روبورتاج

مع الحدث | هل يفتح القانون الجنائي الباب لحبس الوزراء ورؤساء الأحزاب والنقابات؟

عودة النقاش حول محاربة الفساد

الرباط. الأسبوع

    عاد إلى واجهة الساحة السياسية والبرلمانية بقوة، بحر الأسبوع الماضي، موضوع محاربة الفساد المالي والرشوة والإثراء غير المشروع في المغرب، هذه العودة بصمت عليها العديد من الأحداث التي بعثرت الأوراق في هذا الباب، وجعلت المتتبع يصاب بحيرة كبيرة وسط هذه “التخليطة” العجيبة التي تقع اليوم حول موضوع محاربة الفساد في المغرب، لاسيما بين ثلاثة أحداث كبرى حصلت مؤخرا بشكل متزامن في هذا الاتجاه.

الحدث الأول تمثل في تأجيل جديد وغير مفهوم لوضع التعديلات على مشروع القانون الجنائي الذي يتضمن قرارات مهمة في مجال تجريم “الإثراء غير المشروع”، والحدث الثاني هو وضع حزب الاتحاد الاشتراكي لمقترح قانون جد متشدد في مجال محاربة الفساد، أو بلغة فقهاء القانون، جامع مانع في محاربة الإثراء غير المشروع، بينما الحدث الثالث الذي طبع أحجاث نفس الأسبوع، فيتعلق بشروع البرلمان بضغط من الحكومة في مناقشة قانون الهيئة الوطنية للنزاهة والوقاية من الرشوة أول أمس الثلاثاء.

غير أن الغريب في هذه الخطوات الثلاث، هي أنها عكست تناقضات كبيرة في مجال محاربة الفساد والرشوة، وأظهرت بالملموس غياب الإرادة في مواجهة هذه الآفة، وأن ما يقع اليوم، مجرد مزايدات سياسوية أو خطوات لـ”تزيين الفيترينا” الحقوقية للمغرب بعيدا عن إرادة محاربة الفساد، خاصة الفساد المالي المرتبط بالفاعل السياسي وبالموظف العمومي الكبير داخل المناصب العليا.

لذلك، ما معنى أن حزب الاتحاد الاشتراكي، الذي يعرقل مرور محاربة الإثراء غير المشروع الواردة في القانون الجنائي داخل البرلمان في إطار الأغلبية الحكومية، يقوم في نفس الوقت بوضع مقترح قانون ساخن خاص به أقوى بكثير من مضمون القانون الجنائي؟ يتساءل قيادي في العدالة والتنمية.

ذات القيادي وصف مواقف رفاق الاتحاد الاشتراكي وأقوالهم ما بين الحكومة والبرلمان، بـ”الغريبة والمتقلبة وغير المفهومة، بين ما يرفعونه كشعارات وبين ما يقومون به كأفعال خاصة داخل البرلمان”.

وأوضح نفس المصدر، أن إخوانه داخل “البيجيدي” بمجلس النواب، استغربوا بشدة من الرفاق الاتحاديين، بسبب وضعهم الأسبوع الماضي لمقترح قانون “جد متقدم” حول محاربة الإثراء غير المشروع، وفي نفس الوقت، يرفضون ويعرقلون بنود القانون الجنائي في نفس الموضوع، رغم أن القانون الجنائي هو قانون “لايت” وأقل حدة مما ورد في مقترحهم الجديد الذي وضعوه رسميا بمكتب الحبيب المالكي.

واستغرب نفس المصدر من كون إخوان إدريس لشكر توسعوا كثيرا حتى في لائحة “المتهمين المفترضين” بجريمة الإثراء غير المشروع، حيث القانون الجنائي الذي يعيش “البلوكاج” يحصرها فقط في الأشخاص المعنيين بالتصريح الإجباري بالممتلكات أمام المجلس الأعلى للحسابات، بينما “يفتح رفاق لشكر اللائحة في وجه كل الرؤساء والأمناء العامين للأحزاب والجمعيات والنقابات وغيرهم، وعلى كل شخص يدبر المال العام ولو لم يكن معنيا بالتصريح بالممتلكات”.

ويرى المصدر ذاته، أن إخوان بوانو والإبراهيمي والأزمي لم يفهموا اعتراض الاتحاديين على مشروع الحكومة الذي يقف عند حدود الذمة المالية للمتهم وحده فقط، في الوقت الذي توسعوا فيه كثيرا وطالبوا بـ”مراقبة كذلك ذمة زوجة المتهم وذمة أبنائه القاصرين، وهو أمر محمود وكنا نخشى المزيد من العرقلة في حالة ما وضعناه نحن داخل مشروع القانون الجنائي” يقول المصدر ذاته.

وواصل إخوان “البيجيدي” استغرابهم من مواقف الاتحاديين الذين رفعوا السقف عاليا في مشروعهم هذا على مستوى كذلك العقوبة، حيث يقر القانون الجنائي فقط بمصادرة أموال المتهم بجريمة الإثراء غير المشروع، بينما يطالب رفاق لشكر بالحبس لمدة خمس سنوات وبالغرامة على المتهم تساوي ضعف الأموال التي تحصل عليها من جريمة الإثراء غير المشروع، وغيرها من الاختلافات والمواقف “العالية” من الاتحاديين سواء على مستوى عمليات الاغتناء التي أدخلوا فيها التهرب الضريبي والاستفادة من تراخيص ومشاريع مستقبلية وليس تلك الآنية، وإدخال الهيئة الوطنية لمحاربة الرشوة كطرف في هذه الدعوة.

لذلك، يبقى السؤال المحير: إذا كان الاتحاديون بهذا التشدد في محاربة جريمة الإثراء غير المشروع، لماذا يعرقلون القانون الجنائي الجديد على محدودية الإجراءات الواردة به؟ ما الذي جعلهم ينسحبون من التعديلات المشتركة للأغلبية الحكومية؟ ولماذا وقعوا مؤخرا على طلب تأجيل تاريخ وضع التعديلات على هذا القانون الذي يعيش “البلوكاج” منذ سنة 2016؟

البحث والتعمق في الأجوبة عن هذه الأسئلة، لا يزيد الأمر إلا تعقيدا، لاسيما حين قوبل فتور رفاق لشكر في محاربة الإثراء غير المشروع داخل القانون الجنائي بحماس كبير للمصادقة على قانون هيئة النزاهة ومحاربة الرشوة، فهل هي الرغبة في تسجيل نقط سياسية لفائدة بنشعبون والراشدي، رئيس الهيئة، بتمرير هذا القانون الذي كان محط خلاف وصراع كبير بين إخوان العدالة والتنمية في الحكومة وبين رئيس هيئة النزاهة، الأمر الذي بلغ، بحسب متتبعين، درجة التحكيم الملكي، وهو ما مكن الهيئة من انتزاع اختصاصات واسعة في مجال التحقيق والاستنطاق في مجال الرشوة؟ ثم إذا كانت إرادة محاربة الرشوة والفساد في البلاد هي التي تحكم دوافع فرق الأغلبية برمتها وهي تسارع لتمرير هذا القانون، لماذا لا تظهرها في القانون الجنائي الحالي الذي يتضمن قرارا مهما في مجال محاربة الإثراء غير المشروع؟

المزيد من محاولة البحث في خبايا هذه الأسئلة الغامضة، تصطدم بغموض أكبر حين تتمعن في مقترح الاتحاديين الساخن في محاربة الفساد والرشوة والإثراء غير المشروع، الذي يفسر على أنه إرادة سياسية في محاربة الفساد، غير أن الخبراء بمسطرة التشريع داخل مجلس النواب يجزمون بأن اختيار الاتحاديين لمقترح قانون مستقل – ولو بسقف عال- عوض المساهمة في المصادقة على مواد القانون الجنائي، هو مجرد مزايدات سياسية في موضوع محاربة الفساد، لأن الاتحاديين يعلمون أكثر من غيرهم أن 99 بالمائة من مقترحات القوانين تحتاج أكثر من سنة لبرمجتها للمناقشة، وأن أغلبها لا تبرمج للمناقشة أصلا فبالأحرى المصادقة عليها، وأنها تبقى في الرفوف حتى تنتهي الولاية التشريعية، لكون الحكومة ترفضها، وأن المقترحات التي سبق ووافق عليها البرلمان لا تتعدى في مضمونها مادة أو فصلا يتيما عكس مقترح الاتحاديين الغزير بالمواد والفصول، لذلك، يتأكد مرة أخرى، والمغرب على أبواب الانتخابات، أن محاربة الفساد تبقى حتى حدود اليوم شعارا للاستهلاك لا يقل قيمة عن شعارات إصلاح الإدارة، وإصلاح القضاء، وإصلاح التعليم، وإصلاح الإصلاح.. والتي كانت محط ابتهاج وإشادات من الحكومات والأحزاب المتعاقبة قبل أن يصدمها رئيس الدولة بالحقيقة المرة، وهي أن الأمور ليست على ما يرام، والإصلاحات المرجوة لن تتم إلا بالعمل على تحقيق نموذج تنموي شامل، سياسيا واقتصاديا وثقافيا واجتماعيا.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق