ملف الأسبوع

ملف الأسبوع | خارطة الخروج من الانكماش الاقتصادي بـ”معجزة مغربية”: من ناقص 5 في المائة إلى زائد 5 في المائة

الاقتصاد يسبق الانتخابات في 2021

أعد الملف : عبد الحميد العوني

يكاد المغربي يرى الخلاص في أمطار 2021 لوقف تفاقم الانكماش الاقتصادي الذي حدث بفعل أزمتي الجفاف و”كورونا”، بعد اعتراف رئيس الحكومة سعد الدين العثماني في منشوره 2020/12 رسميا بحالة “الانكماش” الذي تدخله المملكة لأول مرة منذ أواخر التسعينات، وسماها الملك الراحل الحسن الثاني “السكتة القلبية”.

وستتأثر التوازنات الماكرواقتصادية بشكل كبير، حسب رئيس الحكومة، مع ارتفاع عجزي الميزانية والحساب التجاري لميزان الأداءات.

تتمة المقال بعد الإعلان

ورغم ضخ 22.4 مليار درهم كمساعدات لصالح الأسر وضمان قروض بـ 17.5 مليار درهم لصالح 48 ألف مقاولة، خصوصا المقاولات المتوسطة والصغيرة، فإن تقليل حدة الانكماش لا يزال هدفا بحد ذاته أمام صعوبات سردها خطاب العرش، والمتمثلة في الحجم المرتفع للقطاع المهيكل، وأيضا الذين استفادوا من الليبرالية وانفتاح المغرب وشراكاته المتعددة، لأنهم أظهروا “ارتباطا” كبيرا بالتقلبات الخارجية، لذلك، فالكل هش، لأن الفاعل الاقتصادي مرتبط بهشاشة القطاع الداخلي غير المهيكل أو بالهشاشة الناتجة عن التقلبات الخارجية، ولا توجد قاطرة أو ركيزة يمكن الاعتماد عليها، لذلك جاء قرار القصر بإعادة ترتيب الأولويات، وبناء اقتصاد قوي وتنافسي، ونموذج اجتماعي أكثر اندماجا، فرض التغطية الصحية لكل المغاربة، والتعويضات لكل طفل مغربي والتقاعد لكل شيخ مغربي، وهو رهان خسره المغاربة منذ استقلالهم، ويعملون، إلى الآن، بنفس العقلية، خصوصا في رسم ميزانية 2021 التي أبعدت الانتخابات لصالح الاقتصاد.

———————————————————–

+ خطة إنعاش الاقتصاد الوطني

 

تتمة المقال بعد الإعلان

    أكد رئيس الحكومة وجود خطة لإنعاش الاقتصاد الوطني، وأن على الحكومة تنزيلها، وربما تكون هناك إجراءات للجنة اليقظة، وأخرى لعدد من القطاعات تتقدمها الداخلية، لكن لا أحد يجد أن حزمة الإجراءات المتداولة هي “خطة”.

ويرى مراقبون، أن الأمر المتعلق بالصندوق الاستراتيجي للاستثمار، الموجه للأوراش الكبرى، وضمان القروض الموجهة للمقاولات الصغيرة والمتوسطة، قد تكون إجراءات ضمن خطة وجه القصر تعليماته لرئيس الحكومة من أجل تنزيلها، ويطلب العثماني من وزرائه القيام بواجبهم في كل قطاع، لإنجاح “التنزيل” المقترح، ليبدأ، حسب رئيس الحكومة، من الأوراش الكبرى، ولذلك، فمحاولة القول أن الأوراش الكبرى هي مشاريع البنية التحتية، هو ترتيب حكومي فيما تسميه الحكومة الأولويات الثلاث التالية:

1) تنزيل خطة إنعاش الاقتصاد الوطني.

2) الشروع في تعميم التغطية الاجتماعية.

3) التأسيس لمثالية الدولة وعقلنة تدبيرها.

ولا أحد يعلم ما مدلول “مثالية” الدولة في منشور ميزانية 2021، وإن كان هذا الهدف واقعيا في ميزانية تحت حالة الطوارئ الصحية.

ويتساءل الجميع عن الشروط التي تجعل الدولة “مثالية” كما جاء في صياغة المنشور رقم 12 لسنة 2020.

+ 70 في المائة من الأسر توصلت بمساعدات من الدولة، و30 في المائة الأخرى احتاجت إلى ضمان قروض من الدولة

    لا تزال قطاعات اقتصادية تحت الأزمة بدون ضوء في نهاية النفق، إذ يؤكد منشور رئيس الحكومة على “عدم وضوح الرؤية” في قطاعات تعاني إلى حدود الآن، ولذلك، فإنها لا تدخل في خطة الإنعاش أو لا تصلها هذه الخطة، هذا من جهة، ومن جهة ثانية، تؤكد الحكومة أن صياغة خطتها لا تدمج بعض القطاعات، وبالتالي، فإن هذه الخطة غير عامة، ولا يمكن القول عنها أنها خطة، حسب المعارضين.

وفي إطار تدابير دعم الاستئناف التدريجي لمختلف الأنشطة التي توقفت، فإن هناك مواكبة خاصة لبعض القطاعات ولم تتضح الآليات التي يمنحها التدخل الحكومي، لأن طلب النمو “القوي والمستدام” لا يعني معدل النمو فقط في عالم ما بعد “كوفيد 19”.

وبضخ 120 مليار درهم في الاقتصاد الوطني لمواكبة المقاولات، سنجد في مقدمة الأهداف المعلنة “تمويل المقاولات الصغرى والمتوسطة”، لكن صندوق الاستثمار الاستراتيجي موجه للمقاولات الكبرى، ولذلك، فهي تأخذ نصيب الأسد من التمويل، رغم القول أن المقاولات الصغرى والمتوسطة هو أساس التمويلات التجارية.

وترغب الدولة في:

1) عدم فقدان المزيد من مناصب الشغل.

2) تسوية وضعية الأجراء لدى صندوق الوطني للضمان الاجتماعي.

وبالنسبة لتدخلات صندوق الاستثمار الاستراتيجي، فإن الآلية التي تعمل عليها الحكومة ليست موجهة للمقاولة الصغيرة رغم أن نطاق الاشتغال هو “تمويل البنية التحتية”.

ولابد، في هذا الإطار، من تكريس شراكة القطاع الخاص والعام، وتوجيه نسب من العطاءات تجاه المقاولات الصغيرة والصغيرة جدا، من داخل الأوراش الكبرى، عبر المناولة لحماية المقاولة الصغيرة، وأيضا، لابد من ترتيب يحمي هذه المقاولة (الصغيرة والصغيرة جدا)، لأنها تحافظ على مناصب الشغل، ويجب ألا ينزلق هذا النوع من المقاولات إلى القطاع غير المهيكل، وإن كانت تعمل في هامش كبير معه، فيما حددت ورقة العثماني القطاعات التي يستهدفها صندوق الاستثمار الاستراتيجي في التعليم والصحة والماء والرقمنة والاقتصاد الأخضر، باعتبارها “قطاعات استراتيجية واعدة للتنمية البشرية”.

وحسب التدخلات الدولية، فإننا أمام:

ـ القطاعات الاستراتيجية المنتجة للتنمية البشرية.

ـ القطاعات ذات الإمكانيات القوية لتعويض المنتوجات المستوردة.

وهذه القطاعات يتوجه المغرب إليها بما يكفي لصنع الشغل والقيمة المضافة، وقد سخرت الدولة طاقتها لأول تعاملين ناضجين:

1) اعتبار الصحة والتعليم والماء من القطاعات الاستراتيجية، وهو ما لم يكن في ظل حكومات آمنت بالاقتصاد المالي وعقيدة الربح وسلاسل التوريد، وقد سخرت الدولة، في عهدها السابق، راية القداسة الدستورية لحماية عقيدة التوازنات الماكرواقتصادية.

2) تصنيع المواد الموردة محليا من خلال دورة إنتاج صناعي مغربية، ولذلك، فإن العملية الاقتصادية اليوم دخلت في إطار “تعاقد وطني بناء”.

وسنرى بوضوح تدخلات صندوق الاستثمار الاستراتيجي “ناجعة”، وستحكمها الفعالية، وبالتالي، فإن “ترتيب الأولويات” كما سمتها الحكومة، لن يكون بالقدر الذي يحول ثوابت السياسة الاقتصادية الجارية لعقود، رغم بعض الإجراءات  الإصلاحية، لأن التمويل الاستراتيجي لن يذهب، بشكل واسع، إلى القطاعات الاجتماعية.

وبالتالي، فقدرة الاقتصاد على الحركة الحرة لن تكون عاملا كافيا، لأن التمويل الاستراتيجي أضحى حكرا على القطاعات التي وصفها رئيس الحكومة بـ”ذات الإمكانيات القوية”.

ومن المفروض أن يقصد قوة البنية الصناعية والإنتاجية، لكن الإمكانيات القوية ليست أكثر من القدرة المالية، وترغب هذه الشركات في تمويل إضافي من الدولة، من أجل التحول من إطار للحركة إلى آخر، ومن التوريد تحديدا إلى التصنيع.

وقد أشارت مذكرة رئيس الحكومة إلى “تعزيز الأفضلية الوطنية”، من تعزيز عمل القطاع العام والخاص وتقييم أداء الاستراتيجيات القطاعية والأوراش التي توجد في طور الإنجاز.

وفي هذا الصدد، هناك:

1) جيلا جديدا من القطاعات والأوراش الكبرى ينتهي بالجيل الأول إلى التقييم، ليستأنف الجيل الجديد دوره وأجندته.

2) قدرة صناعية محلية لمن لديهم إمكانيات مالية قوية تجذب إليها صندوق الاستثمار الاستراتيجي.

3) قدرة على التمويل عن طريق القروض المضمونة من الدولة.

4) قدرة على التصدير.

وكل هذه الإمكانيات التي تجعل رساميل الهولدينغات “الريعية” عند البعض، والموردة على العموم، هياكل “فاعلة” في التكيف مع اقتصاد ما بعد “كورونا”، إذ هناك إعادة تكييف للاقتصاد الذي “وصل مداه” ليبدأ اقتصاد آخر.

وحسب منشور رئيس الحكومة، فإن إطلاق جيل جديد من المخططات القطاعية الكبرى، لن يكون بدون مشاركة الدولة في التمويل.

وطبعا، تعمل الحكومة على اعتبار تمويل هذه المخططات “استثمارا استراتيجيا” إلى الحد الذي يمكن معه القول: “إن هدف المملكة قائم على تحفيز الاستثمار الخاص الوطني والأجنبي بفعالية عميقة تؤطر قدرة التمويل، وليس قدرة التحول داخل شركة معينة من الاستيراد إلى التصنيع”.

وهنا يبدأ العمل على:

ـ إعادة تكييف أهداف وعمل الشركات الكبرى عوض الأوراش الكبرى.

ـ مشاريع البنية التحتية كمشاريع خاصة.

ولذلك، فإن معامل المراقبة أساسي في هذه المرحلة، لضيق التمويل واعتماده الكبير على القروض، ومن السوق الدولي، واعتماد الرساميل المحلية على القروض المضمونة من الدولة، بما فيها الأبناك التجارية.

وتبعا لهذا السياق، فإن ما تسميه الحكومة “الإصلاحات المؤسساتية”، الرامية إلى تحسين مناخ الأعمال، يفيد إخضاع كل المؤسسات إلى الشفافية، فيما لم تتمكن المملكة من إخراج القانون الجديد للاستثمار، لأن الخطوات السياسية للمملكة بطيئة، وبالتالي، فقد أصبحت الحاجة أكبر، في هذه الظروف، لإخراج الميثاق الجديد للاستثمار.

ويبدو أن إصلاح المراكز الاستثمارية الجهوية وإخراج الميثاق الجديد للاستثمار، خطوتان ضروريتان لأي تحول، فيما يمكن:

1) إقرار تحول واسع كما يعتقد الكثيرون، يبدأ من الهولدينغات التي يجب أن تغير نمطها الإنتاجي من التوريد وإشهار “المواد الموردة”، إلى الإنتاج ودعم المواد الغذائية.

ولا يمكن استنزاف الدولة من هذه الزاوية، إذ كانت تجارب اشتراكية اعتمدت على التصنيع، ومنها الجزائر، لكنها لم تنجح بالشكل الكافي، بسبب اعتماد كل شيء على أموال الدولة، وفي هذه الحالة، على النفط.

أما اليوم، فإن الدولة ستمول مرحلة ما بعد “كورونا”، وبالتالي، ستلجأ الشركات ذات الإمكانيات القوية، بتعبير المنشور الموقع من رئيس الحكومة في 12 غشت 2021، والموجه إلى الوزراء لإعداد ميزانية 2021، إلى صندوق الاستثمار الاستراتيجي.

2) التحويل السريع لصندوق الضمان المركزي إلى شركة مساهمة تحمل تسمية “الشركة الوطنية للضمان وتمويل المقاولة”.

ولابد في كل دولة من صندوق لمثل هذه المهام، وحاليا، يتحول تمويل الشركات الكبرى إلى صندوق الاستثمار الاستراتيجي، وفي نفس الوقت، يجري تحويل صندوق موجه أساسا لتمويل المقاولة المتوسطة والصغرى، إلى شركة مساهمة، لضمان تمويل المقاولة.

وتبعا لهاتين الخطوتين: أن يتحول التمويل العمومي للشركات الكبرى إلى صندوق، وتحويل صندوق لتمويل الشركات المتوسطة والصغيرة إلى شركة مساهمة، سيكون من الطبيعي معهما إعادة رهن الدولة إلى شركاتها الكبرى مرة أخرى، وهذا الأمر لا يتعلق بخطوة محسوبة، بل ببراغماتية إضافية للساسة، وليس هناك مستثمرين قادرين على المغامرة في هذه المرحلة.

إن الحكومة تطلب جهة من تكفل الاستدامة المالية لنظام الضمان، والشكل القانوني لصندوق لو تغير لإنجاز هذه المهمة بشكل واضح، سيكون أكثر فعالية من تحويل الصندوق إلى شركة مساهمة، وبالتالي، فإن قدرة الوصول إلى “الأهداف المحددة” هو الجانب الأهم في كل ما يجري.

وبناء على ما سبق، فإن المرحلة تنبني على “عقد وطني بناء” حسب تعبير منشور الحكومة، ومن دون تعريف لأطرافه، فإن الحكومة طرف رئيسي فيه، لذلك، فقراراتها ليست تشاركية بالشكل الكافي كما يعتقد، على الأقل، مشاركون في لجنة اليقظة، وقد ادعوا أن الأبناك لم تلتزم بهذا العقد، كما أن تسليم المقاولات الكبرى كل هذه الامتيازات قد يفرض مزيدا من الشفافية في هذه الظروف.

وحاليا، ليست هناك إحصائيات ومعطيات تكفي لإظهار نجاعة انتقال صندوق الضمان إلى شركة مساهمة.

وسيكون ضروريا الكشف عن دوافع مقنعة للقرار، فيما كل هذه الإجراءات تبدأ بسنة 2021، وتخص ميزانية الدولة، ولذلك، فإن عدم تأثير القانون المالي المعدل عن مشروع الميزانية القادمة “عامل يمكن دراسته”.

ويبقى السؤال المطروح: هل يمكن في هذا الصدد إعادة إنتاج نفس التوضيب المالي لمرحلة ما قبل “كورونا”؟ وبالتالي، فإن إعادة تكييف التعديلات بما يكرس السياسات والقوانين المالية السابقة، حالة متوقعة.

وقد اقترح العثماني بعض الإجراءات، والإبقاء على هيكلة القوانين المالية السابقة وأهدافها، بما تكون معه سياسات المال العام شأنا عاديا ومألوفا، ولا يحمل أي قطيعة بين ما قبل “كورونا” وما بعدها.

لأول مرة، رئيس الحكومة يؤكد في منشور رسمي، وجود ما يسميه “قطيعة حقيقية” في المغرب

+ بداية تعميم التغطية الصحية على كل المغاربة

    بين سنتي 2021 و2022، يجب تعميم التغطية الصحية على كامل المغاربة، فيما منشور رئيس الحكومة يفتح الزمن إلى 2025، لإتمام مشاريع التغطية الصحية لكل مغربي والتعويضات العائلية لكل طفل والتقاعد لكل شيخ في المغرب.

وقد حددت الأجندة الحكومية سنة 2021، عام حوار عوض مباشرته فيما تبقى من سنة 2020، ولماذا هدر كل هذا الزمن من 2020 لعدم إنجاز الحوار العمومي حول ورش التعميم.

إن العمل الحكومي يختلف في رؤيته عن غيره، فإن كان تنفيذ الإجراءات الاجتماعية المذكورة مفتوحا إلى سنة 2025، فإن العثماني يريد الوصول إلى الانتخابات مع انطلاق هذه الأوراش، لكن الدولة ترغب في أن تكون الإجراءات الاجتماعية التي سببت في تطاحن سياسي وانتخابي، غير مسيسة، وتدخل في النطاق الاستراتيجي للدولة، تماما كما في حالة الأوقاف والدبلوماسية.

ونقل السياسات في المجال الاجتماعي إلى المجال السيادي، قد يكون خيارا يبعدها عن التسييس والتنازع، وقد أوحى سعد الدين العثماني إلى هذا الموضوع عندما قال بتنزيل خطة للإنعاش الاقتصادي، ربما تكون أجزاء واسعة منها منجزة خارج الحكومة، لذلك، فإن ما يجري في المجال الاجتماعي، سيادي بدرجة ما.

وقد تكون 2021 أول استحقاق انتخابي في المغرب تدخل فيه الأجندة “الاجتماعية” ضمن الحقل السيادي، وهذا التطور قد يوحد الدولة مع أحزابها، لتكون الأجندات الحزبية مؤطرة للنقاش العمومي، وعليه، لن تكون المعارضة بالصورة القديمة، فالمآسي الاجتماعية التي خلفتها “كورونا” وعدم الحوكمة والجفاف، عوامل دفعت إلى ما سمي في منشور رئيس الحكومة “عقلنة الحوكمة” كإحدى ثوابت السياسة المالية الجديدة.

ومن المحتمل القول مع ذلك، أن بناء قدرات أخرى لمناهضة الفساد، هي التي يقصدها المنشور بعقلنة الحوكمة، لكن بدون عقاب.

ومن المهم، في هذا الباب، معرفة الغلاف المالي لتعميم التغطية الصحية وجدولتها، وكيف يمكن، في سنتين إلى 4 سنوات، الوصول إلى تحقيق هذا الهدف.

إن أي برنامج لهذا التعميم لم ينشر، وبالتالي، فإن الغلاف المالي للتعميم لم يتحدد بعد، ولم يجدول أصلا، وبالتالي، فإن قدرة الدولة على برمجة جزء من برنامج التغطية الصحية تفرضه المواعيد الزمنية، ولكنها بدون وضوح إلى الآن.

ويراقب الجميع كيف يمكن إقرار تعويض 300 درهم (30 دولار) لكل طفل مع تغطيته الصحية، لتظهر الخطوة جبارة واستثنائية في دولة ثالثية تغرق أكثر في الانكماش الاقتصادي والفقر، إذ وصلت الحاجة إلى 70 في المائة، وهو عدد الأسر المغربية التي توصلت بالمساعدة، وقد طلبت أسر أخرى المساعدة دون أن تتمكن من الوصول إليها، ويكشف هذا الوضع أن من طلب المساعدة رقم كبير، واستجيب لمن لديهم معايير حددتها السلطات.

إذن، فالثغرة التي عرتها “كورونا” كبيرة وغير مسبوقة، وبالتالي، فإن برنامج التغطية الصحية لجميع المغاربة، لم يتحول إلى النقاش العمومي.

وتبعا لهذه الملاحظات، سيكون دمج “الأجندة الاجتماعية” من خلال خطوات الحكومات السابقة، بما فيها منشور رقم 12.2020 الموقع من طرف رئيس الحكومة، غير مسبوق، وهو ما يعني أن تمويل الدولة لبرنامجها الاجتماعي، كبير ويجب تنزيله.

الوزير الذي ألغى الاعتمادات المفتوحة

+ تعميم التقاعد والتعويض عن فقدان الشغل مؤجلان بفعل الجائحة

    ستبقى ميزانية تعميم التقاعد والتعويض عن فقدان العمل حلما مؤجلا، لأن واقعية الطرح قد يرتفع عن حجم القدرة، فيما سيكون تأمين السيولة عن طريق القروض المضمونة، هو الجزء الممكن من المقترحات.

ولذلك، فإن جيلا جديدا من برامج “انطلاقة” (أو حسب تسمية الحكومة “الدينامية الجديدة للبرامج”)، هو الممكن إلى نهاية 2020، لكن الخطوات “الواقعية” لا يتم تقييمها سريعا لاستخلاص الدرس.

وفي هذا الإطار، تجد الحكومة كل شيء مؤجلا إلى سنة 2021، فيما لا تقترح خطوات لـ”توسيع العرض الصحي” وشروط تجويده، وكذلك الشأن مع تحديد “الأساليب الجديدة من أجل تعبئة الموارد البشرية والمالية وآليات التمويل المبتكر في ميدان الصحة”، ولذلك فإن الصياغة عامة، لأن ميزانية 2021 لن تكون مختلفة عن سابقاتها، ومسألة عودة المغرب إلى حالته المعهودة، جزء من تفكير عام يجعل قطائع وترتيبات ما بعد “كوفيد 19” في المغرب ليست بالأهداف القيادية التي تغير وجه المغرب، ومن المهم أن تكون الوسائل “ثورية” بنفس الأهداف الثورية المؤجلة، والمعترف بها حكوميا، إلى سنة 2025، وهو ما يفيد السؤال عن معايير “تأسيس مثالية الدولة”.

وفي هذا السياق، سيكون كل شيء مرتبطا بـ”إصلاح الإدارة والتدبير العمومي” المتصل بمشروع التغطية الصحية، الموصوف بالتكتيكي، وباقي المشاريع الموجهة إلى كل المغاربة، كما ستكون معالجة الاختلالات العامة في المقاولات والمؤسسات العمومية، هي العامل الحاسم باتجاهين:

ـ عقلنة التدبير الذي يسمح بالوصول إلى كامل الأهداف.

ـ وكالة وطنية لتدبير مساهمات الدولة في المقاولات العمومية.

اليوم، ليس هناك سوى اقتراحات لعقلنة التدبير العمومي، لكن تحديد إجراء لجعل هذه المقاولة تستفيد وهذه لا تستفيد من مساهمة الدولة، وتحديد الأحجام المالية، يؤسس للقول أن “بيروقراطية أخرى ستضيف شروطها إلى السيولة الموجهة إلى القطاع العام”.

من جهة، فإن تدبير المساهمة قد لا يعني تدبير اقتراضات الدولة من المقاولات العمومية والعكس، وبالتالي، فإن التدبير المالي وحده هو المهم في هذه العملية الإجرائية، لأن إطلاق إصلاح عميق للقطاع العام، يتمثل أساسا في الاعتمادات، وطالب المجلس الأعلى للحسابات، في توصياته، بحذف بعض فروع الشركات العمومية، من أجل تحسين الأداء، وهو نفس ما يسير إليه رئيس الحكومة، الذي أعطى الضوء الأخضر لهذا الحذف، ومن جهة ثانية، فإن تمييز “المساهمات” عن “الاعتمادات”، ضروري، فهل الأمر متعلق بـ”الاعتمادات في مقابل الأداء”، أم بـ”المساهمات في مقابل الأداء” وقد اقترحهما رئيس الحكومة معا من زاويتين: اليوم مع “كورونا”، تتقدم “المساهمات مقابل الأداء” على “الاعتمادات مقابل الأداء”، وسيبقى للوكالة الوطنية، المرتقبة، كامل الاختصاص في تدبير التمويل العمومي الموجه للمقاولة العمومية، وهو ما يفيد احتمالا كبيرا لإجراءات الحذف.

وتأكيدا على إخراج رئاسة الحكومة من هذه المعركة، ستكون المسألة “فنية وتقنية” متعلقة بالتدبير العمومي، وعبر الوكالة المختصة.

والرؤية الحكومية، ليست واضحة بالشكل الكافي لمعرفة معايير النجاعة والمراقبة، وستكون الصرامة البيروقراطية جزء من العائق القادم، لأنها قد تمنع المرونة.

+ تحويل المقاولات العمومية إلى هولدينغات أو أقطاب كبرى

    إن الرفع من المردودية قد لا يكون بخلق أقطاب كبرى، لكن الدولة اختارت دعم الصناعة المحلية، ولن يكون هذا الأمر ممكنا دون هذه الأقطاب، تماما كالتجربة الصينية، وبالتالي، فإن محاولة خلق بنيات صناعية متقدمة، قد تكون ناجحة  بفعل “مغربية التكنولوجيا”، وتحويلها إلى سوق وسيط نحو إفريقيا، أو نحو السوق الداخلي.

وتبعا لهذه التحولات، فإن إنشاء الأقطاب الكبرى وعقلنة التدبير الصارم، معادلة متلازمة عند الصينيين، ولا يختلف الأمر عن “النهج المغربي الجديد” المؤطر كاملا، وبشكل واضح، في منشور رئيس الحكومة، لذلك، فعقلنة مصالح الدولة تسبق المقاولة كذلك، وبالتالي، فالمقاولة العمومية محكومة غدا بالتدبير القاسي للقطاع الخاص، الذي يرغب في أن يكون أداة من أدوات المرحلة الجديدة، لذلك، فإن تصور وحدة ميزانية الدولة، هو القادر على تفعيل هذه السياسات والأوراش.

وبناء على الترتيبات الجديدة، فإن:

1) التمكن من هوامش مالية، لن يكون إلا من خلال عمل جديد أو قيمة مضافة.

2) تحويل الهوامش المالية إلى تدخلات، يجب أن يكون تحت رقابة وكالة وطنية.

3) الحذف والتجميع جزء من استراتيجية الدولة، لأن المسألة لا تتعلق بـ”قداسة الدولة”، بل بفعاليتها، فالدولة تصلح وتغير وتحذف وتضيف، حسب الأهداف المسطرة.

وبالتالي، فإن العقيدة النفعية ستسود تدبير الدولة المغربية، ليس على أساس سياسي، بل اقتصادي، لمنح المغاربة فرصة في أن يتطوروا، لأن تجربة تغريب الاقتصاد عبر لبرلته بالطريقة المغربية، له نتائج جد محدودة، فيما يرى التوجه الجديد أن يكون الذهاب بعيدا في:

أ) الحوكمة العميقة.

ب) القدرة على تحقيق النجاعة.

ت) المحاسبة.

وهي أمور أصبحت أساسية و”استراتيجية” إلى حد بعيد، وبالتالي، فإن قدرة الدولة على مواجهة الإصلاحات لن تكون “فعالة” دون إثبات فعاليتها أيضا، ليس فقط في تمييز “الاعتمادات” عن “الإسهامات”، وعن باقي الإصلاحات، بل بالسير بها أبعد، لذلك، تحدث منشور رئيس الحكومة عن “قطيعة حقيقية”.

+ “قطيعة حقيقية” يستخدمها رئيس الحكومة بشكل عادي، دون أن تكون لها نفس الانعكاسات وردود الفعل

    ليس الخطاب جزء من القطيعة التي يتحدث عنها الرسميون، لأن الإصلاح وكل ما تطالب به الدولة، كان جزء من خطاب المعارضة التي انتهت إلى مشاركة غير وازنة على صعيد الحكومات المتعاقبة، وبالتالي، لاحظ الجميع أن هناك قدرتين:

1) قدرة الدولة على إقرار الإصلاح، وهي قدرة لم تنتج بعد.

2) قدرة السياسات العمومية على إنتاج رؤية، وهي اليوم في طور القطيعة الحقيقية، حيث لم يكن هناك اهتمام بالشأن الاجتماعي الذي تحول إلى ضرورة، وكيف يمكن للدولة أن تواجه حربا، وهي التي احتاج 70 في المائة من شعبها إلى طلب المساعدة منذ الأيام الأولى للحجر الصحي.

وفي الحقيقة، كشفت “كورونا” عن وجه آخر وحسابات أخرى تشكل هشاشة كبيرة في مواجهة أي جائحة، وربما أي حرب أيضا، ولذلك، فإن إعادة بناء القدرة الاجتماعية، لم تعد اختيارا، بل خيارا للمستقبل، ولا مندوحة من التنزيل السريع لميثاق اللاتمركز إلى إنفاذ باقي المواثيق الموقعة.

ما يجري، خطوة في جعل الانتخابات التشريعية من غير أوراق، ومن غير سيارات كثيرة، إذ لا شراء ولا كراء للسيارات بالمال العام

+ التوقعات الاقتصادية في عام الانتخابات بمعدل نمو 10 في المائة للخروج من ناقص 5 في المائة وتحقيق 5 في المائة

    تبدأ التوقعات الحكومية من محصول زراعي متوسط بـ 70 مليون طن، ولكن مع ذلك، سيحقق المغرب 10 نقط نمو (من ناقص 5 في المائة 2020 إلى 5 في المائة في 2021) من خلال إصلاح القطاع العام الذي قد يربح معه المغرب 2 في المائة في النمو إلى جانب 3 في المائة مع تقدم كل التدخلات الخاصة بكل أوراش التنمية البشرية، ليس على أساس المناورة، وإنما من الاعتقاد بأن هذه  الأوراش استراتيجية، يتقدمها التعليم والصحة.

إن اقتصاد “القطيعة الحقيقية” قد يفيد المغرب في مفترق طرق عاشه مع العالم، وبالتالي، فنحن أمام خدمة حقيقية للمواطن على صعيد صحته على الأقل، كما يمكن توقع هذا الأمر في الخطاب الرسمي، وقد بدأت من عقلنة النفقات المتعلقة بـ”الاتصالات” وإلى اعتماد وسائل النجاعة الطاقية والامتناع عن برمجة النفقات الخاصة باقتناء أو كراء السيارات.

وهنا يكمن السر في منشور رئيس الحكومة، أي في “ضرورة المصلحة”، والكل  يخضع لتقييمها، وحاليا، ستجد كل إسهام مالي مرفوقا بالمراقبة تبعا للأداء كتقييم قبلي، وبالمساءلة في إجراء بعدي.

ويتساءل البعض عن الهامش، وهل لن يبقى هامش في ميزانية 2021(1) كما الحال مع 2020، ليفاجأ الجميع بما سماه المنشور “القطيعة الحقيقية”، ليتساءل البعض عن الأولويات(2) والخيارات(3) التي أصبحت تدور حول المواطن المغربي.

ويذهب الكثير من الخبراء إلى أن 2021 ستكون سنة انتقالية(4) وليس سنة إقلاع يصل النمو فيها إلى 5 في المائة، وفي حال تحقيق هذا المعدل مع القطائع الواردة في البرنامج الحكومي، سيكون الجميع أمام 7 في المائة، بمعيار ما قبل “القطيعة”، بحكم أن الأرقام، بعد الإصلاحات، ستكون “أكثر دقة”.

ويرى من يعتقد بأن 2021 ستكون سنة إقلاع(5)، أن تدبير الدولة الجديد والتحكم في النفقات وعدم وجود ميزانيات مفتوحة(6)، كلها إجراءات واردة، بما يجعل القدرة على الوصول إلى الأهداف المبرمجة، حالة ممكنة.

وتبعا لما يجري، فإن هناك تقيدا واسعا بالتقلصات: في النقل والاتصالات والسيارات والدراسات (بالاعتماد على خبرة الإدارة)، أما الاستثمارات، فترتبط بتوطيد الالتزامات الخاصة، وأيضا باللجوء إلى الآليات المبتكرة، وسيكون تحديد الاعتمادات لصيقا بالتنفيذ.

لذلك، فالميكانيزمان المعتمدان، هما الآلية الجديدة المسماة “التمويل المبتكر” وآلية “ربط الاعتماد المالي بالتنفيذ والالتزامات الخاصة”.

وسيكون للميكانيزمين المذكورين ما يفيد الوصول إلى تعامل صارم يفرضه واقع التحولات الجديدة، وثقة رئيس الحكومة في هذه الاستراتيجية، التي دفعته إلى رفع معدل النمو إلى 5 في المائة، بعد حالة الانكماش التي كان آخرها في تسعينات القرن الماضي.

ومن الآن، لا يمكن الخوض في استثمار على عقار لم تتم تسويته، ويذهب الأمر بعيدا في إعادة توجيه الأهداف بما تكون عليه الإمكانيات، وستكون الفرصة سانحة لخلق قطيعة، وتحويل النموذج المغربي إلى دولة غير فاسدة أو بـ”منسوب قليل من الفساد” كجزء من تصحيح السلوك.

إن ما يجري، هو تحول قاس نحو الصرامة في النفقات، ولذلك، فإن التقشف الذي حدث، ليس باتجاه الإنتاج، وإنما باتجاه ترف الإدارة الذي لا يمكن أن يدفع المغرب ثمنا جديدا له، وإلا ستكون القطيعة المعلنة رسميا، هي قطيعة في الجانب الآخر بين الشعب والسلطة، وهو الرهان المخيف مع تواصل حالة الانكماش الاقتصادي.

 

هوامش :

  • PLF2021: Quelle marge de manœuvre pour le gouvernement? Fr.Le 360, av/2020.
  • Plf: Quelles propriétés pour le gouvernement, les eco.ma, 23 juillet 2020.
  • PLF 2021: Quels choix possibles? les éco.ma.
  • 2021, une année de transition plus qu’une année de relance? media 24.com; 21 juillet 2020.
  • Budget relatif / plan de relance économique; bourse news. 27/5/2020.
  • Ben chaaboun, le double des postes budgétaire, maroc.ma, 11/6/2020.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق