الـــــــــــرأي

الرأي | شبابنا بين “كورونا” وعاشوراء

بقلم: الحسين الدراجي

    مما لاشك فيه، أن الفراغ هو أكبر عدو للشباب، وجيلنا الصاعد عانى كثيرا من ويلات البطالة والقهر حتى بلغ السيل الزبى، ولم يجد حلا لذلك إلا السهر بالليل أمام شاشة التلفزيون حتى الصباح، والنوم بالنهار لكي لا يشعر بثقل الفراغ، لذلك فمعظم الشباب يبحثون عن أي مناسبة، سواء كانت حزنا أو فرحا، ليفجروا فيها غضبهم، وهكذا نجدهم بالمناسبات الدينية والوطنية يتحركون للتعبير عن وجودهم أولا وعن مشاعرهم ثانيا، وذلك عن طريق تجليات الفرح والغضب، وقد اعتدنا على تصرفات الشباب بمناسبة عاشوراء وهم يمرحون في الشوارع بنشوة المفرقعات على اختلاف أحجامها، حسب استطاعتهم، وكم من مرة سجلنا أعطابا متفاوتة بسبب اللعبة الخطيرة، التي بقدر ما توفر البهجة لمتعاطيها بقدر ما تشكل خطورة على أنفسهم وعلى المجتمع، ذلك أن أقسام المستعجلات بالمستشفيات تغص عقب كل مناسبة بالأطفال المعطوبين نتيجة ذلك.

والغريب في الأمر، أن هذه العادات كـ”الشعالة” المرافقة للاحتفال بعاشوراء، هي طقوس نجدها في البلدان الإسلامية التي يطغى فيها المذهب الشيعي، إذ يحول بعضهم هذه المناسبة إلى مظاهر حزينة كما يقع في العراق وإيران، حيث تطوف الجماهير وهي تجلد نفسها وتندب حظها في ذكرى مقتل سيدنا الحسين بن علي، الذي تم اغتياله بصفة وحشية، حيث قطع الجناة رأسه ولعبوا به الكرة بمدينة كربلاء، وكربلاء تعني لغويا إدماج كلمتين: “الكرب” و”البلاء”، وتتم هذه التظاهرات بتأطير من رجال السلطة والأمن والجنود، حيث تتم كل سنة تصادمات عنيفة دموية بين المتظاهرين وقوات الأمن، وهنا تعود بي الذاكرة إلى ما يفوق 30 سنة، حينما أدى بي حب الاطلاع وفضولي الصحافي إلى تخطي إحدى أبواب “جدار العار” (le mur de la honte) للاتصال وتفقد أحوال سكان هذا العالم الغريب الذين كانوا يعيشون في ظروف تفتقد إلى أبسط وسائل العيش.

وقد أيقنت يومها، أن المواطنين المغاربة الذين يقومون بمثل هذه التصرفات، يعيشون على هامش المجتمع المغربي محرومين من كل ما تتوفر عليه البلاد من إمكانات الترفيه والتكوين والإرشاد، كدور الشباب والمسابح، مما يجعلنا ندرك أن سياسة الاقتراب من المواطنين وإحداث ملاعب القرب والمسابح، وغيرها من المرافق الاجتماعية بالأحياء الشعبية، لم تأت من السلطة، بل إن سياسة التخطيط التي رسمها جلالة الملك، جاءت لتأكد تخميناته ورعايته الأبوية للشباب، الشباب الذي يسكن الأحياء الشعبية والذي دخل في مواجهات مع رجال الأمن ليلة عاشوراء، توجد بالقرب من سكناه ملاعب القرب ومسابح عمومية يمكن استغلالها مجانا، أما “الشعالة”، فهي عادة قديمة تعود أطفال المغرب على إشعالها والرقص والغناء حولها، وهنا كان على السلطة، بدل استعمال القوة، إفساح المجال للشباب لاستغلال ملاعب كرة القدم لتلبية رغبتهم والاستمتاع بـ”الشعالة”، مع تجهيز هذه الملاعب بفضاء واسع يستجيب لشروط وباء “كورونا” الذي يفرض التباعد الاجتماعي، بحيث يمكن لشبابنا رؤية “الشعالة” من مدرجات الملعب، وكان على “المقدمين” و”الشيوخ” أن يخبروا أطفال وشباب الأحياء الذين يقومون بها، بوجود هذه الفرصة التي كان من شأنها أن تجنب البلاد هذه التصادمات التي حدثت، وبما أن الضغط يبعث على الاكتشاف، ولأول مرة يستعمل شبابنا العجلات المطاطية للسيارات اعتبارا منه أنه يدافع عن نفسه، تعود بي الذاكرة إلى فترة الستينات، حيث كنت رجل سلطة، وهكذا يتضح أن الصدفة يجب أن تستبق الأحداث وتخطط لها حتى لا يقع ما لا يحمد عقباه، لأن الرياح لا تجري بما تشتهيه السفن دائما، وهنا تحدث المفاجآت الغير السارة، بل قد تكون خطيرة، وذلك ما وقع في بعض المدن بمناسبة عاشوراء.

حفظ الله أبناءنا من الطيش والتهور والمجازفة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق