المنبر الحر

المنبر الحر | عندما تساهم الجائحة في تكريس الفوارق الاجتماعية

بقلم: جميلة حلبي

    عندما بدأ فيروس “كورونا” يتفشى في كل الدول تباعا دون أن يستثني الغنية أو الفقيرة منها، أخذت التحليلات تتناسل من هنا وهناك، وبدأنا نتلقى الأرقام والتقارير من الخبراء في المجال الطبي والبيولوجي حول طبيعة الفيروس ومدى تأثيره على الإنسان، وكانت المعلومات والمعطيات التي تلقيناها مستفيضة وكافية لتقنع الحجر وليس البشر بأخذ كل الحيطة والحذر وقاية لنا من العدوى، كما أن الدولة لم تذخر جهدا وعملت بخطة استباقية تضمنت حزمة من التدابير الاحترازية والوقائية للحيلولة دون تفشي الفيروس في بلادنا، ومع فرض الحجر الصحي، تم تعزيز ذلك بخطة اقتصادية بإحداث صندوق “كورونا”، كان الهدف منه دعم الفئات المتضررة بفعل إغلاق لمعظم القطاعات، وبعد ذلك، أخذ يتقاطر علينا كل يوم، إن لم نقل كل ساعة، كم هائل من الخطط المصاحبة للتدابير المتخذة للقضاء على الوباء حتى أصبنا بالتخمة، والبعض الآخر – ربما- أصيب بهزات نفسية من هول الأرقام والأخبار والتحليلات.. لكن ما الذي حدث بعد كل هذه الإجراءات؟

الجواب: لم يحدث ما كان منتظرا.. على الأقل بالنسبة لفئات معينة، ذلك أن صرخات الطبقة الكادحة والفقيرة وحتى الطبقة المتوسطة، وصلت عنان السماء مستغيثة من عدم توصل الأغلبية بأي دعم، أو عدم كفاية الدعم المتوصل به كما جاء على لسان الموعودين بدعم الدولة (صندوق الضمان الاجتماعي، أصحاب الراميد)، دون أن ننسى العاملين بالقطاع غير المهيكل الذين ضاقت بهم كل السبل من أجل العيش الكريم ولا شيء غير ذلك، وغيرها من تبعات جائحة “كوفيد 19” التي يبدو أنها خيمت علينا فقط لتعري الواقع المعيشي للمواطنين، ولتنبش في موضوع الفوارق الاجتماعية التي أخذت هوتها تتسع دون توقف، وهكذا تبين مؤخرا أن منحنى الغنى يهرول مسرعا نحو الأعلى، فيما بقي الفقراء يعمهون في فقرهم وقد كرست جائحة “كورونا” مستواهم الاجتماعي البئيس، بفعل غلاء المواد المعيشية وعدم استقرار الأثمان في كل الأسواق، وأيضا بفعل تراجع مداخيل البعض أو فقدان العمل ومصدر رزق البعض الآخر.. في المقابل، لم يلحق أي ضرر بأبناء الضفة الأخرى من المغرب، هؤلاء الذين وإن لم يسلموا من الفيروس، لكنهم بقوا في مأمن من الأزمة المالية، ولم يفقدوا موارد أرزاقهم، رغم الأخبار التي تقول بتضرر بعض الشركات والمقاولات والمصانع.. حتى وإن كان هناك ضرر، فإنه لن يكون بقدر تضرر مواطني الدرك الأسفل، وهناك بعض القطاعات لم تتوقف طيلة مدة الحجر، ما يعني عدم تأثر المداخيل، مما يجعل أصحابها يزدادون غنى وثراء، وهذا ما تؤكده مجموعة من التقارير التي نشرت تصاعد ثروة أثرياء المغرب، منها التقرير الصادر مؤخرا عن مؤسسة “أوكسفام” والذي يقول بأن “ثروة أغنياء مغاربة زادت منذ بداية فيروس كورونا”، رغم أن الأرقام تظل عندنا مستترة، لكن ما يهمنا نحن كمغاربة، أبناء الوطن الواحد، كيف يمكن تفسير ازدياد ثروة شخص ثري في الوقت الذي يتحول فيه شخص آخر من فقير إلى معدم، أو من عامل بسيط إلى فاقد للعمل، أو.. أو… في هذه الظرفية الحرجة التي يمر منها بلدنا؟ أما كان حريا العمل على تحقيق نوع من التوازن الاجتماعي حتى لا تتعمق الفوارق أكثر ونحن نقرأ التقارير التي تقول بأن لائحة “فوربس” لأثرياء العالم تضم بين سطورها أسماء رجال أعمال مغاربة؟ وبالتالي، سوف تبقى أوضاع المغاربة متخبطة بين المتناقضات ونحن نعيش في القرن الواحد والعشرين، قرن المخططات طويلة الأمد، رؤية 2030، مخطط القضاء على الفقر، مخطط القضاء على التلوث، المخطط الأزرق، المخطط الأخضر، القانون الإطار كذا والقانون الإطار كذا… فشريحة عريضة من المواطنين لا يسعون إلا وراء لقمة العيش، أو بالأحرى ضمان دخل قار يحفظ كرامتهم في وطنهم.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق