الحقيقة الضائعة

الحقيقة الضائعة | أوفقير مهد في فصل الربيع لهجوم الصيف “الحلقة الأولى”

حتى لا ننسى.. الصخيرات المجزرة السياسية
 ((من المؤمنين رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه فمنهم من قضى نحبه ومنهم من ينتظر)) صدق الله العظيم.
يقول القيدوم الراحل أستاذنا مصطفى العلوي: ((وما كان لأحداث على مستوى خطورة هجوم الصخيرات أن تدرج في مسالك النسيان، دون أن نستخلص الدرس منها، وكان الملك الحسن الثاني رحمه الله، حريصا على إقبار أخبارها وأسرارها، تفاديا لاستمرار البحث عن دوافعها وأسبابها والمسؤولين عنها، بقدر ما يحرص كتاب “الصخيرات المجزرة السياسية” على استخلاص الدرس مما خطته دماء الضحايا، ودموع الثكالى على جبين التاريخ المغربي المعاصر.
فيما يلي، تقدم “الأسبوع” أقوى ما كتبه الراحل مصطفى العلوي عن محاولة انقلاب الصخيرات، عبر حلقات ضمن ركن “الحقيقة الضائعة”.

بقلم: مصطفى العلوي

في خريف سنة 1970، كان شاطئ تمارة الممتد من الرباط إلى بوزنيقة، النصف دائري المصون بنتوءات البحر، وكأنه بحيرة صغيرة، يكاد يختفي تحت أكداس مكدسة من البراريك الخشبية العمودية التي لا تكاد ألوانها تتشابه، وكأن أذواق أصحابها لا تتفق إلا على رسم خطوط عريضة ملونة على الحواجز الخارجية الخشبية لتلك البيوت الصغيرة التي تعد بالمئات، وتذكر المشاهد، الواقف على ربوة تمارة، بالشواطئ الإسبانية أيام المحنة التي سبقت الازدهار الإسباني الزائل.

وذات صباح مبكر من شتاء سنة 1969، كانت مجموعة من السيارات الفخمة واقفة فوق الربوة المرتفعة المطلة على شاطئ البحيرة، وكان عدد من الرجال واقفون يقررون مصير هذه المنطقة التي تشوه مناظرها سمعة البلاد.

وصدر الأمر في ذلك الصباح الباكر.

“نريد شواطئ جميلة وفيلات فخمة من هنا، من تمارة إلى هناك في أكادير، نريد هذا بدون هوادة ولا تأخير”، كان قائل هذا التعبير هو وزير الداخلية.

في الصباح التالي، كان نفس المشهد ونفس السيارات واقفة، وكان الجنرال أوفقير وزير الداخلية والسكنى والتعمير، محاطا بعدد من الخبراء، يضع الخطوط العريضة لتنفيذ البرنامج، وقال بعد ستة أشهر، ستكون هذه البقعة شيئا آخر، وبعد أربعة وعشرين ساعة، أمضى عامل الرباط مئات الرسائل موجهة إلى أصحاب البيوت الخشبية يأمرهم بنقل بيوتهم كلها، خشبية كانت أو مبنية، وإفراغها في ظرف أسبوعين.

وتوصل مئات الناس بالرسائل، فنظروا إليها نظرة استغراب، وقالوا جميعا: إنها مجرد تهديدات، وقرروا جميعا إجراء الاتصالات للحصول على قرار بالتراجع عما جاء في رسالة العامل.

ولم يفرغ أحد بيته ولم ينقله، فلقد تعودوا على أن رسائل العامل عادة ما تكون مطبوعة بالتهديد، وعادة ما تبقى حبرا على ورق.

وباستثناء بعض الناس الذين سارعوا إلى نقل ما هو عزيز عليهم من أمتعة وثلاجات وراديوهات، فإن الشاطئ بقي على حالته متحديا القرارات والإرادات.

بعد أسبوعين من تاريخ رسالة عامل الرباط، كانت الحركة في شاطئ تمارة غير عادية.. مئات من رجال القوات الاحتياطية محملة بالفؤوس والمعاول محمولة على عشرات الشاحنات تغزو المناطق المحيطة بالشاطئ، وقد سبقتها عشرات من الرافعات والحاملات والدكاكات التي أحاطت بالبيوت الخشبية.

في السادسة صباحا، وقد كلف أوفقير مساعده الجديد، المهندس محمد الداودي، الذي كان مديرا للسكنى، أن يصحى، حيث أحاطت المزنجرات الرافعة بالبيوت الخشبية وشرعت محركاتها في الدوران وسلاسل عجلاتها الضخمة في التحرك، بينما أخذت البيوت الخشبية تتساقط وكأنها من ورق تحت أذرعة الرافعات الضخمة، والأمتعة والراديوهات والمكتبات والمكاتب والأفرشة تتطاير عبر أسنان الرافعات وكأنها تريد الخلاص من بين الأنقاض.

وما هي إلا ساعات معدودة، حتى كان الحي الخشبي قد تحول إلى ربوة من الأنقاض فوق رمال الشاطئ المستدير، وأمواج البحر تتهافت نحوها وكأنها تريد الانقضاض على تلك الربوة من الأنقاض، ولكنها تتراجع كلما تقدمت، وكأنها مذعورة من هول المنظر.

وتراجعت المزنجرات والرافعات إلى الوراء وكأنها حيوانات الديناصور تتراجع إلى الخلف بعد أن أشبعت نهمها.

وبسرعة خاطفة، تقدمت عدة شاحنات لرجال الإطفاء مجهزة بأحدث ما كان العالم يعرفه في تلك الأثناء في مجال الإطفاء.

وكان رجال الإطفاء قد تهافتوا على تنظيف سياراتهم الكبيرة الحمراء ولمعوها، وفي حسبانهم أنهم سيتوجهون إلى عملية إطفاء كبيرة.

وتقدمت سيارات الإطفاء وأحاطت بأكمة الأنقاض، ثم تسابق رجالها بخوذاتهم الفضية على رؤوسهم، وتصاعدوا على المصاعد في حركات رياضية رائعة، ثم أمسكوا بخراطيم المطاط ووجهوها نحو الأكمة متراصين في انضباط كبير وكأنهم ينفذون عملية إعدام.

وكان سكان قرية تمارة، قد تهافتوا بالمئات وتراصوا على جنبات الربوات المطلة على المشهد الغريب، ولم يمكنهم أن يتقدموا أكثر، فقد كان رجال القوات الاحتياطية موجهين إليهم بنادقهم الرشاشة والشرر يتطاير من عيونهم.

إن سكان تمارة، لأول مرة في حياتهم، يرون رجال المطافئ يوجهون خراطيم سياراتهم نحو شيء غير مشتعل.

وتساءل الناس: إذا كان رجال المطافئ يريدون إغراق هذه الأنقاض، فلماذا لا يدفعون بها إلى البحر وهو على بعد عشرة أمتار منهم؟

وفعلا، صدر أمر وأخذت سيارات الإطفاء تنفث من خراطيمها شلالات قوية بعيدة المدى، وبغتة، سرت في الهواء رائحة غريبة، إنها رائحة البنزين.

لقد كانت خراطيم سيارات الإطفاء تلفظ أطنانا من البنزين على أنقاض الشاطئ الذي كان منذ ساعات مليئا بالبيوت.

وأخذ سكان تمارة يتراجعون إلى الوراء أمام رائحة البنزين التي غمرت الآفاق، لكن تراجعهم لم يطل، فما هي إلا لحظات حتى ألقت بعض الأيدي قنابل مشتعلة وتحول المشهد في لحظات إلى حريق مهول، وارتفعت حرارة المنطقة، وزاد الناس تراجعا وزاد المنظر رومانسية.

وبعد دقائق، كانت ربوة البضائع والأمتعة وجدران البيوت الخشبية التي كانت مرتعا ومخابئ متعة وأعشاش سعادة، قد تحولت إلى كومة من الرماد.

كانت تلك بداية عملية سميت عملية الشواطئ، وعلى مدى أيام طويلة، كانت عملية الهدم والإحراق تستمر على طول الشواطئ الموالية لشاطئ تمارة، سهب الذهب، الكونطر باندي، بينما كان مئات رجال القوات الاحتياطية وشاحنات الإسمنت والحديد وعشرات المهندسين ومئات البنائين وأطنان الأعشاب قد حولت المنطقة إلى ورش يفوق الخيال.

وكثرت أحاديث الناس، وبردت النيران التي ألهبت بالحقد والمرارة أكباد أصحاب تلك البيوت، عندما جاءتهم رسالة أخرى من العامل يستدعيهم لتسجيل أنفسهم للحصول على عقود ملكيات جديدة لبيوت جديدة ستخلف براريكهم القديمة.

وتحول الغيظ إلى استبشار.

وكان الحديث في جوانب أحد البيوتات الكبيرة، حيث كان أوفقير مستلقيا على أحد الأرائك الوثيرة مختفيا وراء نظاراته الأزلية، والسيكار الطويل بين أصابعه اليمنى، وكأس الويسكي في اليد الأخرى، حينما تسرب إلى آذانه نقاش بين مجموعة من أولئك الذين تعود على إرخاء السمع نحوهم، فقد كان معروفا بالإصغاء وهو يدير عينيه وكأنه لا يسمع شيئا، فمن محادثاتهم يستوحي قراراته، ومن نكتهم يستمد حكمته، ومن طول ألسنتهم يختصر تصرفاته، وكان المحدثون أو المتحدثون ينفثون المعاني والمغازي، ويرفعون من يشاؤون ويذلون من يشاؤون، حينما قال أحدهم: هذه هي الدنيا، واحد اعطاتو وواحد عراتو.

فيسأله الثاني وماذا تقصد؟

فأجاب الأول: بيتي أنا المسكين هدموه في السابل دور، كما هدموا بيوت كل الناس، ولكنهم لم يجرؤوا على هدم بيوت الكبار.

والتفت أوفقير وكأنه يريد أن يستفسر لولا أن أحد المشاركين سأل: ومن هم الكبار الذين تعني؟

فاستجمع المتحدث الأول قوته وقال: بيت المذبوح، الجنرال المذبوح لم يجرؤوا على المس به، كما لم يجرؤوا على المس ببيت صهره المارشال أمزيان، وهل تعرف أن الكولونيل اعبابو أحاط بيته في سابل دور بالعسكر حتى لا يقترب منه أحد.

وهب أوفقير بالوقوف والانسحاب وكأنه ينهزم أمام هذا الاتهام، فهو لا يقبل إطلاقا مواجهة نقط الضعف، ولا تقبل أعصابه اتهامه بالعجز، خصوصا إذا كان ذلك العجز مفروضا عليه بحكم الظروف.

لكنه وهو يهم بالوقوف، أصيب بشبه تجمد وكأنه أصيب بالشلل حينما سمع صوتا يقول له: إيوا يا أوفقير ما هذا؟ بأي حق تهدم بيوت الناس وتترك بيت المذبوح وأمزيان، أليسوا مثلهم مثل الناس؟

فارتسمت ابتسامة على شفتي أوفقير، وسارع لدفع نظارتيه إلى أعلى عينيه، ثم عاد للجلوس دون أن ينطق بكلمة واحدة.

لم يكن أوفقير يعرف أن حديث الأمس قد نقل بالحرف، إلى أسماع الجنرال المذبوح.

وكان وهو لازال في فراشه في صباح اليوم التالي، قد أصدر أوامره إلى قائد القوات الاحتياطية، الكومندان الزموري، بتوجيه فرقة لهدم البيوت الباقية في شاطئ السابل دور، دون أن يذكر اسم أصحابها، فلم يكن باقيا في ذلك الشاطئ إلا البيوت التي كانت محط حديث الأمس.

وكانت العادة، أن أوامر الجنرال أوفقير تنفذ قبل أن تمر الساعة.

ووصلت شاحنتان محملتان بالمعاول والفؤوس مسبوقة بسيارة “جيب” محملة ببعض ضباط القوات المسلحة، وقد جلس الكومندان الزموري بجانب السائق، لكن مفاجأة الضباط وجنود القوات المساعدة كانت كبيرة عندما وصلوا بيت الجنرال المذبوح، لقد وجدوا البيت محروسا بكوكبة من الجنود شاهرين أسلحتهم.

ولم يطل الحديث، إن الضابط رئيس الجنود المكلفين بحراسة بيت المذبوح قد وصلوا قبل الكوكبة المكلفة بهدم البيت، ولديهم أوامر بمنع أي أحد من الاقتراب، وإذا اقتضى الأمر، فهم مستعدون لاستعمال أسلحتهم.

وطبعا، ليست الفرصة متكافئة، والكومندان الزموري مكلف بمهمة هدم البيت لا خوض معركة مسلحة على رجال الشاطئ، لذلك عاد من حيث أتى، ووصل إلى مقر قيادته حيث اتصل بالجهاز اللاسلكي وأبلغ الجنرال أوفقير أسباب عدم تنفيذ أوامره.

وكان أوفقير يرتدي ثيابه قرب زوجته الجميلة فاطمة الشنا، عندما أبلغ بالخبر.

وبكل برودة، وضع ملابسه المدنية جانبا، وأمر بإحضار كسوته العسكرية، ثم وضع قبعة جنرال على رأسه، وألقى نظرة على المرآة قبل أن يخرج ويركب سيارته ليتوجه إلى قيادة القوات المساعدة، وتشكل موكب من جنود القوات المساعدة مسلحين برشاشاتهم، وصدرت الأوامر للجميع بتعقب سيارة أوفقير.

وبعد دقائق، كان الفوج المسلح مسبوقا بسيارة أوفقير يصل الشاطئ ويقف بباب بيت المذبوح، ونزل أوفقير من سيارته وتقدم ببرودة من الحراس المسلحين ومن ضابطهم الذي أدى التحية للجنرال.

فبادره أوفقير بالسؤال:

– من بعثكم هنا؟

– الجنرال المذبوح يا مون جنرال.

– ومن أكون أنا؟

– الجنرال أوفقير يا مون جنرال.

– إذن، تراصوا هنا.. وضعوا أسلحتكم هنا، وهذا هو أمري إليكم.

وارتبك الضابط رئيس حراس بيت المذبوح حينما نهره أوفقير:

– انتباه، تنفيذ.

ووضع حراس المذبوح أسلحتهم جانبا، ثم أصدر لهم أوفقير أوامره بالانسحاب، وتقدم رجال القوات المساعدة وحملوا الأسلحة إلى سيارات “الجيب”، ثم تقدم رجال الهدم وبدؤوا في هدم البيت، بينما تولت مجموعة أخرى شحن الأنقاض في شاحنات كبيرة.. بينما كانت فرقة أخرى تحمي العملية موجهة رشاشاتها في مختلف الاتجاهات.

ركب أوفقير سيارته وانطلق محركها وأقلعت، ثم توقفت، ونادى أوفقير على أحد ضباط القوات المسلحة وقال له: لا تهدموا بيت المارشال أمزيان، ثم انصرف.

وبعد ساعات، كان بيت الجنرال المذبوح قد أصبح فسحة واسعة وكأنه لم يكن.

أما بيت المارشال أمزيان، فلازال قائما إلى الآن.

وبعد سنة، نظم المذبوح محاولة انقلاب 1971، وبعد سنتين، نظم أوفقير محاولة انقلاب 1972.

 

يتبع

تعليق واحد

  1. رحم الله الأستاد مصطفى العلوي الصفي المقتدر الذي كشف لقرائه حقائق ضائعة طيلة مسيرته الصحفية الحافلة بالأحداث المثيرة والغريبة التي عاشها المغرب فجر الاستقلال.
    تغمده الله برحمته واسكنه فسيح جناته

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق