الـــــــــــرأي

الرأي | “اللي فرط يكرط”

بقلم: الحسين الدراجي

    المغاربة خائفون حائرون يتساءلون عن جائحة “كورونا” التي لا يعرفون لا مصدرها ولا كنهها ولا مدة حياتها، وأسماعهم تظل تنتظر أخبار الاختصاصيين بالمختبرات الذين ينكبون ليل نهار من أجل إيجاد عقاقير أو لقاحات تقضي على هذا المرض أو تحد من خطورته، والأمل معقود في هذا المجال على المنظمة العالمية للصحة التي صرحت غير ما مرة، أن الفرق الطبية المهتمة بإيجاد الدواء عبر العالم، لا تجد إلا بصيصا يسمح لها بالتكهن بأن الحل سيطول على الأقل سنتين، أما الصراع المحموم القائم بين بعض الدول الكبرى المعروفة بخبرتها في هذا المجال، كروسيا وألمانيا وأمريكا، فلم يزد الناس إلا ارتباكا وتيئيسا، وكلنا يعرف أن الدولة التي ستكسب قصب السبق في هذا المجال ستبرم ليس صفقة القرن، ولكن صفقة الكون، بل إن كل الدول تستعد وتدخر الأموال اللازمة لشراء الدواء المنتظر، وقد بدأت روسيا في صنع بعض اللقاحات التي تدعي أنها تشفي من فيروس “كورونا”، غير أن منظمة الصحة العالمية شككت في ذلك ونصحت جميع الدول بأن لا تقدم على شراء أي لقاح إلا بعد أن تتم المصادقة عليه من طرف خبرائها، لأن الملايير التي ستتدفق على أول دولة تنجح في ابتكار وصنع أي دواء للقضاء على “كوفيد 19” لا تعد ولا تحصى، مما يجعل نموها يتصاعد بشكل غير مسبوق.

من هنا، يحق لنا أن نتساءل: هل يستطيع شعبنا تحمل أعباء هذا الوباء، لأنه يحس بالغبن ويرفض تطبيق التعليمات الموجهة إليه من الجهات المختصة، لأن الطريقة المتسارعة التي تصدر بها السلطات قراراتها تتسم بشيء من الارتباك والارتجال، بل إن بعضها لا يعلم به الشعب أو المواطن إلا عند تطبيقه (إغلاق شاطئي سلا والرباط نموذجا)، ومن طبع الإنسان أن يرفض كل ما يحد من حريته الشخصية. لقد قطعنا المرحلة الأولى من تفشي “كورونا” وكان يضرب بنا المثل في العالم، لاستباقنا اكتساح هذا الوباء وتصدينا له، لكن رغم حملات التوعية، فإن بعض المناطق النائية لا تعير لهذه التعليمات أي اعتبار، وهم الذين قال فيهم الحق سبحانه وتعالى: ((سمعنا وعصينا))، وقد سبق في هذا الصدد أن تحدثنا عن الأسواق العمومية التي تشكل بؤرا خصبة لانتشار الفيروس، وتحدثنا أيضا عن رجال المال والأعمال الذين يسكنون السرايا والقصور، حيث يوجد بيت للنوم خاص لكل فرد من أفراد العائلة، وتحيط بهذه المنازل بساتين خضراء يتوسطها مسبح خاص، لذلك، فمثل هذه البيئة لا يصيبها الفيروس إلا نادرا، وهناك مسألة أساسية جاءت بها الأخبار ووسائل الإعلام الرسمية، تقول أن من أصابته عدوى “كوفيد 19” عليه أن يلتزم بالعلاج في منزله، وهنا نشير إلى أن جل الطبقات التي يعنيها الأمر تسكن بمنازل ليست لها نوافذ وقد تكون بناءات عشوائية، فهل ستخصص الدولة أطرا طبية خاصة تتابع علاج هؤلاء المرضى الفقراء في منازلهم؟

وأمام هول هذه الفاجعة، يبدو أنه لا مناص من العودة إلى سياسة التخطيط التي اتبعها المغرب في عهد المرحوم الحسن الثاني في موضوع بناء السدود، علما أن بلادنا تعرضت إلى فيضانات تضرر بفعلها الزرع والضرع والإنسان والمنازل، كما أن بلادنا لم تنج من حرائق الغابات، والزلازل والرياح العاتية التي تأتي على الأخضر واليابس، ولكن شعبنا، والحمد لله، كان دائما صبورا مقداما يتصدى لكل هذه الكوارث الطبيعية بروح من التضامن والتكافل والإيخاء والإيمان بالله وبرحمته عز وجلا وهو القائل: ((ورحمتي وسعت كل شيء))، فهل سيتركنا ويتخلى عنا في محنتنا هذه، خاصة وأن بعض علماء وفقهاء الدين في المشرق العربي أصبحوا يوقنون أن هذه الكارثة العالمية هي تجليات من غضب الله، ولم يبق لهم إلا الأدعية والابتهالات ليحفظنا الله من استمرار هذه الجائحة ويقلل على الأقل من شدتها، ومهما قلنا من تبريرات عن تطور واكتساح “كورونا”، نعود لنعترف أن هناك من المواطنين من استهزءوا واستخفوا بقوة هذا الداء، وصاروا يتصرفون وكأن شيئا لم يكن، وهذا السلوك يعتبر تهاونا يلقي بصاحبه إلى التهلكة مصداقا لقولة “اللي فرط يكرط”.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق