الحقيقة الضائعة

الحقيقة الضائعة | عندما تجاهل الحسن الثاني النصيحة السورية.. وقعت محاولة الانقلاب عليه “الحلقة الثالثة”

حتى لا ننسى.. الصخيرات المجزرة السياسية
 ((من المؤمنين رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه فمنهم من قضى نحبه ومنهم من ينتظر)) صدق الله العظيم.
يقول القيدوم الراحل أستاذنا مصطفى العلوي: ((وما كان لأحداث على مستوى خطورة هجوم الصخيرات أن تدرج في مسالك النسيان، دون أن نستخلص الدرس منها، وكان الملك الحسن الثاني رحمه الله، حريصا على إقبار أخبارها وأسرارها، تفاديا لاستمرار البحث عن دوافعها وأسبابها والمسؤولين عنها، بقدر ما يحرص كتاب “الصخيرات المجزرة السياسية” على استخلاص الدرس مما خطته دماء الضحايا، ودموع الثكالى على جبين التاريخ المغربي المعاصر.
فيما يلي، تقدم “الأسبوع” أقوى ما كتبه الراحل مصطفى العلوي عن محاولة انقلاب الصخيرات، عبر حلقات ضمن ركن “الحقيقة الضائعة”.

بقلم: مصطفى العلوي

  عندما لا يصدق الملك (المقصود الحسن الثاني رحمه الله)، فإن أي قوة لا يمكنها أن تصدق، ولا أن ترغمه على التراجع، فهو فيلالي، ولو طارت معزة، ومرة أخرى، ترجع إشكالية وقوع كارثة الصخيرات إلى تجاهل الحسن الثاني لما يسمعه، وربما ما يراه.

فحتميات الطقوس المخزنية تجعل الملك رافضا لكل ما من شأنه(…) أن يزعجه، ويشهد تاريخ العلويين على نماذج عمى الملك عما يدور خارج قصره، حتى إن واحدا من الملوك المعاصرين(…)، أمر عبيد العافية بأن يضربوا كل من يتجرأ على إخبار الملك بشيء، ليضربه ويضربه حتى يقول له كم أخذ منهم(…) ومن هم الذين دفعوه حتى يبلغ لجلالته هذه الأخبار المزعجة.

وقد كتب عالم عاشر الملوك والسلاطين طويلا، ووصف انحلال المغرب لدرجة أدخلت عليه الاستعمار، وهو الوزير المستشار، بالأيام التي كانت تسمى “الصراع بين السيبة والمخزن” محمد الحجوي الثعالبي: ((من اتكل على مجد الآباء وظنه مجدا للأبناء، فقد اغتر بالخيال، ووقع في الخبال)) (كتاب انتحار المغرب الأقصى).

خيال أو خبال، أن يرفع تقرير إلى الملك الحسن الثاني، أسابيع قليلة قبل الهجوم عليه في قصر الصخيرات، طلبة المدرسة العسكرية في أهرمومو أقاموا حفلا لتكريم مديرهم الكولونيل امحمد عبابو، تولى فيه شخصيا ذبح خمسين كبشا ومئات من الدجاج، ليقدم له الطلبة في هذا الحفل: ((ساعة ذهبية 18 قيراطا، فيقول لهم: أهديتموني هدية ذهبية، وأنا أعدكم بمستقبل زاهر)) (مذكرات محمد الرايس).

المستقبل الزاهر، تعبير عندما يسمعه الملك أو يقرأه في تقرير، فإنه يبتسم زهوا، ويدرج قائل هذا التعبير، في عداد رجال ثقته، بينما عبابو تكلم عن المستقبل الزاهر الذي كان يحضر له عبر قلب النظام الملكي.

وطبعا.. يتحتم على ذي النوايا التحضيرية(…) أن يحتاطوا.. ولا ينطلقوا من نقط ضعف خصمهم المستقبلي، ولا يرتكبوا أخطاء من قبيل ذلك القرار الذي اتخذه المخطط لانقلاب الصخيرات، امحمد عبابو، عندما كان مديرا لمدرسة الحاجب، وأصدر أمرا بأن ينطلق الطلبة العسكريون في المدرسة ابتداء من الساعة الثامنة صباحا للمشي على الأقدام إلى إيفران والرجوع إلى المدرسة في الحاجب، وعند الرجوع، مات خمسة طلبة في الطريق بفرط التعب، ليصل الخبر إلى الحسن الثاني الذي كلف طبيبا مختصا بالبحث في الموضوع، وعندما أكد له الطبيب صحة موت الطلبة، استدعى الحسن الثاني مدير المدرسة، عبابو، وصفعه على وجهه، وقرر نقله إلى مدير للمدرسة العسكرية بأهرمومو، ولاحظوا الصدفة، فبعد تعيينه مديرا لمدرسة أهرمومو، بعد تلقيه الصفعة على وجهه، انطلقت في ذهنه فكرة تحضير طلبته الجدد لتنفيذ الانقلاب.

وربما نسي الحسن الثاني في خضم مشاغله ومؤتمراته، الصفعة التي ضربها على وجه عبابو، حين جاءه تقرير مكتوب من صديقه المسؤول السوري، مصطفى طلاس، يخبره فيه بتواجد ضابط خطير في طيرانه يسمى أمقران، حسب معلومات استقاها المسؤول السوري من ضابط سوري جمعه مع عبابو في بيت مشترك في المستشفى الفرنسي، “فال دوكراس”، لكن الحسن الثاني رد على المرسول بقوله: ((قل للأخ الأسد أننا لسنا في الشرق الأوسط، إننا معافون من المؤامرات))، وربما لم يستفد الحسن الثاني من النصيحة السورية إلا عندما تعرضت طائرته لهجوم في الجو بواسطة طائرة الضابط أمقران.

أكيد أنه لو كان الملك الحسن الثاني يعيش ظروفا أخرى، غير تلك التي يفرضها موقعه كملك سيد للبلاد، يبايعه العاملون بجانبه، ويخضع له كل سامع لاسمه، ويهابه معارضوه، فتوحي إليه ظروفه المسرحية هاته، بأنه سيد الجميع، ولا يوجد أحد قادر على انتقاده فأحرى الإساءة إليه، أكيد أنه لو كان يعيش الأمر الواقع، لما كان هناك هجوم على الصخيرات.

حكى ضابط للجيش مرة، أن صديق الملك، الوزير عبد الله غرنيط، وكان قد تربى مع الحسن الثاني، وارتبطا بصداقة جعلتهما مرة يتبادلان دم جراحهما على طريقة الأفلام الأمريكية، فقال ذلك الضابط للوزير غرنيط، وقد حكى لي هذه الجزئية بنفسه، أن الضابط قال له: “إن مؤامرة تحضر بتمويل من ميزانية وزارة الدفاع”، بلغ هذا الخبر يا سي عبد الله للمعني بالأمر.

لكن عبد الله غرنيط، وهو أعرف الناس بغضبة صديقه الملك، يعرف أنه لا يمكنه أن يخاطر بموقعه وصداقته، ليبلغ خبرا من هذه الضخامة إلى جلالة الملك، فاختار غرنيط أقرب الناس إلى الملك، وزير الدفاع امحمد باحنيني، المتحكم مبدئيا في وزارة الدفاع، وأخبره بقضية الانقلاب الذي يحضر من ميزانية وزارة الدفاع، عله يجد الفرصة لإبلاغ الخبر إلى المعني الأول بالأمر، لكن باحنيني لم يعمل شيئا، فهو أيضا لا يريد أن يزعج جلالته.

وكان الطاهر وعسو، من كبار قبيلة بني علاهم، اختير من طرف الهيأة المنظمة لمفاوضات استقلال المغرب، ليكون عضوا في مجلس الوصاية، الذي كلف بتسليم السلطة من سلطان الحماية محمد بن عرفة، لكن هذه الثقة الفرنسية قللت من أهمية الطاهر وعسو الحكومية، فتم إبعاده بعد الاستقلال إلى أن أصبح عضوا في ديوان وزير الداخلية مبارك البكاي، الذي عينه عاملا على مراكش أهلته جديته وصرامته لأن يصبح عاملا على وجدة، خلفا للعامل السابق الكولونيل الشلواطي، الذي سيصبح فيما بعد المدير المخطط لانقلاب الصخيرات، بعد أن أصبح الساعد الأيمن للجنرال أوفقير.

وبعد الصخيرات، فوجئ الحسن الثاني وهو يتصفح لائحة الضباط الذين سينفذ فيهم حكم الإعدام، بوجود اسم عامل وجدة، الطاهر وعسو، في لائحة المعرضين للإعدام، ليداخل الشك الحسن الثاني الذي قال لمرافقه، الجنرال حفيظ العلوي، هذا الطاهر وعسو ضعوه تحت الرقابة حتى أبحث ملفه.

وكانت تجمعني بالطاهر وعسو صداقة ترجع إلى سنة 1963، عندما تم اختطافي (انظر كتاب صحفي وثلاثة ملوك) حين اختفيت وأنكر الجميع وجودي، انتظارا لإعدامي ورميي في الحدود الجزائرية، كما حدث تحت أنظاري لعدد ممن كانوا مسجونين معي في المعتقل السري بوجدة، فتوجهت زوجتي عند الطاهر وعسو وهو عامل على مراكش وكان الملك يسكن في بيت العامل عندما يكون في زيارة لمراكش، عادة، فتحلى بالشجاعة، ودخل على الحسن الثاني ليقول له إن زوجة مصطفى العلوي هنا بالباب، ليعبر له الحسن الثاني عن تكذيبه لأي اطلاع على خبر اعتقالي، ويصدر أوامره بإطلاق سراحي.

وتدور الأيام، وعندما تم وضع الطاهر وعسو في الإقامة الإجبارية في بيته بمكناس، وكان يزوره كثيرون من المقربين للملك، بمن فيهم عامل مكناس مولاي الحسن بن إدريس، وقطب المقاومة الدكتور الخطيب، وآخرون من الأقطاب الذين لا يمكنهم إطلاقا أن يحدثوا الملك عن صديقهم المحجوز، ومرة طلب مني الطاهر وعسو أن أرد له بعض الجميل، وأن أكتب رسالة للملك الحسن، الشيء الذي لم يكن في إمكاني، لولا أن جاري في حي السويسي أقرب الناس إلى الحسن الثاني، وزيره وصديقه أحمد السنوسي، كان مرة في طريقه للسهرة اليومية لأفاتحه في موضوع الطاهر وعسو المظلوم، وفعلا أبلغ السنوسي طلبي إلى الحسن الثاني، الذي قال للسنوسي: إذا كان مصطفى فعلا صحفيا فليسأل الطاهر وعسو عن حقيقة دوره في انقلاب الصخيرات.

وفعلا، حكى لي الطاهر وعسو تفاصيلا هي جوهر مسار هذا الموضوع، فعندما عين عاملا على وجدة، اكتشف أن سلفه العامل السابق الشلواطي إنما عينه أوفقير في وجدة ليبتعد عن الأنظار، ويتفرغ لتحضير انقلاب الصخيرات، ويعقد الاجتماعات ويخط الميزانيات بدقة عالية، الشيء الذي اختصره العامل الطاهر وعسو في تقرير رفعه للملك، يخبر فيه بتفاصيل التحضير لانقلاب عسكري، ليستدعي الحسن الثاني رجل ثقته، الجنرال أوفقير، ويسلمه تقرير الطاهر وعسو.

وكان طبيعيا، بعد حدوث الانقلاب وفشله، أن يضع الجنرال أوفقير اسم العامل الطاهر وعسو في لائحة الذين سيتم إعدامهم.

وطبعا، بعد اطلاع الحسن الثاني على التقرير الذي أملاه على الطاهر وعسو، أمر بإطلاق سراحه، بمعنى أنه لو لم يرتكب الحسن الثاني خطأ تسليم تقرير الطاهر وعسو للجنرال أوفقير، لما حصلت محاولة انقلاب الصخيرات.

يتبع

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى

إشترك في نشرتنا الإخبارية للتوصل كل مساء بأهم مقالات اليوم