المنبر الحر

المنبر الحر | عندما كشف النمل حقيقة جريمة مشابهة لجريمة قتل الطفل عدنان

قيدوم القضاة والمحامين يحكي..

توصلت “الأسبوع” بمراسلة من قيدوم القضاة والمحامين، الأستاذ رضوان محمد إدريس بناني يحكي فيها عن تجربته الشخصية مع قضية شبيهة بقضية الطفل عدنان، من حيث الجريمة ومن حيث إخفاء الجثة(..)، وهي القضية التي يرجع تاريخها إلى سنة 1963، وقتها حكمت المحكمة بإعدام المتهم(..)، ولم يكن هذا القرار ليصدر لولا حنكة القضاة، ومن بينهم صاحب المراسلة الذي كان أصغر قاض في مغرب الستينات، وأصغر رئيس محكمة للجنايات في العالم عام 1963 وهو ابن 23 سنة.. فيما يلي القصة كما حكاها صاحبها:

 

    كان الطفل الضحية ابن أربع سنوات، والمتهم تلميذ بالبكالوريا ابن 18 سنة، من أسرة محترمة، وكان من المنتظر أن يعترف بالأفعال المنسوبة إليه في مرحلة البحث التمهيدي على الأقل، ولكنه نصح بأن ينكر في سائر مراحل المحاكمة.. على أمل الحصول على البراءة.

استمرت المحاكمة ثلاثة أيام بلياليها، برئاسة رئيس المحكمة الإقليمية ورئيس المحكمة العسكرية، الأستاذ عبد النبي بوعشرين (رحمه الله)، وبعضوية مستشاره الأيمن، أصغر القضاة، الأستاذ رضوان بناني، ومستشاره الأيسر القاضي الأستاذ أحمد الحضري (رحمه الله)، وبعضوية ثلاثة مستشارين محلفين من عامة الشعب، وآزر المتهم محاميان: الأستاذ طورا باديبا الإيطالي والأستاذ فونطين الإسباني.

استدرج المتهم الطفل لمنزله، فعل فيه الفاحشة، لطخت دماء الضحية إزار فراش المعتدي فقتله، ثم أخفى جثته، وأنكر الأفعال المنسوبة إليه، لم تعثر الشرطة القضائية على الجثة!

قام قاضي التحقيق الإسباني بتفقد منزل المتهم مرتين بحثا عن الجثة، فلم يهتد إليها إلا بعد عشرة أيام.. إثر توصله بتقرير خبرة من الدار البيضاء أجريت على مجموعة من النمل وجدت على حائط بعيد عن المطبخ، تفيد وجود دم بشري في النمل.. آنذاك، تتبع مسيرة النمل حتى فوجئ بالجثة، وبالرغم من العثور على جثة الضحية في منزل المتهم، أصر على الإنكار.. وكان تقرير الخبير المحلف الصيدلي الإحيائي بالدار البيضاء، أن صرح بأن البقع التي على الإزار ليست دما.

وأثناء الجلسة، استأذنت الرئيس بأن أقوم مباشرة باستنطاق الصيدلي الفرنسي، حاصرته بأسئلتي فاضطر أن يقول: لم يعد دما il n’est plus du sang، مخالفا ما جاء في تقريره il n’est pas du sang، فطلبت من الرئيس أن يأمر كاتب الضبط بتراجع الخبير عن كلامه السابق: ليس دما بالإشهاد.

وفي زيارة تفقدية للسجون من طرف قاضي التحقيق الأجنبي، عثر في حيازة المعتقل على كتب للتنويم المغناطيسي، كان يتدرب عليه لتنويم المحكمة أثناء محاكمته.

حاولت المحكمة عدة مرات أن تقنع المتهم بالاعتراف عله يحظى بظروف التخفيف، ولكنه أبى، وكان من شهود الإثبات على سبيل الاستئناس فقط، أخت الضحية الهالك، طفلة بريئة، ذات ثلاث سنوات، أجلست المحكمة عدة أشخاص لا علاقة لهم بالقضية إلى جانب المتهم، ولما أمر الرئيس برفع الطفلة الشاهدة على كرسي لتتمكن من التعرف على المتهم الذي استدرج الضحية بحضورها، استعرضت الوجوه التي أمامها، ولما تأكدت من ملامح المتهم، أشارت إليه بأصبعها البريء: هذا هو، فنفرت الدموع من أعيننا، لأن الله تعالى ألهمها لكشف المجرم من بين أشخاص أبرياء.

فأصدرت المحكمة حكمها عليه بالإعدام، وبالإجماع، لا بالأغلبية فقط، لأن الروح عزيزة عند الله تعالى، واستشهدت المحكمة بالآية الكريمة: ((ولكم في القصاص حياة يا أولي الألباب لعلكم تتقون)) صدق الله العظيم (البقرة الآية 179).

كانت المحاكمة يوم 5 نونبر 1963، ونظرا للكفاءة والديناميكية التي أظهرتها في هذه المحاكمة، أسندت إلي بعد أسبوعين منها، رئاسة محكمة الجنايات الكبرى، وكانت أول جلسة جنائية رأستها انعقدت يوم السبت 23 نونبر 1963 بمشاركة العضوين السيدين صلاح الدين الريسوني وأحمد الحضري، وبمشاركة المستشارين المحلفين السادة: محمد محمد الدكالي، عبد الكبير محمد الصغير، محمد بن رابح، بمحضر ممثل النيابة العامة، السيد عبد الله الخطيب، وكاتب الضبط السيد أحمد بوسلهام.

القضية الجنائية رقم 142، التهمة: الضرب والجرح العمديين المؤديين إلى عطب مستمر والاغتصاب، الحكم: 10 سنوات سجنا.

أما أول جلسة جنحية ترأستها، فكانت يوم 17 أكتوبر 1963، بعضوية الأستاذ أحمد الحضري والأستاذ إدريس الضحاك.

ومسك الختام قوله تعالى: ((أفحكم الجاهلية يبغون ومن أحسن من الله حكما لقوم يوقنون)) (سورة المائدة الآية 50).

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق