميلها على الميزامية العامة في شأن الحسابات المرصودة لأمور خصوصية.

7) تحسين معدل تنفيذ نفقات الاستثمار.

وركزت الصحافة في قراءة هذه التوصيات الموجهة، على “التحويلات”(1) أو التوزيع الجهوي للثروة(2)، وهذان الحلان يلخصان معضلة المالية العمومية، لأنه لا عدالة ضريبية أو تنموية، ولا شفافية في التكاليف والنفقات المشتركة بين التسيير والاستثمار، فيما تدفع الدولة ما بعد “كورونا” إلى اتخاذ إجراءات لإصلاح عميق لوزارة المالية، بما يفيد إعادة تقويمها بما يناسب المستجدات الحالية.

وقد ركز الجميع على نقط ثلاثة(3)، وإلى ست توصيات لتجاوز عوائق “تنفيذ الميزانية”، ولهذه العلة، فإن تقرير المجلس عن ميزانية 2019، ذهب بعيدا في مواجهة العوائق البنيوية التي يكشف المجلس الغطاء عنها(4).

ولن ينسى الجميع أن إصلاح الميزانية العامة لن يكون دون فصل اعتمادات الاستثمار عن التسيير، ودون أن يكون هناك بند لـ”التكاليف المشتركة”، ويجب العمل بباقي التوصيات كي تنجح الإدارة المالية للمملكة في إنتاج ميزانية متوازنة، لأن التقشف ليس سلوك الدولة في عهد “كورونا”، لكن المغرب حول الاستثمار الحكومي إلى الاستثمار عبر صندوق استراتيجي أطلق لهذا الغرض، وهو ما يجعل الحسابات الخصوصية جزء من مغرب ما بعد “كورونا”.

 

هوامش :

  • Budget: la cour des comptes point du doigt le reporting, l’économiste, 30/9/2020.
  • Cour des comptes: deux régions concentrent 81 pourcents des recettes fiscales, la nouvelle tribune, 2/10/2020.
  • Cour des comptes: rapport sur l’exécution du budget 2019 en 3 points, ecoactu, 30/9/2020.
  • Ce rapport publiee sur l’exécution du budget 2019 (sur le site de la cour des comptes).

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق