الحقيقة الضائعة

الحقيقة الضائعة | دور الوزراء المرتشين في محاولة الانقلاب على الحسن الثاني “الحلقة الرابعة”

عندما خطط الجنرال المذبوح لاعتقال ملك المغرب

حتى لا ننسى.. الصخيرات المجزرة السياسية
 ((من المؤمنين رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه فمنهم من قضى نحبه ومنهم من ينتظر)) صدق الله العظيم.
يقول القيدوم الراحل أستاذنا مصطفى العلوي: ((وما كان لأحداث على مستوى خطورة هجوم الصخيرات أن تدرج في مسالك النسيان، دون أن نستخلص الدرس منها، وكان الملك الحسن الثاني رحمه الله، حريصا على إقبار أخبارها وأسرارها، تفاديا لاستمرار البحث عن دوافعها وأسبابها والمسؤولين عنها، بقدر ما يحرص كتاب “الصخيرات المجزرة السياسية” على استخلاص الدرس مما خطته دماء الضحايا، ودموع الثكالى على جبين التاريخ المغربي المعاصر.
فيما يلي، تقدم “الأسبوع” أقوى ما كتبه الراحل مصطفى العلوي عن محاولة انقلاب الصخيرات، عبر حلقات ضمن ركن “الحقيقة الضائعة”.

بقلم: مصطفى العلوي

طقوس المخزن وظروفه، كان لها بالتأكيد دور فعال في التحضير لانقلاب الصخيرات، لدرجة يمكن معها تبرير منطق “لو لم يكن هناك مخزن لما كان هناك انقلاب، ولما ماتت كل تلك الأرواح”.

كان من تقاليد المخزن، والحرس الملكي بالتحديد، إقامة حفل قبل صلاة كل جمعة بالمشور الملكي، يتم فيه استعراض الحرس الملكي بأزيائهم الحمراء في الشتاء وأزيائهم البيضاء في الصيف، وهم يحملون العلم العلوي التاريخي الأخضر، ويتم عزف النشيد الوطني أمام الراية المغربية الرسمية، ليأتي الكولونيل المذبوح مرة مرفوقا بالكولونيل ميموني، ويصدر أوامره بإلغاء هذا التقليد، لتظهر الحساسية التي كانت تقض مضاجع الجنرال المذبوح منذ البداية، منذ أن سافر إلى الولايات المتحدة الأمريكية ليشحنه الأمريكيون بالأفكار المناوئة لأساليب المخزن، وأساليب الرشوة المتفشية في أطراف أعوان المخزن، ويعود المذبوح للمغرب ليبلغ الرسالة إلى الحسن الثاني، ويعطيه أسماء الوزراء المرتشين الذين طلبوا من الأمريكيين رشوة في صفقة ثكنة بالدار البيضاء ستتحول إلى أوطيل، ويطالبه بإبعادهم وبالقضاء على الرشوة والمرتشين، الشيء الذي لم يعمل به الحسن الثاني ولم يكن يقبل الانتقاد من أحد، إلى أن أمر باعتقال الوزراء المقصودين في تقرير المذبوح، لكن بعد الانقلاب الأول، والانقلاب الثاني، بعد فوات الأوان طبعا.

فقد كان الطابع المخزني في عهد الحسن الثاني يتلاءم مع الحكمة الفيلالية التي كان يرددها جده المولى سليمان: “كم من حاجة قضيناها بتركها”، ولكن الفيلاليين، المتأصلين من منطقة تافيلالت التي يتحذر منها أجداد الملك الحسن الثاني، معروفون بحرصهم وحيطتهم، وهي الخصال التي كانت الاستهانة بها من أسباب تلقي ملك المغرب درس الصخيرات الذي لم يكن ينساه، كما أن الثقة العمياء في مستشاره العسكري، الجنرال المذبوح، لا تبرر هجومه بواسطة تصريحاته غداة انتهاء الهجوم على المذبوح، بينما لو لم تكن تلك الثقة لما كان هجوم الصخيرات.

ويحكي ضابط كبير في القوات المساعدة، حرص على أن لا يكشف عن اسمه بعد هذه الحادثة، رغم أنه حاصل من الجيش الفرنسي على وسام جوقة الشرف “ليجيون دونور”، من درجة “النار”(…) وهي رتبة يحملها منذ عهد الإمبراطور نابليون إلى الآن، أكثر من ثلاثمائة عسكري، كان هذا الضابط المغربي مسؤولا عن جهاز الاستعلامات في القوات المساعدة، توصل بتقرير ستة شهور قبل هجوم الصخيرات يؤكد له حصول تحركات في المدرسة العسكرية بأهرمومو، وأن هناك جنرالا من الرباط يشرف على العملية، فحرر ضابط القوات المساعدة تقريرا مفصلا وقصد دار الجنرال المذبوح ليسلمه التقرير(…)، تصورا منه أن أكبر الحريصين على سلامة الملك هو الجنرال المذبوح، لولا أن حراس الجنرال أبلغوه أن المذبوح لا يتوصل بالتقارير.. وقتها توجه الضابط حامل التقرير إلى بيت الوزير مولاي أحمد العلوي، نظرا لقرابته العائلية معه، وفعلا سلم مولاي أحمد التقرير للحسن الثاني الذي بعد أن ألقى نظرة عليه، كلف الكولونيل اليوسي بأن يسلم ذلك التقرير للجنرال المذبوح، مضيفا: ابحثوا لي عما يجري في أهرمومو.

ما يجري في أهرمومو، وما جرى، كان منطق هيمنة الفكرة الثورية على مؤطري هذه المدرسة، يقضي بأن لا يطلع السيد المعني على ما يجري.

ومن خطط لاستدعاء نخبة من طلبة هذه الأكاديمية العسكرية في أهرمومو للمشاركة في احتفالات الثورة الجزائرية في الفاتح من نونبر سنة 1969 برئاسة الجنرال إدريس بن عمر، الذي اختار لمرافقته الكولونيل امحمد عبابو، مع الطلبة الذين قدموا التحية واقفين، للاستعراض العسكري في العاصمة الجزائر.

واحد من طلبة أهرمومو، وقد قضى هو أيضا سنوات طويلة في تازمامارت، السجن الذي جمع كل الغير محكوم عليهم من المشاركين في الانقلاب، حكى في كتاب له عن التركيبة البشرية لطلبة أهرمومو: ((على غرار التركيبة الوطنية، كان طلبة الأكاديمية بأهرمومو منقسمين إلى ثلاث اتجاهات: الملكيون الذين لم يكونوا يتصورون يوما أن يكون هناك معتوه يقوم بالاعتداء على الملك، وهناك طبقة الذين لا يعرفون ما هي السياسة لا من قريب ولا من بعيد، وأخيرا هناك المنسيون الذين يضمرون الكراهية للطبقة الحاكمة ويتبارون في انتقادهم، واعتبارهم رجالا متأثرين بعقلية النفوذ)) (مذكرات المرزوقي)، طبعا يضاف إلى هذا العنصر الذي سبق التلميح إليه حول المكونات العدائية لبعض القيادات العسكرية الموروثة من أيام الاستعمار، طبقة الجنرالات الكبار وقدماء “سان سير”.

وإذا كان الحسن الثاني ملك المغرب، القائد الأعلى للقوات المسلحة الملكية، فكيف أنه لا يعرف ما يفعله ضباطه الكبار الذين يجتمعون به بصفة يومية – كما كان يقول – وها هي نخبة من كبار الجنرالات، ممن شاركوا واتهموا بالمشاركة في الانقلاب، يعقدون اجتماعاتهم علنا مع تلامذة الأكاديمية، آخرها كان في آخر أبريل 1971، حيث كشف الضابط الرايس محمد بن الجيلالي أمام المحكمة العسكرية، تواكب زيارات كبار الضباط للمدرسة، فجاء مرة وفد عسكري من ثلاثين إلى أربعين عضوا بقيام الكولونيل الفنيري الذي أعدم بعد الانقلاب، كما جاء لأهرمومو الجنرال مصطفى أمحراش، ورئيس جهة فاس، الجنرال بوكرين، مرفوقا بالكومندان المخفيوي، ليعقدوا اجتماعا مطولا في مكتب الكولونيل امحمد عبابو، قبل أن يذهبوا معه جميعا إلى بيته للغذاء، وقبل خروجهم، جاؤوا إلى قسم للطلبة وبدؤوا ينوهون بعبابو ويقولون لنا: عليكم أن تكونوا سعداء بمديركم هذا، جنرال منهم التفت إلينا وقال: مستقبلكم مضمون، فلا تتزوجوا قبل أن تحصلوا على رتبة قبطان.

كل هذا يجري ولا يوجد من يخبر الملك أو يلفت نظره إلى كون هذه التحركات مرخص بها، ((وهذا الجنرال بوكرين يدخل – حسب شهادة الرايس أمام المحكمة – إلى أحد المكاتب، ويبقى ساكنا فيه ثلاثة أيام وهو يضرب بنفسه على الآلة الكاتبة ما كنا نظنه تقريرا سريا)).

أخطر من هذا، يقول الرايس للمحكمة: ((هناك عمال ووزراء(…) كانوا يأتون للاجتماع بمدير المؤسسة عبابو، حيث كان الكولونيل أبا رودي، يأتي للمدرسة مرارا ويمكن أن أؤكد لكم أن زياراتهم كانت تحضر قبلها عمليات ذبح وشي ستة إلى سبعة من الأكباش)).

أو لم يكن الملك الحسن يعرف أن وضعية الفساد لا بد أن تنتهي بمعاقبة النظام كما جرى في حالات قرأ الحسن الثاني عنها، وسمع بتفاصيلها، وعندما عاد الجنرال المذبوح من الولايات المتحدة وقدم لملكه تقريرا يفضح الرشوة والفساد، صارح الحسن الثاني رأيه العام مرة وهو يتحدث لوسائل الإعلام وقال: ((إن الرشوة انتشرت وأصبحت عادة من خصال المسؤولين على المستوى الأعلى)).

منتهى التناقض ظهر من طرف الملك الحسن عندما أخبرت جريدة “لوبينيون” الاستقلالية (عدد 8 شتنبر 1970)، بأن ثلاثة ضباط عسكريين اعتقلوا من أجل الرشوة، فأمر باعتقال مدير “لوبينيون” محمد برادة، ومحاكمته بتهمة القذف في حق الجيش الملكي.

سنوات ما قبل الصخيرات، كانت مغمورة بدور الجيش وضباط الجيش والجنرالات والكولونيلات والحفلات العسكرية، والمشاركة العسكرية في كل الأنشطة، ملكية كانت أو شعبية، لكن ضباط الجيش وقادة الجيش، كانوا يعرفون أن الجيش بالنسبة للقائد الأعلى للجيش، الملك، ينحصر في قوة الجنرال أوفقير والمحيطين به، الجنرالات: الكتاني، رغم إبعاده بعد رجوعه من الكونغو، والجنرال حمو، والجنرال الدليمي، والجنرال النميشي، والجنرال بوكرين، والجنرال حبيبي، وغيرهم، لولا أن توجيه الجيش وأسرار الجيش كانت تقف عند باب الجنرال المذبوح، رئيس الضباط المرافقين والمسؤول عن أمن القصور الملكية، لولا أن عبيد القصر ومخازنيته، والمقربين المدنيين من الملك، بدؤوا يشعرون بأن المذبوح في أعماقه أصبح يكره الملك، وإن كان وفاؤه له أو عطفه على طيبوبته، جعلاه يفكر في إبعاد الملك، لكن ليس عبر الانقلاب العسكري، لأن المذبوح يعرف المكونات القبلية للجيش وصعوبة جمع جنرالين اثنين(…) حول مشروع الإطاحة بالملك، ولقد تسربت بعد الانقلاب الذي فشل في الصخيرات، أن الجنرال المذبوح إنما كان يخطط لاعتقال الملك، ووضعه في باخرة على طريقة أسلوب البكباشي جمال عبد الناصر مع الملك فاروق، ونفيه أولا.. في اتجاه ليبيا.

ولكن الخبايا التي جعلت المذبوح يفكر في نفي الملك، بدأت تظهر لكل متفحص لتحركات المذبوح، ومحلل لأجوبته(…)، من قبيل الوفي الأكبر للملك الحسن، صديقه ورفيق طفولته، ووزيره، عبد الله غرنيط، الذي كان الحسن الثاني يتدارس معه عن قرب مشاكل التعاون الوطني الذي يهتم بالمتسولين والفقراء والمحتاجين، وكان قد اتفق مع الأمريكيين على تزويد المغرب بأطنان الدقيق، حيث كانت الأكياس توزع عبر التعاون الوطني والوزير غرنيط بواسطة المراقبين الأمريكيين.

ومرة، كان عبد الله غرنيط يحمل حقيبة مملوءة بالتقارير عن توزيع الدقيق حين اعترضه الجنرال المذبوح في باب القصر ليقول له (وهي حكاية رواها غرنيط بنفسه): هل تريد أن تدخل على سيدنا بحقيبتك في يدك وأنت تعرف أنه لا يحب أن يرى مظاهر الشغل؟

ربما كانت ظاهرة انتقاد الملك، وطريقة عمل الملك، وكسل الملك، هي التي دفعت المذبوح إلى التخطيط أولا، لمحاولة الإطاحة به أثناء المناورات العسكرية في الحاجب في 14 مايو 1971، وثانيا للهجوم على الصخيرات، وقد خطط له بتدقيق كبير، بالاعتماد على ثقته في بعض الرجال، ولكنه لم يضع في حسبانه ما يجري في عقول الرجال. لقد وثق المذبوح ثقة عمياء في الرجل المنتمي لمنطقته، عبابو، من الريف، ولكنه لم يكن يعرف أن عبابو تربطه صداقة الكؤوس بالكولونيل الشلواطي، الصديق الوحيد للجنرال أوفقير ومدبر الانقلاب، حسب تخطيط أوفقير، لذلك غرقت أحلام الباخرة التي كان المذبوح ينوي نفي الملك الحسن الثاني بواسطتها، عندما أطلق الكولونيل عبابو أول الرصاصات من رشاشته، وفقا لإشارة الكولونيل الشلواطي، وتركا معا العقل المدبر، الجنرال المذبوح، ممسكا بالمكروفون بجانب سيارته وهو يطلق الأوامر بإيقاف النار، ولكن بعد فوات الأوان، فقد توسع إطلاق النار في أطراف القصر ليصاب الجنرال المذبوح بحظه من طلقات النار، التي لم يكن يأمر بها، ولفظ أنفاسه، صريع الأخطاء التي كان يواخذ بها ملكه الحسن الثاني.

 

يتبع

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى

إشترك في نشرتنا الإخبارية للتوصل كل مساء بأهم مقالات اليوم