الحقيقة الضائعة

الحقيقة الضائعة | النواة الأولى لظهور البورجوازية العسكرية في المغرب “الحلقة الثانية”

لولا أخطاء الحسن الثاني لما حصل هجوم الصخيرات

حتى لا ننسى.. الصخيرات المجزرة السياسية
 ((من المؤمنين رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه فمنهم من قضى نحبه ومنهم من ينتظر)) صدق الله العظيم.
يقول القيدوم الراحل أستاذنا مصطفى العلوي: ((وما كان لأحداث على مستوى خطورة هجوم الصخيرات أن تدرج في مسالك النسيان، دون أن نستخلص الدرس منها، وكان الملك الحسن الثاني رحمه الله، حريصا على إقبار أخبارها وأسرارها، تفاديا لاستمرار البحث عن دوافعها وأسبابها والمسؤولين عنها، بقدر ما يحرص كتاب “الصخيرات المجزرة السياسية” على استخلاص الدرس مما خطته دماء الضحايا، ودموع الثكالى على جبين التاريخ المغربي المعاصر.
فيما يلي، تقدم “الأسبوع” أقوى ما كتبه الراحل مصطفى العلوي عن محاولة انقلاب الصخيرات، عبر حلقات ضمن ركن “الحقيقة الضائعة”.

بقلم: مصطفى العلوي

كان الجنرال المذبوح، وهو في أناقته المتناهية، محاطا بزوجته، ابنة المارشال أمزيان، وبجماعة من معتادي الكارطة، جالسين في جهة، وأصدقاء صهره أمزيان جاؤوا من مدريد لقضاء بعض الأيام في ضيعته التي كانت في طريق بوقنادل بضواحي الرباط، والضيعة كلها كانت هدية من الملك الحسن الثاني، والمذبوح شبه هائم في التفكير الذي لم يتوقف إلا عندما قالت له واحدة من الضيفات الإسبانيات، اسكوتشا.. لاسنيوريا.. ولاسنيورا، سيدة إسبانية أشبه ما تكون بالراهبة، تمتاز بأنها تتمتع في إسبانيا بميزة الشوافة الموفقة، ترى المستقبل وتشاهد أحداثه، حتى ليخيل لسامعها أنها تتحدث عما جرى في الماضي.

وعندما فتح الجنرال المذبوح سمعه لها، وجدها تقول: أولا.. لا، إني أرى هنا هذا الشيخ الذي طعن هذا المسكين البئيس الغارق في دمائه، وأراه يتوجه ليطعن الملك، ودون أن يعرف المذبوح ما إذا كانت تقصد بالملك المهدد بالطعن، ملكها في إسبانيا خوان كارلوس أو ملك المغرب، سألها المذبوح بهلع: صفي لنا هذا المهاجم الذي ترين، فقالت له: طويل ذو نظارات، واستمرت في الوصف، فوقف وكأنه يأمرها بالسكوت، وغادر وكأنه حصل على غنيمة.

طعن الملك.. تعبير لم يكن يدور بخلد أي أحد في ذلك الوقت الذي كان المغرب يعيش فيه الأفراح الدائمة، والسعادة المقيمة، زمان كان فيه الجنرالات فيما بينهم لا يتحدثون عن حرب ولا سكينة، وإنما يتهافتون على من يشتري أحدث ساعة ذهبية، ومن يقتني لزوجته أو لصديقته أحسن وشاح ذهبي مرصع.

كانت البورجوازية متمثلة أولا في كبار ضباط الجيش، وفيهم من لم يكونوا قد استغنوا من المناصب، بل أغلبهم أولاد قياد وأقطاب ممن صنفتهم الدولة المحتلة، فرنسا، في عداد المحظوظين، بتسجيلهم في المدرسة العسكرية العليا بـ”سان سير”، وكأنهم عرسان للنظام المغربي غداة الاستقلال، وكان استقلال المغرب، المناسبة التي احتفلت فرنسا بزفافهم لحكم المغرب المستقل، عندما أسس النواة الأولى للجيش الملكي.

وهكذا يمكن اعتبار هذه النخبة من قدماء “سان سير”، هم النواة الأولى لظهور البورجوازية العسكرية في المغرب، لأن أغلبهم بقي محظوظا لدى الدولة الفرنسية، التي كانت تعتبر وجودهم في القيادة العليا للجيش المغربي، بمثابة ضباط فرنسيين ملحقين بالمغرب، رغم أنهم شكلوا في بداية الاستقلال ما كان يسمى دفعة محمد الخامس، ولكن أعماق هذا الهيكل العسكري كانت جحيما ملتهبا بحكم الصراع الذي تنامى بين أطر الجيش الأخرى، بعض الوطنيين الذين رقاهم أول وزير للدفاع، الاستقلالي محمد اليزيدي، والذين لم يكونوا يحظون في التقارير الفرنسية التي كانت تكتب في السفارة الفرنسية إلا بوصفهم أنهم قدماء “سان سير”، مادة لصراع بين جيلين، في الوقت الذي كان فيه أول قائد للقوات المسلحة الملكية، الأمير مولاي الحسن، سعيدا بانحناءات الضباط كلهم، بمن فيهم خريجو “سان سير” الفرنسية والآخرون من الجيل الوطني، أو من الذين دخلوا للجيش وكانوا مسؤولين في جيش التحرير المغربي الذي أسهم في الهيمنة على بعض المناطق المغربية قبل الاستقلال، وكانت فرنسا ترى فيه خطرا على حربها ضد الثورة الجزائرية التي كانت مستمرة في ذلك الوقت.

وبحكم الجيل المغربي العسكري من قدماء “سان سير”، وقد أطر القوات المسلحة الملكية، والمعارك التي كانت مستمرة بين الجيش الفرنسي وفصائل جيش التحرير المغربي في جنوب المغرب والمناطق المجاورة للصحراء وموريطانيا، كشف اختطاف القبطان “مورو” في جنوب المغرب من طرف جيش التحرير المغربي، حتى بعد استقلال المغرب، كان طبيعيا أن يمهد الاتصال السري بين كبار الضباط المغاربة “السانسيريين” وكبار ضباط المخابرات الفرنسية في السفارة الفرنسية، عنصرا فاعلا في تباعد بين جناحي القوات المسلحة الملكية.

كتب واحد من الضباط المتميزين، بصفة الضابط الكاتب محمد بركاش: ((ونحن الضحايا المتضررون، المعدومون في كرامتهم، شعرنا بأن علاقاتنا مع الآخرين(…) تتردى يوما بعد يوم، قررنا كتابة رسالة إلى الأمير مولاي الحسن قائد الجيش، سلمناها للمستشار أحمد رضى جديرة)) (محمد بركاش. انقلاب الصخيرات).

وفعلا، عند تنظيم الاستعراض العسكري يوم عيد الاستقلال 18 نونبر 1960، رفضت مجموعة من الضباط المغاربة المشاركة في هذا الاستعراض، عنوانا لأول تمرد في تاريخ القوات المسلحة الملكية.

تمرد غير مسموح للشعب المغربي أن يطلع عليه، ولكنه في أوساط الجيش، فعل فعلته يوما عندما كان قائد الجيش الجنرال الكتاني، وقد عاد من مهمته الأممية في الكونغو، يواجه ولي العهد القائد الأعلى، ويقول له بصوت مرتفع: ((إن شبان الجيش اتفقوا مع الأحزاب السياسية على أن يزيلوا من المسار العسكري المغربي، كل عناصر الجيش القديمة، لينظموا انقلابا عسكريا لقلب النظام)).

مولاي الحسن ولي العهد – ودائما في روايات كتاب بركاش – استدعى الجنرال الكتاني وكبار الضباط وقال لهم: ((أنا لا أسمح لأي أحد أن ينتقد أولئك الذين منحهم والدي محمد الخامس ثقته، أما الآخرون، فتقول لهم إذا بقي جيشنا منقسما، فإننا سنضطر إلى اختيار الأسلوب السويسري، الذي يسمح لكل مواطن أن تكون له بندقيته)).

ملامح صراع مفتوح منذ أن كان الحسن الثاني وليا للعهد وقائدا أعلى للجيش، في زمن كان فيه الزعيم السياسي المهدي بنبركة يبث أفكاره عبر تصريحاته ومقالاته في العقول، بما فيها عقول شباب الجيش طبعا، وكانت وسائل الإعلام العالمية تبث إلى أسماع المغاربة، تفاصيل الانقلابات في أمريكا الجنوبية، بينما كان الوضع المغربي كله تحت تأثير الثورة المصرية التي أعلنها البكباشي جمال عبد الناصر، وقد تخرج على يديه جيل من الثوار المغاربة، الذين كانوا من قبل يستمدون من مصر الدعم المادي والمعنوي، مباشرة عبر أجهزة المخابرات المصرية، أو عبر قنوات الأمير الثائر عبد الكريم الخطابي، الذي كان ساكنا في القاهرة.

كان العالم يغلي، والمغرب يحتفل بالاستقلال، وبتوزيع المناصب وتقاسم كعكة النفوذ.

وإذا كان هناك من يذكر بدايات تركيبة المغرب بعد الاستقلال، فإن الأوساط الشعبية كانت تقول: “كل من راسو سخون يدخل للجيش”، وكانت الأوامر تعطى لإبعاد تجمعات الجيش عن المدن، ليكون الانفصام والتباعد أساس العلاقات المجتمعية مع الجيش، وهو حل رغم خطورته، كان يتلاءم مع الإمكانيات المادية، فتم تجميع ثكنات الجيش في نفس المواقع التي كان للاستعمار الفرنسي نفس الغرض، وإبعاد الجيش عن الأنظار، وكبريات الثكنات في التجمعات العسكرية في بن جرير ومراكش وقرب القواعد الأمريكية في بنسليمان والقنيطرة، وفي المواقع النائية الغير مرئية بالجبال في الأطلس ونواحي تازة، والمستعمرون، مثل المسؤولين المغاربة، يجهلون أن الابتعاد يجعل كل العساكر معرضين لتأثيرات الأفكار اللينينية والماركسية والثورية، ليستفحل الأمر مرة أخرى، في حالات الاصطدام الراجع إلى عوامل الماضي.

فقد كان من أقطاب الجيش المغربي كثير من أولئك الذين أسهموا في قمع أولى حركات التمرد في وادي زم مثلا سنة 1954، الجنرال البشير، والكولونيل الشنا، الذي كان من أقرب المقربين للجنرال المقيم العام “بوايي دولاتور” قبل أن يصبح صهرا للجنرال أوفقير.

وإذا كانت الدولة، قبل الاستقلال وبعده، محكومة بما كان ولازال يسمى جهاز المخزن، وأن المخزن لا يسأل أقطابه والأوفياء له من أين أتوا، ولا يسمحون لأي مشتغل مع المخزن بأن لا يكون وفيا إلا إلى المخزن، فإن كل ما يحدث من بعد، يكون سببه المخزن.

ولهذا فرضت الأطروحة التي تقول أن محاولة انقلاب الصخيرات، ومحاولة انقلاب الطائرة سنة من بعد، كانت كلها من صنع المخزن وجيش المخزن، فلا مبالغة إذا قيل أن كل الثورات والتمردات، حتى في التاريخ، خرجت من رحم المخزن، وأول محاولة انقلاب لحزب الاتحاد الوطني للقوات الشعبية بزعامة المهدي بنبركة سنة 1963، كانت باتفاق مع قطب المخزن، الجنرال المذبوح، وهي حقيقة مؤكدة، لأن بقاءه في موقعه القوي بعد الإعلان عن تورطه في انقلاب الاتحاديين سنة 1963، كان فقط بسبب تسامح الملك الحسن الثاني مع سليل العائلة، وثانيا، لأن هذا الملك الذكي، كان في بداية حكمه، وكانت معرفته لمكونات الجيش تجعله يضعف أمام عظمة الجنرال المذبوح، ودهائه ونبل تصرفاته.

يتبع

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق