المنبر الحر

المنبر الحر | سلام مستفز في الشرق الأوسط

بقلم: عبد الهادي مزراري

    شيء ما يمنع من التعليق على اتفاقيات السلام التي وقعتها إسرائيل مع كل من الإمارات العربية المتحدة والبحرين، ودول عربية أخرى في الطريق، على حد قول الرئيس الأمريكي، دونالد ترامب.

فالصعوبة في التعليق، ليست لقلة المفردات التي تتبادر إلى الذهن وصورة مسؤولين خليجيين عربيين من الإمارات والبحرين وهما في حديقة البيت الأبيض يعتريهما شعور بالارتباك، ويوقعان بأيد مرتعشة على صفحات بيضاء مخطوطة بلغة أجنبية، ولم يكن الأمر يحتاج لخبير في قراءة حركات الجسم ليعرف بأن الرجلين ليسا واثقين من نفسيهما وهما يقفزان على قضية أكبر تاريخيا وجغرافيا من الدولتين اللتين ينتميان إليهما، إضافة إلى ذلك، هما ليسا الرقم الأول في بلديهما، فغياب حاكمي الإمارات والبحرين في حضور الزعيمين الأمريكي والإسرائيلي يفسر ذلك سياسيا بكون المسؤولين الخليجيين هما مجرد موظفين في عملية يطلق عليها اسم “أبراهام”، ودون شك لهما دورهما الخاص والسري في هذه العملية، بل الصعوبة في التعليق، تتعلق بخصوصية هذه الاتفاقيات التي تفوق احتمال الفهم البسيط، وتتجاوز التحليل السطحي للعملية.

يقول الرئيس الأمريكي ترامب: “هذه مجرد البداية”، مضيفا أن “دولا عربية أخرى في الطريق لتوقيع اتفاقيات سلام مع إسرائيل”.

إنها العبارة السحرية لمفتاح العلبة السوداء، التي تجمع المعطيات الخاصة برحلة السلام في الشرق الأوسط، ولفهم المزيد من المعطيات، يجب الاستماع أكثر لتصريحات الرئيس الأمريكي، أما كلام المسؤولين العرب المطبعين في الإمارات والبحرين والمؤيدين لهما لا يسمن ولا يغني من جوع، هو مجرد هواء في هواء.

يقول المسؤول الإماراتي: “وقعنا اتفاقية السلام مع إسرائيل لوقف ضم الأراضي في الضفة الغربية”، فيرد عليه نتنياهو مباشرة أمام الكنيست الإسرائيلي: “الاتفاقات الموقعة لا تتضمن وقف الضم ولا وقف الاستيطان، ولا تناقش وضعية القدس، ولا تسمح للاجئين بالعودة”، ويضيف: “إسرائيل تعيش أزهى فتراتها في التاريخ”.

من جانبه، يعزز ترامب موقف نتنياهو ويكشف دور المطبعين الخليجيين والعرب مع إسرائيل ويقول: “عندما جئت إلى البيت الأبيض أمرت بقطع المساعدات التي نقدمها للفلسطينيين، إنهم يقولون الموت لأمريكا ولإسرائيل، ولكنهم يحصلون على الأموال من دول عربية غنية، وهذه الدول من الآن فصاعدا هي في صفنا”.

إن جر دول عربية، وفي مقدمتها البلدان الخليجية، إلى التحالف مع إسرائيل هو الحلقة المهمة في مسلسل الشرق الأوسط، بحسب من وضعوا سيناريو “دولة إسرائيل الآمنة والمتفرعة في بلدان المنطقة”.

يحصد الرئيس الأمريكي دونالد ترامب باكورة المجهود الذي بذلته جميع الإدارات الأمريكية السابقة، وتعتبره إسرائيل أقوى حليف لها في البيت الأبيض على الإطلاق.

يستحق الرجل فعلا هذا اللقب، لجرأته على ضرب كل الحقوق الفلسطينية بعرض الحائط ولامبالاته بحكام العرب، أوقف الدعم عن الفلسطينيين، نقل السفارة الأمريكية إلى القدس ووقع وثيقة تجعلها العاصمة الأبدية لإسرائيل، كما وقع وثيقة مماثلة لضم الجولان السوري إلى إسرائيل، وقدم مبادرة للسلام أسماها “صفقة القرن” لا تعدو فلسطين فيها مجرد كنطونات خالية من كل مقومات الدولة.

لا أحد يستطيع أن يقول “لا سيادة الرئيس”، فالقطار انطلق ولن يتوقف، انطلق منذ غزو العراق وإسقاط النظام فيه ونقل هذا البلد إلى عش للإرهاب والخراب والدمار، من الزرقاوي إلى البغدادي مرورا بثورات الربيع العربي إلى الحروب الأهلية في سوريا وليبيا واليمن والعراق، وإلى انقلابات على المقاس في مصر والسعودية والسودان.

كل ذلك حدث بتدبير من الإدارات الأمريكية المتعاقبة، وبتعاون وثيق من بلدان الخليج، التي مولت الحروب العسكرية والإعلامية في باقي البلدان العربية.

كان من الغريب جدا أن نسمع دولا لا تتوفر على مجالس منتخبة تدعم ثورات الشارع العربي للديمقراطية من خلال حكامها وقنواتها، ولا يهدأ لها بال حتى يسقط النظام في هذا البلد أو ذاك.

لم يكن من السهل معرفة من يحرك تلك البلدان إلا بعدما سقط القناع وأعلنت الرياض وأبو ظبي عن استثمارهما في دعم السيسي في مصر والإطاحة بالبشير في السودان، وخوض حرب عشواء في اليمن.

يقول ترامب: “مجرد اتصال هاتفي مع ملك السعودية وفر لنا مليارات الدولارات”.

هو فعلا يستحق تلك المليارات، لأنه يبررها بحماية السعودية ودول الخليج، وإلا لماذا ألغى الاتفاق النووي مع إيران؟ ولماذا تغافل عن التحقيق في مقتل الصحافي السعودي جمال خاشقجي؟ ولماذا أدار ظهره لقرارات مجلس الأمن في حرب اليمن؟

لا يفعل ترامب ذلك مجانا، وهو يقولها صراحة، ويضيف في ما بعد، أنه متأكد من أن السعودية ستنضم إلى الموقعين على اتفاقات السلام مع إسرائيل.

يتساءل البعض، هل تشكل قطر حالة استثناء فعلي في مجلس التعاون الخليجي، وهي تجاهر بأن لا سلام مع إسرائيل حتى تسوية القضية الفلسطينية؟

يظن من يسمع هذا الكلام أن قطر العروبة والأصالة رضعت الحليب مع السباع، واختارت من موقع الاستقلال والسيادة الوقوف إلى جانب الفلسطينيين، على خلاف الرياض وأبو ظبي ومسقط.

هي مجرد أدوار قسمتها الإدارة الأمريكية قبل أن تقصم ظهر مجلس التعاون الخليجي فتخلق شرخا بين أعضائه وتدفع بطريقة الذكاء الاصطناعي السعودية والإمارات إلى حصار قطر.

في البيت الأبيض، يمسك ترامب بخيوط اللعبة ويبقي الباب نصف مفتوح ونصف مغلق في وجه الطرفين، وفي الوقت الذي يكفيه حمل سماعة الهاتف والاتصال بهذا الأمير أو ذاك، يكون قد حسم مصير دور العواصم الخليجية في اتباع إسرائيل، تاركا الدوحة لوظيفة أكثر خطورة، لأنها هي من سيتكفل بجر الفلسطينيين في النهاية لتوقيع اتفاق السلام مع إسرائيل.

طبعا، لن يحدث هذا في ظل وجود رموز القضية الفلسطينية الحاليين، بل لا بد من انتظار بعض الوقت ليغيب الموت والمرض وجوها لا تؤمن بالسلام مع إسرائيل إلا على أساس الشرعية واقتسام الأرض والمقدسات.

لمن يسأل أيضا عن دور قطر الرافضة للتطبيع مع إسرائيل، يجد الجواب في أدوار الوساطة الديبلوماسية بين حركة “طالبان” والحكومة الأفغانية، وقبلها في المفاوضات التي فصلت السودان عن جنوب السودان.

الخلاصة: ربما لا يوجد بلد عربي خارج القبضة الأمريكية.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق