المنبر الحر

المنبر الحر | الحماية الاجتماعية.. سمكة لكل مواطن

بقلم: بوشعيب حمراوي

    بات من المفروض إعادة النظر في المفهوم السائد للحماية الاجتماعية، وتحديد الأهداف والغايات التي بإمكانها تأهيل العنصر البشري واحتضان كل فئاته النشيطة والمعطلة، مع التأكيد على أن الوطن أولى بكل حماية، وأن كل مشروع أو مبادرة تستهدف الفئات الهشة، لا بد لها أن تراعي مصلحة الوطن، وألا يكون من تبعاتها رهن البلاد للمجهول، وألا تغرقه في الديون والتبعية العمياء، لأن من شأن ذلك أن يزيد من إفقار الشعب وضرب الاقتصاد الوطني.

مناسبة حديثي، ما تعيشه البلاد من سوء تدبير لكل أشكال الدعم الخاصة بالفئات الهشة، ففي الوقت الذي سجل فيه المغرب ريادته وسموه في التدبير الاجتماعي، بإحداث صندوق ملكي لتدبير كل متطلبات الجائحة، والتخفيف من معاناة المتضررين من حالة الطوارئ، نجد أن التطبيق الميداني للعملية لم يكن في المستوى المطلوب، حيث أقصي البعض ممن يستحقون الدعم، واستفاد البعض ممن لا يحق لهم ذلك.

لن أخوض في مشروع قانون رقم 72.18 المتعلق بمنظومة استهداف المستفيدين من برامج الدعم الاجتماعي وبإحداث الوكالة الوطنية للسجلات، والذي كتب عليه أن يؤجل إلى موعد غير مسمى، بعد اجتماع اللجنة المكلفة بالتقديم والمناقشة العامة داخل مجلس نواب الأمة، ولن أناقش مضامين هذا المشروع الذي انطلق التهليل به باكرا من طرف كائنات بشرية غزت منصات التواصل الرقمي، لتبشر المغاربة بقادم علقت قدماه في وحل الزمن “الكوروني”.. زمن بات يفرض التوفر على سجل اجتماعي يمكن الحكومة من معطيات حقيقية ودقيقة للفئات المعنية بالحماية الاجتماعية، ويساعدها في حسن تدبير صرف أموال صندوق الجائحة ومعها باقي أموال المجالس الجماعية التي باتت تغذي المنتخبين والموالين لهم فقط.

ما أريد أن أبرزه في هذا الركن، هو تبيان الصحيح من الخطأ في مطلب الحماية الاجتماعية بالمغرب كما في عدة دول تعطل مصعد نموها وانتقالها الديمقراطي، فالصحيح أن تفي الحكومة بما يقره دستور البلاد من حقوق للمواطنين، حقوق في الصحة والسكن والتعليم والغذاء و.. و… باعتماد برامج ومخططات مبنية على دراسات ميدانية علمية ودقيقة، وأن تبادر إلى ترسيخ ثقافة الحماية الاجتماعية لدى كل شرائح المجتمع المغربي، بالتضامن والتلاحم وعودة الثقة بين الأفراد، داخل الحي والدوار والدرب، وداخل الأسر، وبينها وبين من يدبرون شؤونهم محليا، جهويا ووطنيا، منتخبين أو موظفين بمختلف أسلاكهم وتموقعاتهم وتلويناتهم المدنية والعسكرية داخل الإدارات العمومية والخاصة، والأهم من كل هذا، أن يستوعب الأطفال مفهوم تلك الحماية داخل المدارس والمنازل.

والخطأ الذي يجب على الحكومة أن تحاربه، هو أن مطلب الحماية الاجتماعية، يشهره الأثرياء قبل الفقراء، هؤلاء الذين لا يترددون في التحول إلى كائنات مفترسة من أجل الربح والكسب، نجدهم أشد خوفا من المستقبل، وكأن ما كدسوه ويكدسوه من أموال وعقارات قد لا يكفيهم لضمان حياة الرفاهية الفانية، فحتى نعمة الأمن والاستقرار التي ينعم بها المغاربة في بلدهم، لم تحل دون استفحال طمع وجشع الأثرياء ولهفتهم وإدمانهم على اللهث وراء الأموال، وامتلاك العقارات، يسارعون الوقت حتى في زمن “كورونا” وغيره من الأزمان، من أجل فرض منطق “الأنا الأعلى” دون اعتبار لباقي المغاربة من الطبقات المتوسطة والفقيرة، يكتنزون الثروات بالمغرب وخارجه، وتجدهم مستعدين للرحيل والقطع مع أصولهم وأرضهم وعرضهم، يتوهمون فرضية العيش الكريم خارج كنف وطنهم، فيسارعون إلى التنكر له.

والخطأ، أن نسارع إلى رهن اقتصاد البلاد بشكل عشوائي، لدى البنك الدولي، والاعتماد على قروض مالية من أجل تدبير مطلب الحماية الاجتماعية وفق منظور غير منتج، فأهداف الحماية الاجتماعية لدى الأمم المتحدة للتنمية المستدامة، تنحصر في استحداث نظم وتدابير حماية اجتماعية ملائمة على الصعيد الوطني للجميع، ووضع حدود دنيا لها، وتحقيق تغطية صحية واسعة للفقراء والضعفاء بحلول عام 2030، وتنحصر مبادراتها في صرف المال من أجل تقديم المساعدات الاجتماعية من خلال تحويلات نقدية إلى من يحتاجون إليها، لاسيما الأطفال، والمساندة لمن هم في سن العمل في حالة الأمومة أو العجز أو إصابات العمل أو لمن هم عاطلون، وتغطية معاشات التقاعد لكبار السن، ويجري تقديم المساعدات من خلال التأمينات الاجتماعية، والمزايا الاجتماعية التي تمول من الضرائب، وخدمات المساعدات الاجتماعية، وبرامج الأشغال العامة، وغيرها من البرامج التي تكفل توفير الدخل الأساسي، ويتضح جليا غياب برامج للاستثمار لدى تلك الفئات البشرية، وأن المخطط الأممي يهدف إلى توريط الدول في القروض، وجعلها ترفع شعار “سمكة لكل مواطن” عوض “صنارة لكل مواطن”، والنتيجة المتوخاة هي إغراق الدول في الديون.

لكم أحزن حينما أرى شعوبا لا تسعى من أجل امتلاك المنازل والضيعات والعقارات، وترفض تكديس الأموال في البنوك والمنازل وفي المخابئ القذرة، بل  تكتفي بالعيش داخل منازل مكتراة، لا تنتابها هواجس التشرد، ولا كوابيس الفقر والجوع، شعوب تؤمن بأن كل ما تجود به الطبيعة هو ملك لكل البشرية، وأنه لا يعقل أن يزيد الغني ثراء، ويضيع الفقير وسط أدغال فقره المدقع، وأزداد حزنا حين أرى لهفة الغني على كسب المال أكثر بكثير من نضالات الفقير بحثا عن قوت يومه.

ولكم أحزن حينما أرى أن هناك فئات عمالية هشة مهددة بركوب قوارب البطالة والعطالة في كل لحظة وحين، منهم عمال الإنعاش الوطني وشركات المناولة وشركات التدبير المفوض، ومستخدمو ومهنيو القطاع غير المهيكل، بل وحتى عمال الشركات الصناعية الدولية المحدثة بالمغرب، شركات يمكنها الرحيل في أي وقت.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق